انتقل عن عالمنا الملحن وعازف العود "نزيه أبو الريش" عن عمر يناهز 44 عاماً، حيث توفي في "كندا" خلال الشهر الحالي بعد إصابته بسكتة قلبية حادة ودخوله في غيبوبة استمرت لأيام قبل أن يفارق الحياة، تاركاً وراءه كنز من الأعمال الموسيقية على آلة "العود"، فهو أحد أهم المجددين في العزف عليها، كما ترك غصة مؤلمة في قلوب محبيه الذين يرون فيه المعلّم والمًلهم.

المعلم والملهم

"نزيه أبو الريش" مواليد عام 1982 من مدينة "اللاذقية"، عشق الموسيقا بسن مبكرة حيث نشأ ضمن عائلة تحب الفن، ففي الخامسة من عمره بدأ بتعلم العزف على "العود" سماعياً، وفي عمر الثالثة عشر انضم إلى فرقة موسيقية بصفة عازف، كان دائم التطور يسعى إلى الابتكار والتفكير خارج الصندوق، خاصة فيما يتعلق بتقنيات العزف، فمزج بين الأصالة والحداثة من خلال أسلوبه الخاص، جامعاً بين تراث المنطقة وأنماط موسيقية غربية بما فيها "الفلامنكو والجاز والبلوز والموسيقا الهندية" متأثراً بثقافات العالم، معيداً تعريف آلة "العود" التي فتح أمامها أفقاً واسعاً، لتعزف ما تعزفه "أوركسترا" كاملة.

أسس عام 2005 مدرسة "العود السورية" في "اللاذقية"، وبعد انتقاله إلى "كندا" أسس مشغلاً لصناعة "الأعواد"، حاملاً الموسيقا السورية إلى العالم، راسماً لنفسه طموحاً بلا حدود. عزف في العديد من الدول، كما شارك في مهرجانات عالمية من أبرزها مهرجان "كتارا" لآلة العود بدولة "قطر" عام 2025.

نزيه أبو الريش

التقنيات الأدائية

نزيه أبو الريش

المايسترو "نزيه أسعد" تحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن الراحل مقدماً وجهة نظر موسيقي عن موسيقي، يقول: «إن أردنا الحديث عن الراحل يمكن أن نحكي مطولاً عن الامكانيات التي كان يتمتع بها من حيث التقنيات الأدائية والأحاسيس العالية التي استطاع أنه يترجمها عبر الكثير من المقطوعات الموسيقية التي عزفها، لقد أبدع مدرسة جديدة لآلة "العود" مختلفة عن غيرها، وأعتقد أن كل من سمعه أثناء عزفه سيدرك فوراً أنه عازف يمتلك آلته كجزء من جسمه، ويعطي إحساساً بالاحتراف لمجرد ملامسته للأوتار».

ويشير إلى أنه مبتكر طريقة المزج بين الموسيقا الشرقية والهارمونية الموسيقية، حتى أنه أدخل موسيقا "الجاز" و"الفلامينكو" على "العود"، وهو ابن مدينة اللاذقية والحريص على تراث المنطقة التي هو منها، والمتأثر بالتراث المحلي للبلد الذي ينتمي إليه. ويتابع: «كثيرة هي القطع الموسيقية التي أضاف عليها تنويعات لحنية وإضافات حسية بارعة، سواء كانت الموسيقا حديثة التأليف أو المعروفة لدى المستمع، فكان يضيف باجتهاد خاص، لأنه امتلك القدرة على إقناع المستمع بجمالية آلة "العود"، التي تؤدي أنواع الموسيقا العربية كلها وتترجم بشكل بديع أصناف الموسيقا العالمية كلها».

نزيه أبو الريش

وفيما يتعلق بتقنيات العزف التي استخدمها، يقول: «كان لديه عدة طرق للعزف، فقد استطاع العزف على آلة "العود" وفق تقنية آلة "الغيتار الكلاسيكي" بالأصابع، وله الكثير من الأمثلة على ذلك، وكان مُقنعاً لمن يسمعه، وأرى ناحية إنسانية فيه، حيث كان يشجع المواهب بكافة أشكالها، ويحرص عليها ويدعو إلى ذلك علناً عبر صفحاته، ويدعو الموهوبين لأن يسوّقوا لنفسهم مهما كانت مستوياتهم، بغض النظر إن كانوا بمستوى مبتدئ أو متوسط أو أعلى، فكان يشجعهم ليثابروا ويتطوروا وينشروا أعمالهم على المنصات ووسائل التواصل».

