يتميز صوتها بالدفء والإحساس العميق والمعرفة الموسيقية الرصينة، إنها "نغم نادر" التي استطاعت أن تنقل عبر أدائها روح الطرب الشرقي الأصيل، وتُبشّر بمستقبل فني مشرق، حيث يجمع صوتها بين الموهبة الطبيعية والدراسة الأكاديمية.
البداية نحو الإبداع
ولدت في مدينة "حمص" عام 1994، ودرست الغناء في كلية "التربية الموسيقية"، متصدرة دفعتها بالمرتبة الأولى، وتابعت مسيرتها الأكاديمية لتحصل على ماجستير تأهيل وتخصص في التربية الموسيقية، وهي عضو متمرّن في "نقابة الفنانين" السوريين، وتقوم حالياً بتدريس الغناء، وتتابع في صقل مهاراتها ونقل خبرتها إلى الأجيال الجديدة، مواصلة في الوقت نفسه بناء مسيرتها الفنية الواعدة.
التقت "مدونة الموسيقا" الشابة الواعدة "نغم نادر" للحديث عن بداياتها في عالم الموسيقا والغناء، فتحدثت قائلة: «بدأت تعلّم الموسيقا منذ عمر الخامسة على آلة "الأورغ" بفضل والدتي الأستاذة الموسيقية، التي كانت أوّل من علمني أساسيات الموسيقا. أحببت الغناء منذ صغري وكنت أشارك في المخيمات الصيفية التابعة للكنيسة وأغنّي فيها مع الأطفال، كما شاركت في عدة كورالات كنسية، منها كورال "كنيسة البشارة"، وكورال كنيسة "الروح القدس" في الحميدية».
وتضيف: «بدأت تعلم الغناء أكاديمياً عندما التحقت بكلية "التربية الموسيقية" عام 2012، حيث درست أصول "الغناء الأوبرالي" على يد عدد من الأساتذة المتميزين. كما قمت خلال فترة الدراسة بالكلية وبعد التخرج بتعلّم الغناء الشرقي تحت إشراف الأستاذ وعازف الكمان "صفوان العويل"، الذي درّسني العزف على "الكمان" لمدة أربع سنوات قبل دخولي "كلية الموسيقا"، وبعد أن أصبح تخصصي الغناء، شرعت في التعمق أكثر في "الغناء الشرقي" معه بالتوازي مع دراستي لـ "الأوبرا" في الكلية، وله الفضل الأكبر في مسيرتي الفنية وتعليمي "المقامات الشرقية والإيقاعات"، وكانت تلك المراحل أساسية في تطوير صوتي وخبرتي في الموسيقا الشرقية».
شغف الموسيقا
حول اهتمامها بالموسيقا والعزف على آلات متعددة تقول: «"آلتي الأولى كانت "الأورغ"، ثم انتقلت في المرحلة الإعدادية للعزف على آلة "الكمان"، ومع دخولي المرحلة الجامعية اتسعت تجربتي الموسيقية بتعلم العزف على "البيانو" إلى جانب الغناء إضافة إلى آلة "العود"، ولكن يبقى "البيانو" الأقرب إليّ رغم أن لكل آلة تعلمتها بصمتها الخاصة وأثرها الجميل في نفسي. أما تعلّم قراءة النوتة فكان منذ صغري مع والدتي، ثم درست الصولفيج الإيقاعي والغنائي في "كلية التربية الموسيقية"، واستكملت دراسة منهاج الصولفيج الخاص بـ "المعهد العالي للموسيقا"، وأنا أؤمن أن خبرة المغني في الصولفيج أساسية لفهم الألحان كنوتات موسيقية واكتشاف الأخطاء وتصحيحها، مما يرفع مستوى أدائه أكاديمياً، كما يتيح فرصاً للعمل مع فرق موسيقية وأوركسترات احترافية».
وفيما يتعلق بمشاركاتها الغنائية تقول: "شاركت خلال فترة دراستي في "كلية التربية الموسيقية" بالعديد من الفعاليات الفنية بالتعاون مع طلاب وأساتذة الكلية، وشاركت في العام الماضي بحفل "قصائد مغنّاة" الذي أُقيم على مسرح "دار الأوبرا بدمشق" برفقة "الفرقة الوطنية للموسيقا العربية" وبقيادة المايسترو "عدنان فتح الله"، وقدّمت خلاله قصيدة "فوق هاتيك الربا" من كلمات وألحان "زكي ناصيف" والتي اشتهرت بأداء السيدة "فيروز"، كما شاركت في مهرجان "مالمو الدولي للعود والغناء العربي" بعد رؤية إعلان المسابقة على مواقع التواصل، وأرسلت فيديو للتقييم الأولي الذي تأهلت على أساسه لجولة التصويت الجماهيري، وتضمنت المرحلة التالية السفر إلى "السويد" والمشاركة في عروض المغنيين أمام لجنة التحكيم، لكن المهرجان أُلغي بسبب ظروف الحرب في المنطقة».
