يُعدّ مشروع "جدل" مبادرة ثقافية شبابية تهدف إلى إحياء التراث العربي وتقديمه برؤية معاصرة عبر أنشطة موسيقية وثقافية متنوعة، تسهم في تعزيز الهوية المشتركة وقيم التعايش، وتمكين الشباب السوري من المشاركة والإبداع.
رحلة التطوع والموسيقا
عن تأسيس المشروع وأبرز المبادرات التي قدّمها، تحدث مديره ومؤسسه "محمد صواف" لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «بدأ المشروع كعمل تطوعي عام 2022، وتمّ إطلاقه رسمياً عام 2023، وضمّ من الجانب الموسيقي ثلاثة أقسام: "فرقة جدل الموسيقية" وتتكون من 11 عازفاً، و"كورال جدل" يحوي 20 مغنّياً، و"أوركسترا العود" تضم نحو 12 عازفاً متخصصاً، إضافة إلى وجود جانب اجتماعي يتمثل في منصة إلكترونية تهتم بقضايا الشباب».
ويتابع: «قمنا عام 2024 بمسابقة مشروع "بيمول" للأصوات الشابة، وأطلقنا بعدها "كورال السلام" بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "UNDP" و"الملتقى الثقافي اليسوعي"، ليكون جزءاً من مبادرة "جدل" حيث أُدرج ضمن مشروع أكبر بعنوان "حوار من أجل السلام" وانتهى مؤخراً لنعود لاستخدام اسمنا الأساسي ليصبح "كورال جدل" بفرقة "جدل الموسيقية"».
وحول مشاركاتهم الموسيقية في مدينة "حمص"، يقول: «شاركنا ضمن مشروع "حوار من أجل السلام" بعدة مبادرات، والذي يهدف إلى نبذ خطاب الكراهية والعنف وتعزيز تقبّل الآخر، وأتت مشاركتنا من خلال تأسيس "كورال السلام" الذي ضم أشخاصاً من مختلف مناطق وأطياف المدينة ليعكس تنوعها الاجتماعي والثقافي، كما شاركنا في فعاليات "يوم التحرير"، ومعرض "طريق" بالتعاون مع مؤسسة "مدد للفنون البصرية"، إضافة إلى مبادرات أخرى مثل "مطبخ الوئام" لدمج ذوي الإعاقة، و"كلاسيكو" المرتبطة بكرة القدم، وافتتاح مقهى تراثي في حمص». مبرزاً دوره في تعزيز الموسيقا والثقافة بين الشباب والمجتمع.
وفيما يتعلق بالأغاني التراثية التي قدّمها "كورال السلام" يقول: «قدّمنا في عروضنا مجموعة من الأغاني المرتبطة بالتراث والذاكرة السورية المشتركة انسجاماً مع فكرة مشروع "حوار من أجل السلام"، وحاولنا التركيز في الحفل الختامي على شارات الدراما السورية وأغانٍ من التراث السوري، إضافة إلى مختارات من أعمال "عبد الحليم حافظ وفيروز"، ضمن ميدليات تعتمد على الغناء الجماعي وتهدف إلى إيصال فكرة أن ما يغنّيه الفرد يمكن أن تغنّيه الجماعة أيضاً، وفي النهاية تبقى هويتنا واحدة فنحن جميعاً سوريون».
ويشير إلى رسالة مشروع "جدل": «يتمثل هدف المشروع في دعم الشباب الموهوبين وتمكينهم من تطوير أفكارهم ومهاراتهم الفنية، من خلال توفير التدريبات اللازمة ومرافقتهم في إنتاج محتوى مرئي يُنشر عبر منصات "جدل" ووسائل التواصل الاجتماعي بما يعكس إبداعهم على أرض الواقع، ونسعى أيضاً إلى بناء مجتمع ثقافي متكامل يجمع الموسيقيين والمغنّين والملحّنين وصنّاع المحتوى في ملتقى ثقافي يشكّل مساحة جامعة للتعاون والإنتاج الفني ودعم الشباب".
التراث الموسيقي ذاكرة وهوية
لم تعد الموسيقا مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت وسيلة إنسانية تسهم في تقوية التواصل وبناء السلام، حول هذه الفكرة تحدث "شادي فحام" قائد فرقة "جدل الموسيقية" قائلاً: «تمثل مشاركتنا في مشروع "حوار من أجل السلام" مسؤولية إنسانية، حيث تتحوّل الموسيقا من مجرد فن للاستمتاع إلى وسيلة للتواصل، وشعرت أنّ الموسيقا هنا لم تكن للترفيه فقط، بل جسراً يجمع أشخاصاً من خلفيات متنوعة تحت سقف واحد يستمعون إلى رسالة واحدة، ولم تكن محايدة بل طرحت أسئلة بدون كلمات وفتحت قلوباً كانت مغلقة أمام كل أشكال التواصل التقليدي، وقد علمتني هذه التجربة أنني لست مجرد عازف، بل إنسان قادر على المساهمة في صناعة السلام».
ويؤكد "فحام" أن التراث الموسيقي ليس مجرد ألحان قديمة، بل ذاكرة وهوية صوتية للمجتمعات، تعكس قيمها وتقاليدها وتشكّل جسراً بين الأجيال، وتعمل الفرقة على الحفاظ على هذا التراث من خلال التوثيق الأكاديمي وإعادة تقديم المقطوعات بأمانة، مع التجديد الواعي عبر ترتيبات موسيقية معاصرة وطرق عرض مسرحية جاذبة تحافظ على جوهره الأصلي وتصل إلى الجمهور المعاصر.
