تقدم فرقة "أصلان" للعزف الفلكلوري الشركسي ألواناً غنية من التراث، تعكس في مضمونها الهوية الثقافية الشركسية مجسدة قيمها الفنية والإنسانية، معتمدة منهج تمزج من خلاله بين موسيقا المهجر والتراث "القفقاسي"، عبر تقديم معزوفات جماعية وفردية إضافة إلى الغناء، لتشكّل بذلك جسراً يجمع الأصالة بالتجديد.

النشأة والبداية

«كانت الجمعية الخيرية الشركسية الحاضنة الأولى لانطلاق النوتة الموسيقية الشركسية من خلال توظيف آلاتٍ كلاسيكية مثل "الكمان والفلوت"، لتصبح المكان الذي وُلدت فيه فكرة تشكيل أول فرقة موسيقية تُعنى بالحفاظ على التراث الشركسي وإحيائه وتقديمه بأسلوب معاصر، لتكون بذلك السبّاقة على مستوى سوريا»، بهذه العبارات تحدثت مديرة الفرقة "دينا باكير" لـ "مدونة الموسيقا" معرّفة بفرقة "أصلان" للعزف الفلكلوري الشركسي مشيرة إلى أنها تأسست عام 2018 بتعاون بينها وبين مدرب الفرقة "محمد أواري" الذي عمل على جمع نوتات من التراث الشركسي، وأضاف إليها لمسات حديثة بطابع حماسي ومنوّع يتناسب مع الآلات الموسيقية الجديدة.

عن ولادة الفكرة تقول "باكير": «بدأت فكرة تأسيس الفرقة الموسيقية "الشركسية" بطريقة عفوية جداً، عندما اكتشفنا أن فتاتين من فرقة الرقص تجيدان العزف على آلتي "الكمان والفلوت". وشكّل هذا الاكتشاف الشرارة التي دفعتنا للتفكير في تأسيس فرقة موسيقية شركسية تهدف إلى الحفاظ على التراث، ونقل رسالة إلى المجتمع مفادها أن الشراكسة لا يرقصون فقط، بل يعزفون أيضاً موسيقا تُعد جزء لا يتجزأ من هويتهم الثقافية. وعلى الرغم من أن الموسيقا الشركسية التقليدية تعتمد أساساً على "الأكورديون" لقيادة اللحن و"البربان" لضبط الإيقاع، فقد سعينا إلى تطوير الفكرة وتوسيعها. وقمنا بنشر إعلان لاستقطاب عازفين جدد، وانضمت إلى الفرقة آلات متنوعة مثل "الغيتار الكلاسيكي، الغيتار البيس، الدرامز، الأورغ"، لتضفي لمسة معاصرة على التوزيع الموسيقي، دون التفريط في روح التراث وأصالته».

فرقة أصلان للعزف الفلكلوري الشركسي

وتشير إلى أنه مع انتشار خبر تأسيس الفرقة، وصل صداها إلى "القوقاز"، موطن "الشراكسة" الأصلي، حيث لاقت المبادرة ترحيباً واسعاً فقام بعض المهتمين بدعم الفرقة وتزويدها بآلة موسيقية تقليدية، أبرزها "الشكابشنا" ومن المجتمع المحلي تم اهداء الفرقة "الأبابشنا والكلارنيت والبربان" لتكتمل الحلقة بين الماضي والحاضر، موضحة أن دخول هذه الآلات التراثية يجسد العودة إلى الجذور وإبراز الهوية الثقافية بشكل حيّ. فقد اعتمدت الفرقة منهجية مزجت بين موسيقا المهجر والتراث "القفقاسي"، من خلال تقديم معزوفات جماعية وفردية إضافة إلى الغناء، لتشكّل بذلك جسراً يجمع الأصالة بالتجديد.

