انطلقت فرقة "كحلون" للمواهب الفنية في مدينة "صدد" بريف "حمص" التي تتألق بتراثها العريق وتنوعها الثقافي، لتجمع الأطفال والشباب وكبار السن في مساحة فنية آمنة، فيغدو الفن جسراً يربط بين الإبداع والإنسانية ويُحيي "التراث الصددي"، ضمن مبادرة أطلقتها "ملك حنون" مدرّبة الصوت وتقنيات الأداء الغنائي.
التأسيس في زمن التحديات
للتعريف بفرقة "كحلون" والهدف من تأسيسها تحدثت لـ "مدونة الموسيقا" مديرة الفرقة "ملك حنون" قائلة: «تأسست الفرقة عام 2015 في بلدة "صدد"، في ظل غياب المؤسسات الفنية وبُعد البلدة عن "المراكز الثقافية"، إضافة إلى الظروف الصعبة التي عاشتها "سوريا" آنذاك، وما تركته من أثر نفسي على الأطفال واليافعين، ولم يكن تأسيس الفرقة مشروعاً فنياً تقليدياً فحسب، بل استجابة ثقافية وتربوية هدفت إلى خلق مساحة آمنة للتعبير، والحفاظ على هوية الجيل الصاعد، وتقديم الفن كبديلٍ إنساني عن العنف ومصدرٍ للأمل والانتماء».
وتشير إلى أن الفرقة انطلقت بإمكانات شديدة التواضع معتمدة على الإيمان بالفكرة، حيث صُنعت أول ستارة مسرح من أغطية طاولات مُعاد تدويرها، وقدمت باكورة أعمالها عام 2016 بمناسبة عيد الأم، قبل أن تُسجَّل لاحقاً رسمياً كفرقة تابعة لـ "مديرية الثقافة في حمص" وتعمل برعاية "وزارة الثقافة".
وحول تسمية الفرقة باسم "كحلون" تقول: «استمدّت الفرقة اسمها من "جبل كحلون" أحد المعالم الطبيعية شمال بلدة "صدد"، في إشارة رمزية إلى الجذور الثقافية للبلدة، كما تعكس التسمية إيماننا بوجود طاقات ومواهب فنية محلية تستحق الرعاية والتنمية، إلى جانب دلالتها على الصمود والثبات، حيث ترى الفرقة في الفن وسيلة للحفاظ على الهوية والذاكرة الثقافية».
منصة للمواهب
للتعريف بعدد أعضاء الفرقة والفئات العمرية، تقول "حنون": «تضمّ الفرقة اليوم نحو مئة عضو من مختلف الفئات، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الموهبة لا يحدها العمر، ويشارك أطفال ابتداءً من سن السابعة إلى جانب شباب وكبار تجاوزت أعمارهم الخمسين، في مشهد إنساني يوحّد الأجيال حول رسالة واحدة».
وتضيف: «يضم الفريق مزيجاً من أكاديميين متخصصين في الصولفيج والغناء والعزف والتوزيع الموسيقي، وخريجي المعاهد والكليات الموسيقية، بالإضافة إلى مختصين في التمثيل والإخراج المسرحي، وهواة من كتّاب ورسامين ومغنّين وعازفين على آلات موسيقية أساسية مثل "العود والكمان والأورغ وآلات الإيقاع"، ويتم صقل هذه المواهب من خلال بروفات أسبوعية تمنحهم فرصة التطوير العملي والتجريب الفني والظهور على المسرح ضمن عروض منظمة».
التراث والطرب
فيما يتعلق بأبرز الأمسيات والأعمال الموسيقية التي قدمتها فرقة "كحلون" خلال مسيرتها الفنية، تقول "ملك حنون": «قدمت الفرقة برامج غنائية متنوعة تجمع بين "الكلاسيكي والطربي والتراثي والتراتيل الدينية بالعربية والسريانية"، مع اهتمام خاص بالمقامات "الشرقية والغربية"، كما شاركت في مناسبات دينية ووطنية واجتماعية وثقافية داخل البلدة، وقدمت أمسيات مميزة منها "من حجارنا العتيقة" بمشاركة 145 عضواً، وأمسية "رح نرجع" ذات البعد الإنساني والتضامني، إلى جانب مشاركتها في "مهرجان السلام" الذي نظمته محافظة ومديرية سياحة حمص، حيث قدمت ميدلي من التراث الصددي».
وعن أحدث أعمالها تقول: «نظمنا أمسية موسيقية بعنوان "فجر جديد" في الشهر الأول من العام الحالي، وقد شكلت انطلاقة لأداء جديد، قدمت الفرقة خلالها برنامجاً منوعاً شمل تراث الرحابنة والزجل وأعمالاً لـ "فيروز وميادة بسيليس وذكي ناصيف ونصري شمس الدين ووديع الصافي وسيد مكاوي وجورج وسوف"، إضافة إلى العتابا والميجانا»، مؤكدة مكانتها في الحفاظ على التراث وإثراء الساحة الفنية المحلية.
وتشير إلى أنّ الفرقة تحيي التراث الشعبي من خلال "مشدّات وزفّات وأغانٍ تراثية"، بعضها من تأليفها وبعضها من المخزون الشعبي القديم، وتوثق "الأغاني والأهازيج" الصددية والسريانية من كبار السن وتؤرشفها رقمياً، وحظيت أعمالها بتفاعل واسع، حيث يترقب الجمهور عروضها بشغف وحضور داعم.
