ارتبط العيد بعدد من الأغنيات التي بقيت في ذاكرة السوريين منذ القدم وحتى يومنا الحالي، والكثير منها انتشر عربياً وهي لاتزال تُردد، منها أغنية "يا ليلة العيد آنستينا" للسيدة "أم كلثوم" التي صدرت في أربعينيات القرن الماضي، إضافة إلى العديد من الأغنيات العربية الأخرى، بما فيها "الخليجية" مثل "جانا العيد" لـ "عبد المجيد عبد الله"، والعديد من الأغنيات الأخرى.

التجربة السورية

لم يُخصص للعيد أغانٍ محددة في "سوريا" من قبل المطربين، وإنما كانت تُغنى أغنيات مرتبطة به، وبما أن لكل مناسبة خصوصيتها فكان للعيد طقوسه الخاصة من سماع التكبيرات عشية العيد وفي الصلاة، وسماع أغنيات العيد بعد صلاة الفجر.

ربما ما يميز العيد في "سوريا" تلك "الأهازيج الشعبية" المتوارثة والتي تعتبر من التراث الشفوي، منها ما كان يردده باعة المحلات للترويج للمأكولات، ومنها ما ارتبط بـ "أهازيج الأطفال" التي تردد في ساحات الألعاب، وعلى الرغم من بساطتها وكلماتها العامية إلا أنها باتت جزءاً من طقوس العيد.

الموسيقي علي أحمد

فمن منا لم يسمع: "بكرا العيد ومنعيد، ومندبح بقرة السيد" والتي تسبق عيد الأضحى، كذلك: "يا ولاد محارب" وهي تردد فترة أيام العيد خلال اللعب على الأرجوحة كحوارية بين الأطفال وصاحب الأرجوحة.

أغانٍ تنثر الفرح

حول أغنيات العيد في سوريا يتحدث المايسترو "أحمد رحيم" لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «تعبّر أغنيات العيد عن الفرح بقدومه كمناسبة احتفالية مميزة، ومثل هذه الأغنيات ليست كثيرة، منها "ليلة العيد" لـ "أم كلثوم"، و"أهلاً بالعيد" لـ "صفاء أبو السعود"، و"عيد وحب هاي الليلة" لـ "كاظم الساهر". ولكن تعتبر "أهلاً بالعيد" الأغنية الأشهر منذ إنتاجها عام 1982، وهي من كلمات "عبد الوهاب محمد" وألحان "جمال سلامة"، ولا تزال تتصدر المشهد في كل عيد. كذلك الأمر بالنسبة لأغنية "من العايدين" لـ "محمد عبده" فهي من الأغنيات الخليجية الخالدة التي ارتبطت بالمعايدات واللقاءات العائلية. وجرت العادات أن تعرض أو تذاع هذا الأغنيات ثناء وقبل العيد بفترة بسيطة، لتكون طقوساً اعتدنا عليها في كل عام».

المايسترو أحمد رحيم

ويتابع حديثه عما يفضل من أغنيات خاصة بمناسبة العيد، يقول: «أعشق أغنية "ياليلة العيد" والتي كانت الأكثر استماعاً ضمن المجتمع العربي، فهي تضم كلمات لطيفة وجميلة ولحن رائع وصوت يضع الجمال داخل قلبك، وينثر الفرح والتهاني، وتبقي هي الأغنية الأولى على السمع».

أعمال شبه نادرة

الموسيقي "علي أحمد" تحدث لـ "مودنة الموسيقا" قائلاً: «هناك أهازيج حول التحضيرات للعيد، هي على ارتباط وثيق بالتراث والتقاليد الشعبية، على سبيل المثال "يا عيد يا عيد"، "فرحنا يا عيد"، "عيدك يا حبيبي زهي"، هي أناشيد وأغنيات من الممكن أن نسميها أهازيج، وتُغنى عادة خلال فترة التحضير للعيد. والقليل من الناس يعرفون بوجود مثل هذه الأهازيج لأنه "مع الوقت" دخلت الموسيقا الحديثة والأنماط الغربية إضافة إلى التبادل الثقافي والتنوع الموسيقي، وباتت هذه الأهازيج أشبه بالنادرة، لكن لايزال هنالك قلة قليلة من الدمشقيين يعلّمونها لأطفالهم خلال فترة العيد».