تجربة رائدة وتحديات
قدّمت "نغم" تجربة فنية مميزة في إعداد وتدريب الكورال، وأسهمت في الارتقاء بمستوى الأداء الجماعي للأصوات، عن تجربتها تقول: «قُمت بتدريب كورال معهد "ياني" التابع لمديرية ثقافة حمص لمدة خمس سنوات تقريباً، وضم الكورال فئات عمرية من 19 إلى 40 سنة، كانت تجربة غنية بالتحديات والنجاحات، حيث تم تدريب الكورال على أداء أغانٍ شرقية لـ "أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز وماجدة الرومي" وغيرهم، بالإضافة إلى مقطوعات آلية تم تأديتها بأصوات بشرية، وهو ما شكل تحدياً فنياً لإعادة توزيع القوالب الآلية على أصوات متعددة، فضلاً عن أعمال غربية موزعة على أربع أصوات "سوبرانو، آلتو، تينور، باص"».
وتتابع: "ضم "الكورال" في غالبيته طلاباً ودارسي موسيقا متقدمين من "كلية التربية الموسيقية" وخريجين، بالإضافة إلى هواة بمستوى متقدم، وقدّم "الكورال" عدة حفلات حظيت بتقدير الجمهور على مسرح "قصر الثقافة بحمص"، كما شارك في مهرجانات مثل مهرجان "القلعة والوادي"، وذلك كله تحت إشراف الأستاذ "حسان لباد" مؤسس "أوركسترا وكورال ياني"».
تشير "نغم نادر" إلى التحديات التي يواجهها المغنّون اليوم وتأثيرها على اختياراتهم الشخصية، ومنها افتقادهم لتنظيم حفلات دورية كالتي تُقام في "دار الأوبرا"، مما يقلل فرص الأداء المباشر أمام الجمهور، مؤكدة أنها تسعى على صعيدها الشخصي إلى دراسة كل خطوة تخطوها بعناية وإن كانت بسيطة، مثل نشر محتوى فني على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتمكن من تقديم نفسها بأفضل صورة تليق بالفن الذي تقدمه.
تنوع غنائي
عن كيفية اختيارها للأنماط الغنائية التي تقدمها تقول: «لا ألتزم بنوع غنائي محدد بقدر ما ألتزم بالقيمة الفنية لما أقدمه، مما يجعلني أميل للطرب الأصيل فهو يجمع بين الجمال والحرفية، ويُظهر خبرة المؤدي، وأمارس في الوقت نفسه أنماطاً متنوعة مثل الموسيقا الهندية والأوبرا لتنمية قدراتي الصوتية، وأستمتع بالغناء ضمن رباعي صوتي "S-A-T-B" لما يتطلبه من انسجام وسماع دقيق للأصوات الأخرى، وأحبّ أي نمط غنائي يمثل تحدياً ويحفزني على التدريب المستمر والاكتشاف والتطور».
وحول الإرشادات والنصائح التي تقدمها لكل من يمتلك موهبة: «أنصح كل طفل يمتلك موهبة في الموسيقا عامةً وفي الغناء خاصة، أن يعطي أهمية حقيقية للتعلم الأكاديمي، لا سيما مادتي "الصولفيج الإيقاعي والغنائي"، فهما المفتاح لفهم الموسيقا بشكل أعمق، كما أن التدريب المنتظم هو سر نجاح أي موهبة، أما بالنسبة لجيل الشباب فأوصي كل موهبة بالاهتمام بالفن الأصيل ومبادئ الغناء، بالإضافة إلى دراسة نظريات الموسيقا مثل "المقامات والإيقاعات"، لأنها تشكل الأساس المتين لـ "الغناء الشرقي"».
وفيما يخص طموحاتها المستقبلية في عالم الغناء تقول: «أتمنى في المستقبل الغناء مع فرق محلية وعالمية ذات مستوى موسيقي محترف والعمل على إنتاج أغانٍ خاصة بي، كما أطمح لتعليم أكبر عدد ممكن من الطلاب الموهوبين والمحبين للغناء الشرقي أسس هذا الفن، بما في ذلك الصولفيج الغنائي ونظرياته، لأنني أؤمن أن العطاء هو جوهرة تصنع وتحمي كل فنان حقيقي، وأن الفن لا قيمة له ما لم يولد فينا روح العطاء بصدق ومحبة».