ويتابع: «قدّمت الفرقة أعمالاً تراثية متنوعة لكبار الفنانين العرب، وأغانٍ معاصرة وشارات مسلسلات مثل أعمال "طاهر مامللي"، كما أطلقت أغنية جديدة ضمن حفل "كورال السلام"، من كلمات أعضاء الكورال وألحان "أنس الصالح"، تعكس قدرة الموسيقا على تخطي الحواجز، وتجسيد السلام كحالة من الوئام والتعايش والأمل والحب والتسامح، لتصل إلى جميع الأعمار بطريقة مؤثرة وجذابة».
وفيما يتعلق بكيفية حفاظ الفنان على التراث الموسيقي وتقديمه بطريقة معاصرة يقول "فحام": «تتدفق الموسيقا اليوم بفيض غير مسبوق، إلا أنّ خوارزميات المنصات الرقمية رغم روعتها قد تخلق أحياناً شعوراً بالانفصال عن الجذور، حيث يصعب اكتشاف أغاني التراث أو تتبع مسارات إبداعية أصيلة، وفي هذا السياق يصبح الموسيقي المعاصر حارساً للذاكرة الجماعية وناقلاً أميناً لها عبر الأجيال، ويبرز دور مبادرات مثل مشروع "جدل الموسيقي" كنموذج عملي لكيفية الحفاظ على التراث وصنع حوار بين الأصالة والمعاصرة، بين الآلات التراثية والحديثة، وبين الثقافات الموسيقية المختلفة، كما تفعل العديد من المبادرات الشبابية الناجحة».
كورال يوحّد الشباب
يتحدث "طوني حبيب" عازف عود ومغنٍ في فرقة "جدل الموسيقية" عن الفكرة الأساسية من إطلاق "كورال السلام" قائلاً: «جوهر المشروع يقوم على التنوع والتعدد، وقد أثمر ذلك مزيجاً موسيقياً وغنائياً مميزاً أضفى طابعاً جميلاً نال إعجاب الجمهور وتفاعله، إذ جمع الكورال أشخاصاً من مختلف مكونات الشعب السوري في أجواء أخوية عفوية وتفاعلية، ليحمل رسالة إلى العالم عبر منظمة الأمم المتحدة مفادها أن الشباب السوري يدٌ واحدة، والحروب والظروف الصعبة لن تفرّقه».
وحول أهمية إطلاق "أوركسترا أعواد جدل" يقول "حبيب": «ظهورها على خشبة المسرح يمنح المكان رهبة خاصة منذ اللحظة الأولى، فكيف إذا شاهد الجمهور هذا العدد من آلات "العود" بما تحمله من تنسيق وانسجام يخلق مشهداً بصرياً وموسيقياً مبهراً، كما تتضمن الأوركسترا أدواراً فردية مخصصة للعازفين المتميزين، تتيح لهم استعراض مهاراتهم الفنية وإيصال هويتهم الموسيقية إلى الجمهور».
وعن كيفية مساهمة "أوركسترا العود" في الحفاظ على الهوية "الموسيقية الشرقية" وتجديدها يقول: «أنا من مؤسسي "أوركسترا أعواد جدل"، وكان تأسيسها حلماً جمعني بزملائي بفضل شغفنا بالعزف على آلة "العود" وتعلّقنا بها سعينا إلى إنشاء "الأوركسترا" على مستوى سوريا، إيماناً منّا بأنها وسيلة للحفاظ على هويتنا الموسيقية التراثية، حيث اخترنا مقطوعات موسيقية متنوعة، وأضفنا إليها بصمتنا الفنية عبر رؤى توزيع حديثة».
وينوه إلى تأثير آلة العود في الذوق الموسيقي، يقول: «يمكننا اليوم اعتبار العود آلة ذات تأثير كبير في أي مشروع فني أو تعليمي أو حتى إنتاجي، بوصفها آلة شرقية تحافظ على التراث الشرقي وتُعدّ جزءاً أصيلاً منه، وبالتالي فهي تسهم في الحفاظ على هويتنا الشرقية سواء في الأغاني أو الألحان، والذي يميّز مشروع "جدل" أنه جمع أشخاصاً مبدعين يمتلكون أفكاراً مميزة، لكنهم لم يكونوا قادرين على تنفيذها بشكل فردي، ومن هنا جاءت فكرة المشروع القائمة على التعاون وتبادل الدعم من أجل احتضان أفكارنا الإبداعية وتنفيذها بأسلوب جميل وصحيح، قادر على الوصول إلى قلوب الناس».
ويشدد على أهمية إحياء الموسيقا الشرقية ودعم المبدعين يقول "حبيب": «نحاول كشباب نقل إحساسنا بالاندفاع نحو حياة جديدة، وتشجيع الشباب السوري على الانخراط في الفن والثقافة والموسيقا، وأرى أن الموسيقا الشرقية تواجه خطر التراجع، ما يستدعي جهوداً حقيقية لإحيائها والحفاظ عليها، إلى جانب ضرورة وجود جهات داعمة للمواهب والإبداع. وأنصح كل موسيقي بالتدريب المستمر والمثابرة وقراءة النوتة والتعلم مع أساتذة مختصين، مع التركيز على التقاسيم في جميع المقامات وليس في مقام واحد فقط، ليتمكّن العازف من بناء مخزون موسيقي يساعده على تحديد هويته وشخصيته في العزف، فالاهتمام بالموسيقا الشرقية ليس مجرد فن، بل رسالة للحفاظ على الهوية وبناء مستقبل موسيقي نابض بالحياة».