يحافظ الفنان "غزوان مدني" على روح الطرب الأصيل والموشحات والقدود السورية، حيث نشأ في بيئة فنية عاشقة لـ "الإنشاد والمقامات"، قبل أن يتجه بثقة إلى أداء "الموشحات والقدود والقصائد الطربية"، مقدّماً أعماله بروح معاصرة، ساعياً لصون هذا التراث الموسيقي ونقله إلى الأجيال القادمة بأسلوب يجمع بين الإتقان والحداثة.

الخطوات الأولى

"غزوان مدني" من مواليد "حمص" عام 1977، يتحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن رحلته مع الغناء وبداياته في عالم الطرب، قائلاً: «بدأ مشواري مع الغناء في العاشرة من عمري، من خلال "الإنشاد" وقراءة "القرآن" الكريم، تربيت في بيت يُحب الطرب الأصيل، وكنت أستمع منذ طفولتي إلى الأغاني القديمة للجيل الذهبي مثل "محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، سيد درويش، سيد مكاوي"، وغيرهم من عمالقة الفن العربي، وتولّعت بشكل خاص بأعمال فرقة "عبد الحليم نويرة" المصرية، التي كانت تقدّم "الموشحات والأدوار" بأسلوب جميل، وشكّلت مصدر إلهامي في غناء الموشحات والأدوار الطربية».

وعن أول تجربة له أمام الجمهور، يقول: «بدايتي بسيطة ومتواضعة، فكنت أشارك في حفلات الزفاف وجلسات "الإنشاد الديني"، التي صقلت شخصيتي الفنية وقدرتي على الوقوف أمام الناس، وكان الجمهور في تلك الفترة متطلباً ويمتلك ذوقاً فنياً رفيعاً، فلا يستطيع أي شخص الغناء أمامه إلّا إذا كان متمكّناً من الأداء، وقادراً على أسر قلوب المستمعين».

الفنان غزوان مدني

وحول صقل موهبته أكاديمياً والأساتذة الذين تتلمذ على أيديهم، يقول: «في عمر الثامنة عشرة بدأت أستمع إلى الموسيقا بشكل أعمق، وتأثرت بكبار المطربين مثل "محمد عبد الوهاب، وصباح فخري، وصفوان بهلوان" وغيرهم من عمالقة الطرب الأصيل، وجذبني اللون الطربي كثيراً، وشعرت بالحاجة للانتقال من الهواية إلى التعلّم الأكاديمي، فأخذني أحد أصدقائي إلى نادي "دار الفنون" في "حمص"، وهو نادٍ عريق وقديم، وكان يرأسه الأستاذ "زيد حسن آغا" وله فضل كبير عليّ، فقد تتلمذت على يده موسيقياً، حتى الاستماع إلى أغاني العمالقة كان بالنسبة إلي مدرسة، فأغاني "محمد عبد الوهاب" مثل "كل ده كان ليه، من غير ليه، كليوباترا" كانت تعلمني الأداء والذوق والإحساس وطريقة التعبير، إضافة إلى اعتمادي على نشاطي الذاتي، فأنا أعرف كيف أستمع وأطرح الأسئلة الصحيحة للاستفادة من الأساتذة والتجارب المحيطة بي، وبهذه الطريقة طوّرت أدواتي الفنية، فالتعلم من كبار الفنانين هو أساس بناء الفنان الحقيقي».

اللون التراثي

فيما يتعلق بإضافة لمساته الشخصية في الغناء، خاصة في اللون التراثي، يقول: «يسعى كل فنان لإبراز بصمته في أي لون غنائي، حتى في الموال التراثي، ولكل مغنٍ أسلوبه الخاص الذي ينبع من صوته وخبرته، وهذه اللمسة هي ما يميّزه عن غيره، وأنا أحرص على تقديم الأصل أولاً كما وضعه الفنان أو المؤلف، ثم في الإعادة أضيف لمستي الخاصة، فعلى سبيل المثال، إن غنيت موالاً سبق أن أداه الراحل "صباح فخري"، أقدمه أولاً كما هو احتراماً للأصل، وفي الإعادة أضفي عليه إحساسي وطريقتي ، ليبرز الفرق وتظهر شخصية الفنان».

