اشتهر العديد من الفنانين السوريين بأداء الأغاني التراثية والطربية، بعضهم اقتصر على هذا النوع من الغناء، وبعضهم الآخر طغى هذا التوجه على مسيرته الفنية رغم إنتاجه لأعمال خاصة، والعديد منهم شكل مدرسة خاصة في توثيق التراث ونقله إلى الأجيال القادمة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل كان توجههم نحو التراث من باب حفظه أم لصعوبة إنتاج أعمال فنية خاصة بهم؟ وجاء عدم تقديمهم لأعمال خاصة بسبب تكلفتها العالية أم لصعوبة إيجاد فرص للأصوات التي تستحق؟.. أسئلة تفاوتت الإجابة عليها وفق تجربة وتوجه كل فنان.

قرار استراتيجي

الفنان "محمود الحداد" الذي اشتهر بغنائه التراث والأغاني الطربية لكبار المطربين العرب بمن فيهما "أم كلثوم وعبد الحليم حافظ"، يقول في حديثه لـ "مدونة الموسيقا": «لم يكن خياري التوجه للغناء الطربي والتاريخي بدافع السعي للحفاظ على التراث الغنائي فحسب، وإنما هو قرار استراتيجي يقوم على عدة اعتبارات: أولها أني أمر بمرحلة هامة من تطوير مهاراتي الفنية وتعزيز الأدوات التي تمكنني من تقديم أعمال تليق بطموحي، مما يتطلب وقتاً وجهداً لتأمين الأرضية القوية التي ستكون أساساً لأي عمل فني لاحق. وثانيها دراسة ومتابعة السوق الفني بتمعن، فأقوم بتحليل اتجاهاته وتفاعله مع الأعمال المختلفة، وهذا التحليل يساعدني على فهم المتغيرات ووضع استراتيجية تناسب الظروف الراهنة. أما ثالثها فتحديات إنتاج أغانٍ ذات قيمة فنية وتحقيق نجاح تجاري في آن واحد، فهو أمر يمثل تحدياً كبيراً في الوقت الحالي. خاصة أن الحروب والصراعات الدائرة أثرت سلباً على البنية التحتية للإنتاج الفني، فليس هناك شركات إنتاج فعالة قادرة على دعم المواهب بشكل كافٍ خاصة في "سوريا"، فالإنتاج الدرامي يصنع نجوماً على عكس الانتاج الغنائي السوري الخجول».

ويتابع: «لهذا السبب، وجدت أن العمل على التراث والفلكلور بطريقتي هو الحل الأمثل، وهذا التوجه له عدة فوائد: جذب الجمهور بشكل طبيعي من خلال ما يعرفونه ويحبونه، بناء جمهور مخلص وراسخ، تطوير أساليبي الفنية بشكل يتناسب مع ذوق المستمعين للجيلين القديم والجديد، وتوفير البيئة المناسبة لتطوير قدراتي كفنان تعب على نفسه. وبعد أن أحقق استقراراً جماهيرياً من خلال التراث، سأنتقل إلى إطلاق أعمالي الفنية بشكل مستقل. والأعمال التي أعمل عليها حالياً ستكون نتيجة لهذه المرحلة التمهيدية، وستحمل في طياتها الخبرة المكتسبة والرسالة الفنية التي أطمح إلى إيصالها. وهذا المسار ليس هروباً من التحديات، بل هو استراتيجية أظنها ستنجح لبناء أساس متين لنجاح مستدام في عالم الفن الذي يتطلب الصبر والتخطيط الدقيق».

الفنان محمود الحداد
الفنان محمود الحداد

مدرسة "وديع الصافي"

الفنان فيصل حلاق

الفنان "فيصل حلاق" الذي شبّه الكثيرون أسلوبه الغنائي بأسلوب الفنان "ملحم بركات"، يتحدث لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «أنا كمطرب انحدرت من مدرسة الفنان الراحل "وديع الصافي"، حيث قدمت على استوديو الفن وكنت من الثلاثة الأوائل من مدرسته وحاصل على الميدالية الذهبية، وعملت لمدة سبع سنوات في حلب وقيل لي أنها المرة الأولى التي يستمر فيها مطرب غير حلبي بالغناء في حلب، كما سافرت إلى العديد من الدول وغنيت فيها، وكان أساتذتي "عدنان أبو الشامات وإبراهيم جودت ومطيع المصري"، ولدى زيارة الراحل ملحم بركات لنقابة لاختياره أصوات وصف صوتي بـ "الخطير"».

