الكثير من المطربين عندما يريدون إظهار إمكاناتهم الصوتية وقدراتهم الموسيقية، يلجؤون إلى غناء الموشح، دلالة على اجتيازهم امتحاناً مهماً، خاصة أن صعوبة الموشحات تتدرج من السهل إلى الصعب، حتى أن هناك موشحات نادراً ما تُغنى لصعوبتها وتركيب مقاماتها.
النشأة والتعريف
أرجع "ابن خلدون" سبب نشوء الموشح "إلى كثرة الشعر في الأندلس وتهذيب مناحيه، حيث استحدث المتأخرون فنّاً ينظمونه "أسماطاً أسماطاً وأغصاناً أغصاناً"، في حين عرّف "ابن سناء الملك" الموشح في كتابه "دار الطراز" بأنه "كلام منظوم على وزن مخصوص بقوافٍ مختلفة"، وبيّن أنه يتألف غالباً من 6 أقفال و5 أبيات "التام"، أو أقل من 5 أقفال و5 أبيات "الأقرع"، مشيراً إلى أن الموشح يُسمّى "تاماً" إذا بدأ بالأقفال، و"أقرع" إذا بدأ بالأبيات.
وأعتمد الدكتور "محمد رضوان الداية" في مؤلفه "موشحات أندلسية" على كتب اللغة في تعريف الوشاح على أنه قطعة من الجلد ينسج عليه ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحها خصرها. وبيّن أن الموشح الأندلسي يتألف من توالي جزأين من الموشح يتكرر مثلهما وزناً وايقاعاً وقوافي داخلية، ظهر في "الأندلس" مع القرن الثالث الهجري بعد نشاط موسيقي عال إثر دخول "زرياب" قادماً من المشرق محركاً لنهضة غنائية موسيقية ظهر أثرها في فن الموشح.
كما جاء في بحث نشرته وزارة الأوقاف المصرية للكاتب الدكتور "جلال حجازي" أن: "الموشحات فن شعري مستحدث نشأ في الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري، يتميز بزخرفته الجمالية وتنوعه الموسيقي، وقد جاء تجديداً للقصيدة العربية دون أن يهدم نظامها الإيقاعي. يعتمد على تقسيم فني جديد مثل المطلع، الغصن، القفل، الدور، والخرجة، وتُستخدم فيه أحياناً اللغة العامية أو الأعجمية"، مؤكداً أن الموشح بقي ملتزماً بالإيقاع والوزن، مما يُسقط ادعاءات الحداثيين بانفلاته من التراث الشعري الأصيل.
نقلات مقامية
المايستور "بشر عيسى" قائد كورالات بما فيها كورال "سيدات النغم" الذي قدم عبر أمسياته العديد من الموشحات بعد البحث والتقصي عن المميز منها، يقول في حديثه لـ "مدونة الموسيقا": «تقسم الموشحات إلى ثلاثة أنواع في العالم العربي، "السورية" ومما تتضمنه الموشحات الحلبية واللبنانية، وهناك الموشحات "المصرية" ومنها ما قدمه الشيخ "محمد عثمان"، والموشحات "المغاربية" التي يطلقون عليها بالمغرب العربي تسمية "الطبوع". والفرق فيما بينها يكمن بالقالب الشعري والقالب التلحيني، حتى أـنه من خلال اللحن فقط يمكن تمييز كل منها عن الآخر، وليس هناك ما هو "أندلسي" سوى آثار الاسم فقط».
وحول نشأة الموشحات يقول: «وفقاً لما قمت به من أبحاث أعتقد أنها ظهرت في "الأندلس" كرد فعل على الغناء الجماعي الغربي الذي كان معروفاً منذ زمن في "أوروبا" ولم يكن موجوداً في بلادنا. فالموشح نمط من غناء الجماعي، وقد كُتبت الموشحات أصلاً لتناسب مجموعة من المغنين. فالعُرَب داخل اللحن قليلة جداً، والنمط الزخرفي قابل للأداء من قبل المجموعة وبشكل موحد".
ويشير إلى أن الموشحات تحتوي على نقلات مقامية كبيرة، أما قالبها الشعري فكُتِب بعدة أوزان ويُزج بداخله إيقاعات وألحان ومقامات مختلفة، ويتابع: «الموشح الأندلسي الذي لم نعرف منه شيئاً سوى التوشيح الشعري، طوّره لحنياً الوشّاحون المغاربة والمصريون والسوريون، فالمساحة النغمية ضمن الموشح كبيرة وقد تتجاوز "أكتاوف ونصف" إلى أكثر من "10 أو 12" نغمة ضمن السياق اللحني، مما يستلزم مقدرات صوتية خاصة من المطرب أو الكورال لأدائها، وينبغي أن يُدرك المؤدي أن الموشح مكتوب بلغة فيها مزيج بين الفصحى والعامية، وإن كان في الغالب ليس هناك كلمات عامية، لكن تشكيله قد لا يكون دقيقاً كما في العربية الفصحى، أي من الممكن تسكين المنصوب وأن جزم المرفوع».