التوثيق وحفظ الفولكلور

الفرقة التي تضم اليوم عشرين عضواً تتراوح أعمارهم بين 17 و 64 سنة، تسعى إلى القيام بدورها الأساسي في توثيق وحفظ الفولكلور الشركسي ونقله إلى الأجيال الجديدة، فهي تعمل على تقديم التراث الموسيقي بدقة وأصالة، هذا ما أكدته "باكير" لافتة إلى حرصهم على اللمسات العصرية التي تجذب الشباب وتقربهم من ثقافتهم. «الفرقة لا تكتفي بعرض الأداء الفني، بل تسعى لأن يكون كل عرض رسالة هوية وانتماء، تعكس المعاني التاريخية والاجتماعية للموسيقا الشركسية وتؤكد على استمراريتها وتجددها في المجتمع».

جزء من فرقة أصلان للعزف الفلكلوري الشركسي

وفيما يتعلق بخصوصية الأزياء التي تظهر بها الفرقة، وإن كانت تتبدل بين حفل وآخر، تقول: «هي مستوحاة من التراث الشركسي "القفقاسي" وتعكس الهوية الثقافية. فالزي التراثي للفتيات مصمّم خصيصاً ليكون جميلاً وأصيلاً وفي الوقت نفسه عملياً، يتيح حرية الحركة أثناء العزف على الآلات الموسيقية. وقد تتغير الأزياء بين حفل وآخر حسب طبيعة المناسبة والإمكانيات المادية للفرقة، لكنها دائماً تحافظ على الأصالة والروح التراثية».

وحول قدرة الفرقة على إظهار غنى الفلكلور "الشركسي" تقول: «تظهره من خلال تنوع الألحان والإيقاعات التي تقدّمها وتعبّر عن مشاعر مختلفة مثل "الفرح، الحزن، الحماسة". كما يظهر الغنى في استخدام مجموعة متنوعة من الآلات الموسيقية التراثية والحديثة، ما يتيح تقديم التراث بروح أصيلة ومعاصرة في الوقت نفسه».

جزء من فرقة أصلان للعزف الفلكلوري الشركسي

بين الظهور الأول للفرقة عام 2019 وظهروها مؤخراً في حفل بعنوان "من روح القفقاس"، وكلاهما أقيما في "دار أوبرا دمشق"، ما الذي تغير؟، تجيب قائلة: «بدأت الفرقة أول حفل لها بخمسة أشخاص فقط، مع التركيز على تقديم الموسيقا الشركسية وفهم التراث. ولكن مع مرور الوقت كبر الفريق وتطورت المهارات، وأصبحنا قادرين على تقديم عروض أكثر ثراء وتنظيماً. واليوم بات التطور ملحوظاً في التنسيق بين الأعضاء وتنوع الآلات وجودة الأداء والطريقة التي نقدم بها التراث، مما يعكس نمو الفرقة من مجرد بداية صغيرة إلى مشروع فني وثقافي متكامل». وتنهي كلامها بالإشارة إلى تنوع البرامج التي يقدمونها تبعاً للمناسبة والجمهور، الأمر الذي من شأنه أن يجعل كل حفل تجربة جديدة، ويُبرز بالوقت نفسه ثراء الموسيقا "القفقاسية" وتعدد ألوانها بطريقة جاذبة وممتعة للجمهور.

ثوابت موسيقية

مدرب الفرقة "محمد أواري" تحدث لـ "مدونة الموسيقا" مشيراً في بداية كلامه عن آلية التدريب التي تجري بشكل أسبوعي وعلى مدار العام "يوم الجمعة" في مقرّ الجمعية، موضحاً أن العمل تطوعي لكامل أفراد الفرقة، ومنبعه حب الموسيقا والفولكلور "القوقازي".