معنى لحني جديد

وعن آلية تعاطيه مع الأغنيات العربية يقول "نزيه أسعد": «كان يضيف على الأغنيات العربية المعروفة الكثير من الأحاسيس العالية، وفجأة يحولها إلى معنى لحني جديد لكنه قريب من الأغنية الأصلية، فيتابعها المستمع وخاصة الذي يعرف الأغنية، ويُظهر إعجابه بما يفعله "نزيه" أثناء الارتجالات والإضافات عليها، لأنه يحس بها وبأنها تحوي ما هو مبتكر. هذا ما أراه من خلال قراءة عدة مقطوعات موسيقية عزفها أمام شرائح مختلفة من الأشخاص، فكان يضيف عليها ويحوّلها إلى عمل جديد، وإن كانت الأغنية معروفة يقترب من اللحن الأساسي ويبتعد ويناور إلى أن يقتنع المستمع أن هذا الإنسان فعلاً أبدع وأضاف شيئاً مهماً بالنسبة لهذا اللحن المعروف».

نزيه أبو الريش

وينهي كلامه بالتأكيد أن "نزيه أبو الريش" ترك انطباعاً لدى كثيرين عن إمكانياته العالية وقدرته على تطويع آلة "العود" بكل الأنواع الموسيقية، وتمنى من العازفين المختصين بآلة "العود" والذين شقوا طريقهم من جديد أن يحذوا حذوه ويتبعوا طريقه ويستفيدوا مما تركه من إبداع وتجديد.

قالوا في رحيله

بعد انتشار خبر وفاته سارع العديد من الموسيقيين والمبدعين إلى نعيه عبر صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وصفه الموسيقي "رعد رياض" بالعازف الذي لا يشبه أحداً، أما المطرب "مرعي سرحان" فأشار إلى أن "العود" بات يتيماً من بعده، في حين قالت المطربة "لينا شاماميان" بعد رحيله «كل من التقى نزيه، عرف أنه يحب الحياة كثيراً.. عودك وريشتك وصوتك سيبقون أحياء» مشيرة إلى أنه كان أمامه الكثير ليعطيه ويغيّره في عالمه الموسيقا.

نزيه أسعد

المايسترو "أحمد رحيم" رأى أنه فنان لا يتكرر، قائلاً «خسرنا موسيقياً عبقرياً، وخسر "العود" أحد أوتارهِ ومدارسه، سيفتقدك "العود" مثلما فقدَ فريد وبشير والسنباطي والقصبجي». أما الموسيقي "شربل روحانا" فكتب «كنتَ بعودك تعبر بنا من ضيق العالم إلى سعته، ومن الصمت إلى المعنى.. أرقد بسلام، فبعض الأصوات لا ترحل، بل تتحوّل إلى أفق»، كما أكد عازف العود "وسام حمود" بأن "أبو الريش" لن يتكرر مشيراً إلى أنه أجمل من مسك "ريشة عود".

وقدم مركز "كتارا لآلة العود" في "الدوحة" بقطر التعزية بالراحل عبر بيان أشار فيه إلى أن الساحة الموسيقية فقدت وتراً من أوتارها الذهبية، وقامة فنية كبيرة وعازفاً أثرى بألحانه وجدان كل محبي الفن الأصيل، ومما جاء في البيان: «لا يمكننا في هذه اللحظات إلا أن نستذكر بصّمته الخالدة وروحه الفنية التي كانت جزءاً أساسياً ولا يتجزأ من نجاح مهرجان "كتارا لآلة العود". لقد كان حضوره وعزفه ركيزة من ركائز المهرجان، وستبقى ألحانه التي صدح بها في أروقة "كتارا" محفورة في ذاكرة كل من تذوق فنه وعشقه».

نزيه أبو الريش في أمسية موسيقية بمركز تشان للفنون الأدائية بفانكوفر في كندا