نمط ذكي في الموسيقا
يعتبر "بشر عيسى" أن الموشح أحد الأنماط الذكية بالموسيقا العربية، حيث استطاع الوشّاح أن يجول بين المقامات والإيقاعات وفق نظم مضبوطة وإيقاع ثابت. ويرى أن عمله أصعب من الملحن الذي يقوم بتلحين قصيدة، موضحاً أن الموسيقيين تسابقوا مطلع القرن الماضي ليقدموا موشحات، والأهم بينهم كان "سيد درويش" الذي اشتغل في مطلع القرن الماضي على تطوير الموشح والأغنية، وانجز نقلة نوعية بالموسيقا العربية، ضمن هذا الإطار، يقول:
«هناك موشحات كاملة الأركان لـ "سيد درويش" لا تتجاوز مدتها خمسين ثانية، أي أنها تضم أقسام الموشح المعروفة "دور وخانة وغطاء"، وفيها نقلات مقامية وتغيير إيقاعي، لكن فيما بعد انتبه الموسيقيون إلى صعوبة هذا الأمر». موضحاً تأثر "سيد درويش" بالموسيقا الغربية فقام بتقصير الأغنية العربية، لكن بعده بعدة سنوات عادت الأغنية للامتداد والتطويل حتى وصلت على يد "السنباطي والقصبجي وعبد الوهاب" لساعة مع "أم كلثوم"، مؤكداً أن «القوة تكمن في الإيجاز والاختزال، خاصة أن الموشح هو اختزال مكثف للموسيقا والإيقاع بجمالية فائقة».
وفيما يتعلق بالأسس التي يتم بناء عليها اختيار الموشحات للأمسيات الغنائية الكورالية التي يحييها كورال "سيدات النغم" في "طرطوس"، يقول: «أختار الموشحات النادرة والجميلة. التي لا يصدُفها سوى المهتم جداً. أحب أن أعود وأكرس هذا الفن العظيم، ونحن نعمل بشكل حصري على الموشح السوري، من "عمر البطش" ومن سبقه وطلابه».
الأصعب بالتأليف الموسيقي
هل يمكن تطوير الموشحات دون أن تفقد هويتها؟ سؤال يجيب عنه المؤلف الموسيقي والعازف على آلة القانون "يامن جذبه" متحدثاً لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «مفهوم التطوير بحد ذاته مفهوم عام وينبغي أن يكون هناك محددات للوصول للتطوير فإن كان المقصود به إضافة جمل لحنية أو التوزيع الموسيقي إلى شكل أوركسترالي "على سبيل المثال لا الحصر" فذلك لا يستقيم، وما أراه أنه يتم تقديم الموشح بما يحافظ عليه من خلال التحقيق العلمي والعودة الى الوثائق الأصلية، وفي حال تم اعتماد النسخ المعروفة والمتداولة فينبغي أن يتم تحقيق ذلك من خلال استخدام التقنيات الحديثة من حيث طبيعة التسجيل والانتاج».
وحول ما يميز الموشحات موسيقياً عن بقية الأشكال الغنائية العربية الأخرى، يقول: «يعد الموشح من أصعب القوالب من ناحية التأليف لأن قالب الموشح بحاجة الى المعرفة في أصول الشعر وكيفية توظيفها بشكل يعبر عنه من خلال اللحن، إضافة الى المعرفة في الإيقاعات المستخدمة ومراعاة الضغوط اللحنية والشعرية للمحافظة على متانة القالب. وهذا ما يميزه عن بقية القوالب والأشكال الغنائية العربية إضافة الى قواعد قالب الموشح الذي يتكون من عدة أدوار وخانة أو "خانات" وغطاء مما يجعل هذا النسق مختلفاً عن بعض القوالب الأخرى».
حاضرة على الساحة
قائد فرقة "الموسيقا الشرقية" وعازف القانون "صلاح قباني"، تحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن كيفية التعامل مع الإيقاعات المركبة التي تميز العديد من الموشحات، يقول: «ينبغي أن يأتي التعامل معها بمنتهى الدقة، ويكون العد فيها صحيحاً ودقيقاً كي لا نخرج عن الإيقاع، إذ ينبغي على الموسيقي أن يعد الإيقاع، وأن يمسك ضابط الإيقاع الوزن بشكل كامل دون أن يزيح عنه، فأي خروج عن الإيقاع يعني خروج الجملة كلها عن التركيب الموشحي الذي تؤديه».
وإن كانت الموشحات لاتزال تحافظ على حضورها على الساحة الفنية اليوم بحيث يتذوقها الجمهور على اختلاف مشاربه، يقول: «هي حاضرة ضمن الساحات الفنية، ولكن ينبغي التركيز عليها بشكل أكبر عبر إقامة الحفلات والأمسيات إضافة إلى الندوات الموسيقية، لتكون أقرب إلى مختلف الأجيال، وذلك عن طريق مواكبة الآلات الموسيقية، ودخول "الكمان والتشيلو والكونترباس والفيولا والكلارينات" والآلات الغربية التي يمكنها أن تواكب الموسيقا الشرقية».
وفيما يتعلق بالتوزيع الموسيقي للموشحات بالطريقة العصرية فهو أمر يعارضه "القباني" ويرى أنه يفقدها روحها التراثية، فهي لا تحتاج إلى توزيع جديد، ولكن «مستقبلاً بعد أن يكون شبابنا قد حفظوا هذه الموشحات وأصبحوا يرددونها فلا مانع من توزيعها إذا لزم الأمر». وينهي حديثه بذكر تجربة موسيقي غربي قام بتوزيع موشح فأصبح بعيداً كل البعد عن النكهة الشرقية التي تميز بها.