الدعم والتحديات
تحدثت "حنون" عن أهم التحديات التي تواجه الفرقة، مشيرة إلى أن أبرزها غياب مقر دائم ومجهّز للبروفات، إذ تُجرى التدريبات منذ نحو ثمانية أعوام في قبو منزل أحد أهالي البلدة، كما تعاني الفرقة من نقص تجهيزات الصوت وغياب صالات مخصصة للعروض، لافتة إلى أن محدودية مقر التدريب ونقص الخدمات الأساسية فيه يفرضان قيوداً على استيعاب الأعداد المتزايدة، مما أدى إلى الحد من عدد المنتسبين بعد أن بلغ سابقاً نحو 180 موهبة، مؤكد أهمية أن يكون هناك دعم مؤسساتي لاستمراريتها وتطوير أدائها.
وحول التحضير لأعمال فنية قادمة تقول: «تعمل الفرقة حالياً على توسيع اهتمامها بالتراث اللامادي ليشمل مختلف مناطق سورية وتراثها المتنوع، كما تُحضّر عملاً غنائياً يوثّق مراحل "العرس الصددي"، من "طلبة العروس" إلى "لزقة العجينة على الحائط"، إضافة إلى عرض غنائي جديد سيُقدّم على "مسرح قصر الثقافة" في "حمص"».
وعن أمنيات فرقة "كحلون" أوضحت "حنون" رغبة الفرقة بالاستمرار رغم الظروف كلها، والحصول على دعم يوازي جهدها، وتأمين مقر دائم لها، مشيرة إلى طموحها في توسيع نشاطها إلى محافظات وأرياف أخرى، وتعزيز تبادل الخبرات، وصولاً إلى إنشاء "مجمّع ثقافي" متكامل يضم قاعات تدريب واستوديوهات تسجيل وصالات عرض ومكتبة موسيقية ومسرحية لخدمة أبناء صدد والمناطق المجاورة.
أصوات كحلون
تحدثت "نغم قرقور" المغنية والمشرفة على "قسم الغناء" في الفرقة، عن آلية التدريب وتعليم المشاركين أصول الغناء قائلة: «نبدأ بتمارين صوتية لتهيئة الحنجرة، تليها تمارين الصولفيج بالتعاون مع الزميلة "مجدولين الشيخ" وبإشراف مسؤولة الفرقة "ملك حنون"، ثم نؤدي الأغاني المختارة مع التركيز على صحة الأداء ومخارج الحروف، إلى جانب تزويد المشاركين بمعلومات موسيقية من اختصاصي في المعهد الموسيقي».
وأضافت: «تعمل الفرقة بالتعاون مع كبار البلدة على اختيار الأغاني التراثية الخاصة ببلدة "صدد" والمنطقة المجاورة، وتسعى إلى توفير بيئة داعمة لاكتشاف المواهب وتدريبها، بهدف الحفاظ على التراث الغنائي الشعبي ونشر قيم المحبة والسلام».
ويؤكد "بشار عساف" عازف "الكمان" في الفرقة أهمية إنشاء فرقة موسيقية تحتضن المواهب من أبناء المنطقة، وتتيح تبادل الخبرات وتطوير الأفكار، مؤكداً أن التراث الموسيقي يعبر عن هوية المنطقة ويربط بين الأجيال، وأن الاستمرارية تتحقق عبر التطور والابتكار، مع أهمية الدعم المعنوي واستقاء آراء الجمهور لتطوير العمل، مشيراً إلى دور الفن في تنمية شخصية الطفل وإدراكه، وضرورة الاهتمام بالأطفال وتشجيعهم.
ويقول عازف العود "جوني قرقور" عن مشاركته: «انضممت للفرقة منذ تأسيسها عام 2016، وكان لها دور كبير في جمع مواهب أبناء البلدة من مختلف الأعمار في الغناء والموسيقا والمسرح والتمثيل، والحفاظ على التراث الشعبي للقرية والمنطقة بأسلوب جذاب عبر الغناء والعروض والمشاهد الفلكلورية في الأعراس والمناسبات. وفي الأمسية الأخيرة توسعت الفرقة لتقديم الأغاني التراثية وأنماط موسيقية متنوعة، ولاقت محبة وتشجيع الأهالي مما عزز دورها في جمع الأطفال والشباب على نغمات الموسيقا وروح المحبة والانتماء والحفاظ على التراث "الصددي"».
أما الطفل "ميشيل نصار" فيتحدث عن مشاركته في "قسم الغناء" قائلاً: «أنا عضو في فرقة كحلون منذ خمس سنوات، وبدأت الغناء عندما كان عمري ثمانية أعوام تحت إشراف وتدريب مديرة الفرقة "ملك حنون" التي اهتمت بنا كثيراً، وتدربت وتعلمت منها أصول الغناء وفن إلقاء الزجل في الأمسيات، حيث شاركت في تقديم أمسية "فجر جديد"، وأشعر بالسعادة لانضمامي إلى الفرقة، وأتمنى أن نحقق نجاحات أكبر، كما أطمح لتطوير نفسي لأصبح مغنياً على المسارح، مع رغبتي في الاستمرار بالبقاء ضمن الفرقة ومتابعة مسيرتي الفنية فيها».