حول إنتاج أغان فنية خاصة به يقول: «سجلت أربع أغانٍ في "بيروت" وأرسلتها للإذاعة السورية، وقدمتها للمسؤول عن دائرة الموسيقا حينها، وطلب أن أراجعه لأخذ النتيجة، ولدى مراجعته أخبرني أن صوتي ليس جميلاً وأن الأغاني بطيئة، عندها وقفت في ممر الإذاعة والتلفزيون وغنيت لـ "وديع الصافي"، فخرج الموظفون وأثنوا على صوتي ومن يومها لم أزر الإذاعة». ويشير إلى أن واحدة من الأغاني الخاصة به جاءت من ألحان "الياس كرم" واثنتين لـ "سليم ضو" الذي يلحن لـ "نهاد طربيه"، ويؤكد أنه سجلهم في بيروت ولكنهم يحتاجون إلى توزيع جديد حسب التحديثات الحالية.

الفنانة غادة الحاج

هيبة الأغاني التراثية

سبق للفنانة "غادة الحاج" تقديم العديد من أغاني الطرب، تقول لـ "مدونة الموسيقا": «أحب أغاني الزمن الجميل القديمة وأفضل أداء أغاني التراث لأني أعتبره فن قوي يحمل هويتنا الموسيقية، كما أنني درست الموسيقا الشرقية، ولأظهر ما درسته وأؤديه بشكل صحيح يتوجب علي أداء هذا اللون. كما أنني أغني على خشبات المسارح، وللمسرح هيبته، وأشعر أنه من واجبنا أن نُذّكر بالتراث والحفاظ على وجوده واستمراريته».

وحول تجربتها في أداء أغانٍ خاصة تقول: «أنجزت أغنيتين إحداهما قصيدة باللغة الفصحى، ولكن لم تحققا الانتشار، لأن الانتشار في هذا الزمن يتطلب تسويقاً ودعماً، وطالما أنني أعمل على نمط الأغاني القديمة فهي لا تحقق هذا الانتشار بسبب الجو العام وتوجه الناس الموسيقا، إضافة إلى أنه ليس هناك شركات إنتاج تتبنى المواهب الغنائية والموسيقية، كما أننا لم نجد فرص للعمل مع شركات إنتاج خارجية، فالموضوع ليس بالأمر السهل، وليس لدي القدرة المادية لإنتاج أغان خاصة، ولو كانت موجودة لأنتجت أغانٍ خاصة وإن على نطاق بسيط».

التراث لضمان النجاح

الوكيل في "المعهد العالي للموسيقا" الموسيقي "مروان أبو جهجاه" تحدث لـ مدونة الموسيقا" قائلاً: «أعتقد أن الإجابة يمكن تقسيمها الى شقين: الشق الأول هو أن اتجاه المغنيين لأداء هذا النوع من الفن هو ضمان للنجاح ونيل رضا الجمهور، بمعنى أن الأغاني الطربية والتراثية تداعب إحساس وذكريات ووجدان المتلقين، وبالتالي يحوز المغني على الاستحسان والإعجاب والنجاح بأقل جهد ممكن، حيث يكون الإعجاب موجهاً للأغنية بالدرجة الأولى وبالدرجة الثانية لأداء المغني. أما الشق الثاني فهو قلة أو انعدام الثقة بكتاب الكلمات والملحنين لندرة المُنتَج الجيد على هذا الصعيد، أو لارتفاع تكلفة النص واللحن الجيدين. كما أن دخول الذكاء الصناعي لهذا المجال مؤخراً خلط الأوراق. والأرجح أن يكون ضعف الامكانات التمويلية هو سبب، ولكن هنا أقول رب ضارة نافعة، لأنه بهذا السبب يتم اتجاه المغنيين لأداء الأغاني التراثية والطربية وهذا الأمر بحد ذاته يساهم في حفظ التراث وإعادة إحيائه».