الباحثة في التراث الدكتورة نجلاء الخضراء

تقليد تراثي

عن "تواشيح وأناشيد" العيد وروحانيته تقول الباحثة في التراث الدكتورة "نجلاء الخضراء" لـ "مدونة الموسيقا": «"التوحيش" هو تقليد تراثي ديني يُقام في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك لتوديعه، وهو عبارة عن ابتهالات وتواشيح دينية حزينة يؤديها المنشدون أو المؤذنون بأسلوب "الجوق" الجماعي، تعبيراً عن "الوحشة" التي سيتركها فراق رمضان في قلوب الصائمين، وتركز الكلمات على توديع الشهر الفضيل بعبارات مثل "لا أوحش الله منك يا رمضان.. يا شهر الخير والبركات" و"يا معدن الخيرات والإحسان"، ويشتهر الجامع الأموي في دمشق بهذه العادة، حيث تصدح مآذنه وجنباته بأصوات المنشدين ضمن طقوس "الأذان الجماعي" جوقة المنشدين».

وتلفت إلى أن تكبيرات العيد في "دمشق" تّعد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الروحية والتراثية للمدينة، حيث يختلط فيها صوت المآذن بعبق التاريخ، مؤكدة أن الجامع الأموي الكبير هو المركز الرئيسي للتكبيرات في "دمشق"، حيث تصدح مآذنه بصيغ التكبير الشامية الجماعية، ويجتمع فيه الآلاف لأداء صلاة العيد، كما تتردد أصداء التكبيرات في "مساجد دمشق القديمة"، بما فيها: مساجد أحياء الشاغور، الميدان، والقنوات، وتنتقل عبر الأسواق العريقة مثل سوق الحميدية.

روح التسامح

فيما يتعلق بأغنيات صناعة حلويات العيد تشير "نجلاء الخضراء" إلى الأغنيات التي تبدأ بـ "يامية مسا" والتي تُعتبر من الافتتاحيات التقليدية في "التعليلة" السورية "السهرة الاجتماعية"، حيث تبدأ النساء الغناء للترحيب بقدوم العيد وبدء عملية العجن، مع كلمات تتغنى برائحة اليانسون والشمرة "دقة الكعك" التي تملأ المكان. وتتابع قائلة:

«يعد طقس صناعة كعك العيد طقساً اجتماعياً تتخلله مجموعة من الأهازيج والأغنيات الشعبية التي تهدف إلى بث الحماس وتخفيف مشقة العمل الجماعي، وأبرز الأغنيات والأهازيج المرتبطة بصنع الكعك أغنيات "كعك التماري"، والتي تقول "تماري تماري، يا غادة التماري جاي من بلاده"، وتصف هذه الأغنية جودة الكعك وطراوته، وغالباً ما تُغنى بإيقاع يتناسب مع حركة فرد العجينة، وهناك عبارة "بتاكل العجوز بترجع صبي" وتُلحن ضمن الأهازيج للدلالة على القيمة الغذائية والطعم اللذيذ الذي يبعث النشاط. كما تستخدم النساء ألحان "الدلعونا" التقليدية مع تغيير الكلمات لتناسب أجواء العيد وصناعة الكعك. تُغنى بكلمات مرتجلة أحياناً تصف اجتماع العائلة حول "الطبلية" لتشكيل "أقراص العيد"».

وعن مكانة هذه الأغنيات في التراث السوري، تقول: «تكمن أهميتها في تحويل عملية التحضير من مهمة شاقة إلى احتفالية عائلية، حيث تُردد الأهازيج أثناء "تنقيش" الكعك بالمناقش المعدنية أو الخشبية لضمان تناغم العمل بين المشاركات».

وتلفت إلى أنه تُردد في العيد أغنيات تعكس الفرحة وروح التسامح والسعادة، وعن أغنيات المتربطة بالألعاب تقول: «تتنوع أغنيات العيد والألعاب الشعبية في التراث السوري لتعكس بهجة المناسبة وروح الجماعة، حيث تدمج بين الألحان التراثية والنشاطات الترفيهية البسيطة التي تجمع الصغار والكبار، فهناك أغنيات "الدلعونة والعتابا"، حيث تُعد "على دلعونا" من أكثر الألحان حضوراً في سهرات العيد، ويتم تطويع كلماتها لإظهار الفرح بقدوم العيد وزيارة الأهل. أما أغنيات الأطفال فتُتردد في الشوارع والبيوت وهي أغنيات كلاسيكية مثل "أهلاً بالعيد" و"جانا العيد"، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ثقافة العيد السورية».