الفنان غزوان مدني

عن مشاركاته الفنية داخل سوريا وخارجها، يقول: "قدمت العديد من الحفلات في "حمص"، وشاركت بعروض متنوعة ضمن نشاطات نادي "دار الفنون"، إضافة إلى مهرجان "الأغنية السورية" والأمسيات الفنية في "المراكز الثقافية"، والعروض التي تقام برعاية مجلس المدينة والمحافظة. كما أحييت حفلات في "قبرص ومصر والأردن" وكان الجمهور دائماً يطلب "القدود والموشحات والأغاني الطربية الأصيلة"، والتي يقدّرها الجمهور الأردني بشكل خاص، كما شاركت في فعاليات فنية في "دمشق وطرطوس"، إلى جانب حفلاتي المستمرة في "حمص"».

مكانة الموشح

يشير "غزوان مدني" إلى أن أداء "الموشح" كان امتداداً طبيعياً لما بدأ به في مجال "الإنشاد"، يقول: «معظم "الأناشيد" التي كنّا نقدمها في طفولتنا كانت على شكل "موشحات دينية" تختلف عن "الموشح الأندلسي" لكنها تتبع أسلوباً مشابهاً، وبما أنني بدأت بـ "الموشح" منذ صغري، فهذا سهّل عليّ الطريق كثيراً، لأن مجال "الإنشاد" صعب ويتطلب تدريباً دقيقاً، ولا ننسى أن الفنان "صباح فخري" كان منشداً دينياً قبل أن يبدأ في الموسيقا، وكان أيضاً مؤذناً في أحد جوامع حلب، واعتمد كثيراً على "الإنشاد الديني" وقراءة "القرآن" لتدريب مخارج الحروف والمد والوقف والإلقاء السليم، وهذه الأسس اللغوية والموسيقية كلها استلهمناها من ثقافة اللغة العربية و"القرآن" الكريم، لذلك ارتبط "الموشح" عندي منذ البداية بهذا العالم الروحي الجميل، ومع انتقالي إلى المرحلة الأكاديمية في دراسة الموسيقا، واصلت تطوير هذا اللون الذي أحببته منذ طفولتي».

الفنان غزوان مدني

وعن الموشح أو الدور الأقرب إلى قلبه، يقول: «لكل "موشح" نكهة خاصة، لذلك من الصعب تفضيل واحد على آخر، لكني أميل إلى "الموشحات" التي تُؤدى على مقام "النهاوند"، ومن أجملها موشح "قلتُ لما غاب عني" من ألحان الشيخ "عمر البطش"، وقد غناه كبار الفنانين، وهناك أدوار صعبة جداً لا يستطيع أي مؤدٍ أداءها بسهولة، مثل "أصل الغرام نظرة، ياما أنت واحشني، ياللي تشكي من الهوى"، هذه الأعمال الطربية الكبيرة أحبها كثيراً، وأستمتع بأدائها لما تحمله من عمق فني وتحدٍ للمغني».

وفيما يتعلق بإمكانية تقديم "الموشح" بأسلوب معاصر دون الإخلال بأصالته، يقول: «يمكن ذلك، فهناك "فرق" كثيرة في الوطن العربي تقدّم "الموشحات" بأسلوب معاصر، مثل فرقة الأوركسترا الشرقية" في دمشق، التي تمزج بين الأسلوب التقليدي والتوزيع الحديث، ويُستخدم الآن الهارموني وأصوات موسيقية متعددة لم تكن موجودة سابقاً، بهدف جذب الجيل الجديد، لأن الموسيقا اليوم تختلف تماماً عما كان يسمعه الناس قبل عقود، لذلك يجب تطوير الأسلوب دون المساس بجوهر الموشح، للحفاظ على روحه وتقديمه بطريقة محببة لهذا الجيل».

قائد فرقة نوا أثر وعازف الأورغ فايز الشامي

بين الطرب والارتجال

عازف الكمان أيهم سعد

يلفت "مدني" إلى أن الطرب يقوم أساساً على الارتجال، لكنه يحتاج إلى ثقافة موسيقية عميقة وخبرة، وخيال واسع، فالزخارف الصوتية والعُرَب تأتي من طبيعة الصوت نفسه وموهبة يمنحها الله للفنان، فلا يمكن صناعتها، أمّا بالنسبة للقفلات فيؤكد أهمية أن تكون دقيقة تماماً، لأن أي خطأ يظهر النشاز مباشرة، موضحاً أن الزخارف الحقيقية لا تُصطنع، بل تولد مع الفنان.