مدرب الفرقة محمد أواري

وحول كيف يتم جمع الموسيقا الشركسية التراثية التي تناقلت عبر الأجيال بشكل شفوي ضمن نوتات لتُقدمها الفرقة، يقول: «من خلال الانتقال الموسيقي عبر الأجيال التي تهجّرت، وخاصة كبار السن، فقد حملوا معهم موسيقاهم وأغانيهم التراثية. وعندما استقرّوا، قاموا بتعليم أولادهم هذه الأغاني والمقطوعات. وكان بينهم من اهتم بنقل الأغاني وعزفها على آلة "الأكورديون"، فتناقلتها الأجيال رغم تفرّقها في مناطق عدة. ومن خلال الزيارات المتبادلة في مناطق مختلفة، كانوا يعلّمون بعضهم البعض ما سمعوه من غيرهم في مناطق وبلدان أخرى». ويؤكد أن الفرقة تهدف إلى توثيق هذا التراث الموسيقي وتقديمه إلى الجمهور على اختلاف مشاربه بشكل جاذب للحفاظ عليه.

ويؤكد أن لكل مدرب رؤيته الخاصة في تقديم هذا الفن، لكن ضمن ثوابت موسيقية اتفق عليها أغلب من أسسوا وساهموا فيما يُسمى "الموسيقا الأصلية"، كما أن لكل مدرب هامش يمكنه من خلاله أن يوزع العمل الموسيقي كما يراه مناسباً، وفق خبرته ونظرته دون المساس بأصالة التراث.

جان بلقر
شوقي جاويش

الآلات التراثية

وإن كانت الفرقة تُعنى بالتراث فقط، يوضح "أواري" أنه تصلهم باستمرار أعمال موسيقية حديثة من "القوقاز" وقد عزفوا بعضاً منها في حفلهم الأخيرة، بما يجمع بين الأصالة والتجديد. وعن الآلات التي تستخدمها الفرقة ولا نراها في فرق أخرى، مثل "الأوكورديون، البلاليكا، الكموز، الشكابشنا، البربان، الكوموز"، وأهمية حضورها في الموسيقا الشركسية، يقول: «هي آلات موسيقية تراثية "قوقازية"، ويضاف إليها "الفلوت"، وقد دخل عليها "الأكورديون" منذ حوالي 200 سنة، وأصبح لا يُستغنى عنه لقوة وجمال صوته، وخاصة في الأعراس، لأنه في ذلك الزمان لم تكن هناك مضخمات صوت، وكان الأكورديون يفي بالغرض بصوته القوي والواضح».

تعتمد الفرقة على هذه الآلات إضافةً إلى بعض الآلات الحديثة، وأي آلة أخرى يمكن أن تفيد وتكمل الأداء الموسيقي وتفي بالغرض في تقديم التراث، ويعدد المدرب الآلات التي تستند عليها فرقة الموسيقية الشركسية عادة: «أهم الآلات التراثية هي: "الاكورديون، البربان، الشكابشنا، آبابشنا، البخطرق، الناي الشركسي والذي يُسمى القامل"، إضافة إلى بعض الآلات الحديثة التي تكمل الأداء الموسيقي مثل "الكمان، الفلوت، الدرامز، الغيتار الكلاسيك، الغيتار البيس، الأورغ"، والهدف منذ هذه الآلات تقديم التراث الشركسي، وأن تسمح للفرقة بعرض الفولكلور بروح عصرية، مع الحفاظ على الأصالة التراثية وجاذبيتها للجمهور».

ويلفت إلى أن "الموسيقا الشركسية" شأنها شأن أي موسيقا في العالم، تحتوي على ألحان وأغانٍ للحب والحزن، وأخرى حماسية تعبّر عن القوة والفخر والانتماء. ويلف إلى أن ما يوحد "الموسيقا القوقازية" بأنها نابعة من معاناة وبيئة وعادات متشابهة تقريباً، يقول: «أغلب الظن أن سكان "القوقاز" كانوا متقوقعين ويسكنون الجبال، لأن الجبال كانت درعاً يحميهم من الأخطار والطموحات والغزوات الخارجية، لذلك لم يتأثروا كثيراً ولم يؤثروا في غير محيطهم بالنسبة للموسيقا والعادات. ولكن حديثاً، وبعد انفتاح الدول على بعضها البعض، أصبحوا يدرّسون الموسيقا في الأكاديميات، مما جعل الموسيقا "القوقازية" تتأثر ببعض الأنماط الجديدة، لكنها لم تخرج عن روحها الأصلية، وحافظت على أصالتها مع توظيف الحداثة لخدمة التراث».

