تعيد "مدونة الموسيقا"، وفي إطار محاولتها لحفظ الذاكرة الموسيقيّة السوريّة، ولملمة المبعثر والمتناثر منها؛ إحياء ونشر العديد من المواد المنشورة منذ أعوام على مدونة وطن eSyria مدعَّمةً بفيديوهات صوّرها فريقُ عمل المدونة آنذاك، ولم تنشرْ لأسباب فنيّة.

داهمه المرض وهو في مطلع شبابه، فابتعد عن عمله الذي يحب، جلس في دكان صغيرة في بلدة كل ما فيها يوحي بالسلطنة والغناء، هذا إن عرفنا أن صاحب الصوت الحزين "أحمد دلا" ابن بلدة "بري الشرقي" الواقعة بين "العروس" و"البلعاس"، بدأ بتجويد القرآن، وقراءة الأناشيد الدينية، ثم التقى بصديقه الموسيقي "صدر الدين الحلاق" ليكون الصوت الذي يرافقه دائماً في كل المناسبات.

مدونة وطن eSyria زارت الفنان "أحمد دلا" يوم السبت 19/1/2013 في بلدته وكان معه هذا اللقاء، فاتحاً أمام القارئ قراءة تجربة صوت نبت وترعرع في الريف، فقال: «بدايتي كانت مع تجويد القرآن الكريم، ففي المناسبات الدينية كنت من يستهل هذه الاحتفالات بتجويد شيء من الذكر الحكيم، ويمكن الإشارة إلى الزمن الرسمي للبداية والتي كانت متأخرة بعض الشيء أي في العام 2004 عندما دعاني صديقي الفنان الموسيقي "صدر الدين الحلاق" والذي هو الآخر كان قد تقاعد من عمله الوظيفي فشكلنا ثنائياً أعتقد أننا قدمنا ما باستطاعتنا بحسب الإمكانيات المتاحة لكلينا».

أحمد دلا

مما لا شك فيه أنه يمتلك صوتاً رقيقاً، هادئاً، مساحته منخفضة لكنه يلعب جيداً ضمنها، الحزن أكثر الألوان التي يعشقها، اعتقد أن المرض الذي صادقه مبكراً منحه هذا الحزن الجميل غناءً فقط، كما أنه تميز عن كل مطربي بلدتنا, ولأنه قرأ صوته جيداً تحدث إلينا عن اللون الغنائي الذي ينتهجه، فقال: «بعيداً عن اللون الغنائي السائد في محيط بيئتي ملت إلى "اللون الفراتي" الذي شعرت بقربه مني من ناحية الإحساس هذا من جهة، وصدق الكلمة التي ميزت هذا اللون من جهة ثانية، وما يميز هذا اللون هو الحنين الدائم في مفردات الكلمة، كذلك ملامستها المباشرة لخلجات الروح».

لكن لكل منا ما يتأثر به، و"أحمد" تأثر بشكل أو بآخر بمحيطه الصغير، وقال عن ذلك: «قديماً كانت وسيلة الاستماع الوحيدة هي الإذاعة عبر جهاز الراديو ومنه كنا نسمع الأغاني العربية على تنوعها، لكن الألوان الريفية تعرفت عليها من خلال أشرطة الكاسيت التي لا يخلو منزل من وجودها مع جهاز المسجلة، وهذا ما أتاح لنا الفرصة أن نتعرف على العتابا والمولية والحوارات الساخنة التي كانت بين الفنانين الشعبيين "صالح الرمضان" و"عقيل قدور"، كذلك صوت مطربي القرية ذائعي الصيت "صادق حديد" وابنه "محمد" كذلك "محمد خضر عثمان" الشهير بـ"أبي خضر المغربية"، كان مسجل الكاسيت وسيلتنا لسماع مثل هذه الأصوات والتأثر بها».

الفنان أحمد دلا مع صديقه صدر الحلاق

من هنا يعتقد الفنان "أحمد" أن الغناء بالنسبة له مسألة بعيدة عن الاستثمار المادي لكنه وكما يقول: «صوت يخرج من عمق الروح ليرسل إلى الآخر نبضات متتالية رقيقة تارة وعصيبة تارة أخرى، فعله كفعل السحر، غايته الابتعاد عن اللحظة الآنية. الغناء مرهم لكل جرح، وتحليق في السماء عبر كلمات صاغها بكل تأكيد عاشق مثلي، ووضع لحنها من هو بنفس المشاعر، لذا أجد نفسي أغني في السهرات التي تجمع الأصدقاء خاصة في ليالي الشتاء الباردة، فهذه الأغنية تبث الدفء في أوصال كل محب».

بهذه الكلمات عبّر عن حبه وفهمه لما تعنيه الأغنية.

ثم تحدث عن تجربته التي تكاد تقتصر على الثنائية التي جمعته مع الموسيقي "صدر الدين الحلاق" ابن بلدته وصديقه الذي يلتقي به يومياً، يقول: «بعد أن تركت العمل الوظيفي نتيجة المرض دخلت عالم الغناء الخاص بي وليس الغناء لأجل الكسب، ومن خلال تأثري كما أسلفت بـ"اللون الفراتي" فقد وجدت ضالتي عند صديقي "صدر الدين" وتعاونا تقريباً في كل ما كتب ولحّن، وتشاركنا في الأفكار التي يجب التطرق إليها، فمنها ما كان بقصد التوجيه والتوعية من خلال أغنيات تناهض التدخين، وأخرى ما يمكن تسميته بنبش التراث أو الفلكلور وتقديمه في قالب غنائي بسيط وشفاف وقريب من القلب خاصة لكبار السن الذين وكثيراً ما يعبّرون عن نشوتهم لأننا أعدناهم إلى أيام مضت لم يعد من تفاصيلها إلا الذكريات».

أما عن طموحه من الفن فقال: «لا يوجد أكثر مما هو متوافر، فلكي تصل لا بد من زمن طويل عدا أن الطريق ليست سالكة بسبب معوقات كثيرة، فليس كل ما يسّوق في الإعلام من أصوات وأغانٍ هي الأفضل، وليس كل ما يلمع ذهباً، وأعتقد أن هناك من الأصوات المغمورة وغيرها ممن أصبح تحت التراب أهم بكثير مما يطفو على ساحة الفضائيات والإذاعات الحالية».

بدوره تحدث إلينا الفنان "صدر الدين الحلاق" عن الخامة الصوتية التي يملكها "أحمد" حيث قال: «يمتلك صوتاً رقيقاً، هادئاً، مساحته منخفضة لكنه يلعب جيداً ضمنها، الحزن أكثر الألوان التي يعشقها، اعتقد أن المرض الذي صادقه مبكراً منحه هذا الحزن الجميل غناءً فقط، كما أنه تميز عن كل مطربي بلدتنا».

ــ يذكر أن الفنان "أحمد دلا" من مواليد عام 1964 في قرية "بري الشرقي".

ــ من الأغاني التراثية التي غناها: "جدي"- "يا ستي الختيارة". "صرخة البراعم" - وأغانٍ فراتية متنوعة، إضافة إلى العتابا والمولية.

ــ شارك في العديد من المناسبات.