وعن الصعوبات التي تواجه مطرب التراث اليوم، خاصة أمام تأثير وسائل التواصل على الطرب الأصيل، يقول: «التحديات كثيرة، لكن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدتنا على إيصال هذا اللون الفني إلى الجمهور، وخاصة للشباب الذين بدأوا يتعرفون بشكل أكبر على الطرب الأصيل عبر الإنترنت، ونرى اليوم فنانين مثل "أنغام، أصالة، صابر الرباعي، فضل شاكر، جورج وسوف"، يقدمون الأغاني الطربية بأسلوب عصري، وهذا يحافظ على التراث ويجعله حاضراً، لذلك من واجبنا مواصلة الغناء الطربي، مع تطوير الأسلوب بما يواكب العصر».

المراكز الثقافية

يبين الفنان "غزوان مدني" في حديثه لـ "مدونة الموسيقا" دور المراكز الثقافية في الحفاظ على الطرب ودعم المطربين التراثيين، يقول: «المراكز الثقافية لم تقصّر معنا، خاصة في "حمص"، فأول حفل لي بعد التحرير كان في "المركز الثقافي"، ولمست تعاوناً ودعماً واضحين، ونسعى قريباً لإقامة حفلات في دمشق أو اللاذقية أو حماة، فـ "المركز الثقافي" هو المكان الأنسب لتقديم هذا اللون، لأنه يحتضن كل الألوان مع اهتمام خاص بالفن التراثي الأصيل».

وحول رأيه بالجمهور الشبابي ومدى تقديره للفن التراثي، يقول: «الذوق العام تغيّر، لكن اللون الطربي لا يموت، ولا يزال هناك جمهور كبير وخاصة من الشباب يقدّر التراث، وعلى الرغم من أنّ الأغاني الحديثة والموسيقا الإلكترونية طاغية أحياناً، إلا أنها تفتقر للروح، نحن لا نرفضها فلكل جيل ذوقه، لكن واجبنا تقديم "الموشح والطرب" بطريقة قريبة من الجيل الشباب، فحين يسمع الشاب الموشح بأسلوب عصري، قد يحبه ويكتشف جمال هذا الفن».

وعن رسالته كفنان للون التراثي، يقول: «رسالتي الحفاظ على هذا اللون الأصيل وتقديمه للأجيال الجديدة بطريقة صحيحة ومعاصرة، ومن يريد أداء هذا اللون ينبغي أن يمتلك صوتاً جميلاً وثقافة موسيقية عالية، وقدرة على الإحساس بالكلمة واللحن، فالتراث مسؤولية كبيرة، وأعتز بأن أكون ممن يحملون هذه الأمانة، وأسعى دائماً إلى تقديم الفن الطربي الأصيل بما يليق بتاريخنا الفني العريق».

الأصالة والمُعاصرة

قائد فرقة "نوا أثر" وعازف الأورغ "فايز الشامي" في حديثه لـ "مدونة الموسيقا" وصف الفنان "غزوان مدني" بأنه صوت يعيد للتراث الحمصي روحه الأصيلة، مشيراً إلى أنه فنان مثقف موسيقياً وصاحب إحساس عميق، يجمع في أدائه بين الأصالة والروح المعاصرة، ويقدّم الموشحات والقدود بطريقة تحافظ على جوهر التراث وتقرّبه من الجيل الجديد، موضحاً أنه تعرّف عليه في نادي "دار الفنون"، حيث جمعتهما محبة مشتركة للطرب الأصيل و"القدود" الحلبية.

ويضيف الشامي: «قدّمنا معاً حفلات عديدة ضمن فرقة "نوا أثر"، وكان حضوره مميزاً دائماً بصوته الدافئ وقدرته على أسر الجمهور، فهو لا يكتفي بتكرار التراث، بل يمنحه حياة جديدة تنبض بالشغف والطرب».

كما تحدث عازف الكمان "أيهم سعد" عن الفنان "غزوان مدني" قائلاً: «قدّمنا معاً حفلات كثيرة، وكان دائماً يحرص على تقديم اللون الطربي الأصيل، مركزاً في أغانيه على الموشحات والقدود التي تميّزه عن غيره من المطربين، ويُعدّ "غزوان" من أبرز مطربي "حمص" الذين يقدّمون التراث بأسلوب متقن فيه أصالة الأداء وروح التجديد. كما يمتلك خبرة موسيقية واسعة وقدرة عالية على التنقّل بين المقامات بسلاسة وإتقان، مما يمنح أداءه طابعاً مميزاً يجمع بين العمق الفني والتعبير الراقي، وهو فنان يعرف كيف يوظّف صوته لخدمة الجملة الموسيقية، ويقدّم كل عمل بتفانٍ، وفاءً للفن الأصيل الذي نشأ عليه».