مسؤولية ثقافية

تضم فرقة "أصلان" مجموعة من الشبان والشابات من مختلف الفتات العمرية، حاملين معهم التراث الشركسي، من بينهم "جان بلقر" خريجة إدارة أعمال، تعزف على آلتي "الكمان" و"الشيكابشنة" في الفرقة، بدأت دراسة الموسيقا عام 2015 في معهد متخصص، وانضممت إلى فرقة "أصلان" سنة 2018. تقول: «تمثل الفرقة بالنسبة إلي مسؤولية ثقافية قبل أن تكون نشاطاً فنياً، لأنها مشروع للحفاظ على التراث "الشركسي" ونقله إلى الأجيال القادمة، وأعتبر مشاركتي فيها التزاماً شخصياً تجاه هويتي وجذوري، وفي الوقت ذاته جزءاً من مشروع جماعي أكبر يهدف إلى صون هذا الإرث وتعزيزه في المجتمع».

وتؤكد أنها تنظر لما يقدمونه بعين الوفاء للأصالة والحرص على الدقة التاريخية، مع إدراك أهمية تقديم التراث بروح معاصرة تجذب الشباب وتقربهم من ثقافتهم، تقول: «ما نقدمه ليس مجرد عرض فني، بل رسالة وهوية وانتماء، وتأكيد أن التراث الشركسي حي ومتجدد وقادر على الاستمرار».

هوية وتاريخ ورسالة

أما "شوقي جاويش" طالب في الصف الثالث الثانوي العلمي، فيقول: «لم أتخصص في دراسة الموسيقا بشكل أكاديمي، وإنما بدأت رحلتي الموسيقية بتعلم العزف على آلة "الأورغ" من خلال متابعة القنوات التعليمية على اليوتيوب، بدافع الشغف وحب الاكتشاف، ثم طلبت الحصول على آلة "الأكورديون"، ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة جديدة، حيث اعتمدت على تقليد العازفين المعروفين في الفلكلور "الشركسي"، فكنت أحفظ حركات الأصابع وأتدرب عليها باستمرار حتى أتقنتها، ولفت عزفي مديرة فرقة "أصلان"، فمنحتني فرصة الانضمام إلى الفرقة، وتعلمت قراءة النوتة الموسيقية بجهد شخصي، بدعم من المدرب وأصدقائي في الفرقة».

ويشير "جاويش" إلى أن الموسيقا تشكل بالنسبة إليه متنفساً ووسيلة لصفاء الذهن، ورغم أولوياته الدراسية وتحديد مساره المهني المستقبلي، إلا أنه يعتبر الموسيقا والفرقة جزء أساسي من حياته، يقول: «أؤمن أن الموسيقا ليست مجرد ألحان تُعزف، بل هوية وتاريخ ورسالة، ومن خلال عزفي لمقطوعات الفلكلور "الشركسي"، أسعى إلى المساهمة في الحفاظ على هذا التراث العريق ونقله إلى الأجيال القادمة بروح أصيلة ومتجددة في آنٍ واحد. فالتراث "الشركسي" يمثل جزءاً مهماً من ثقافتنا وهويتنا، وتُعد الموسيقا من أبرز الوسائل التي تحفظ هذا الإرث وتُبقيه حياً في الذاكرة والوجدان. لذلك أحرص دائماً على تقديم المعزوفات بإحساس صادق واحترام عميق لقيمها التاريخية والثقافية، إيماناً مني بأن الحفاظ على التراث مسؤولية جماعية وشرف أعتز بحمله».