التألق بين الغناء والعزف
تحدث عازف الكمان "صفوان العويل" لـ "مدونة الموسيقا" عن "نغم نادر" قائلاً: «التقيتُ بها وهي في الصف السادس الابتدائي، عندما كنت أدرّسها مع إخوتها، وبدت موهبتها واضحة منذ البداية، حيث تعلّمت العزف على الكمان والعود والبيانو"، ثم فاجأتني بصوتها الغنائي المميز، فامتلاك موهبة صوتية صافية وخالية من النشاز أمر نادر حتى بين الموسيقيين المتميزين، وهي تبذل جهداً كبيراً في التدريب، وكان لهذا الاجتهاد الدور الأكبر في تطورها اللافت، وقد اقترحتُ عليها التركّيز على الغناء، خاصة أنها تحب الجمع بين الغناء والعزف، وبدأنا بتجارب بسيطة وكانت مدهشة. ثم وضعنا منهجاً تدريبياً لتطوير صوتها، ركّز في بدايته على اللفظ الصحيح لأنه جوهر الغناء الحقيقي».
وفي حديثه عن تفرّدها وخبرتها الموسيقية يقول "العويل": «مع بداية دراستها في "كلية الموسيقا"، تطورت خبرتها بشكل ملحوظ وظهر تفرّدها الحقيقي، فهي لا تمتلك دقة عالية في إصابة النغمات فحسب، بل تتمتع بفهم عميق للموسيقا الشرقية يشمل الإدراك المقامي وربط الشعر بالموسيقا، وهو مستوى يتجاوز الأداء التقليدي ويعكس وعياً موسيقياً فريداً، هذا الفهم مكّنها من استيعاب طبيعة الغناء ذاته، وهي قدرة لا يمتلكها كثيرون».
ويضيف: «في هذه المرحلة درست نغم الغناء العربي والمقامات بدقة، فعملنا على تحليل كل مقام وتطبيقه عملياً، ثم انتقلنا إلى ربط المقامات ببعضها ضمن السياق الغنائي، وهي من أصعب مراحل التكوين الفني، وبعد أن استوعبت الصورة الكاملة، بدأت تُبدع بشكل مستقل متقنة أداء الأغاني والزخارف الصوتية بجهد كبير والتزام عالٍ، واجتمع هذا الإخلاص مع موهبتها الفطرية ليُثمر أداءً صادقاً وساحراً، يظهر في غنائها وتعليمها على حد سواء وهو أمر نادر بالفعل».
وحول رأيه باختيارها التريّث ورفضها الانغماس في الشهرة السريعة يوضح: «"نغم" إنسانة راقية وملتزمة أخلاقياً وتحترم عملها بعمق، ولا ترى الشهرة هدفاً بحد ذاتها بل نتيجة طبيعية للجهد والموهبة، وخلال السنوات الماضية ورغم قدرتها على إقامة العديد من الحفلات، اختارت التريّث احتراماً لقدسية المسرح وإيماناً بأن الظهور الفني يجب أن يكون مقروناً بقيمة حقيقية، فهي تعمل وتتدرب بإخلاص وتترك للقدر أن يقود خطواتها، وحين تأتي الفرصة ذات المعنى كما في حفل "دار الأوبرا" تكون حاضرة بكل استحقاق».
مصدر إلهام
"كلير نادر" التي تقوم بتدريس الموسيقا، تحدثت عن أختها ورفيقتها الفنية "نغم" قائلة: «بدأت والدتنا بتعليمنا العزف على "الأورغ" بعمر مبكر، وكانت المفاجأة أن أختي "نغم" بموهبتها الفطرية بدأت تعلمها الموسيقي في الخامسة من عمرها، وحرصت أمي على الاهتمام بها وتعليمها بعد أن أظهرت شغفاً بالموسيقا لم يتوقف حتى الآن، حيث كان والدانا داعمين لنا في كل خطوة، ولاحقاً درسنا الموسيقا معاً وتشاركنا الرحلة الدراسية للصولفيج والغناء، مما أتاح لنا بيئة مناسبة لتطورنا الفني».
وتضيف: «تعلّم "نغم" العزف على آلة "الكمان" ساعدها على تطوير فهمها للجمل اللحنية، وانعكس ذلك بشكل واضح على دقة وانسيابية أدائها، وهذا يفسر أهمية تعلّم كل مغنٍ آلة موسيقية إلى جانب الغناء، وبما أنني درست اختصاصها نفسه أستطيع ملاحظة تطورها الفني بدقة ووضوح، وأرى فيها مصدر إلهام لنا جميعاً، فهي دائمة التدريب والسعي للتطور، وأتمنى لها مستقبلاً يليق بما يحمله صوتها من تفرد موسيقي وأداء صادق ومؤثر».