تتردّد في ريف "حمص" الشرقي ألحانٌ تحمل ذاكرة المكان والناس، وتعكُس الموسيقا الشعبية أنماط الحياة اليومية، معبّرةً عن التراث الموسيقي الشرقي بوصفه جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية للمنطقة.
البيئة تصوغ اللحن
لا يزال هذا الإرث حاضراً في بلدات مثل "صدد والقريتين ومهين والحفر"، ويُورَّث من جيل إلى آخر خلال الأمسيات والمناسبات الفنية، التي تُقدّم فيها القوالب الغنائية التراثية مثل "المشدّات والمواويل والعتابا"، محافظةً على جذورها الريفية والبدوية، لتبقى الألحان خالدة في ذاكرة الأهالي، ناقلة تراثهم الموسيقي إلى الأجيال القادمة.
عن تأثير البيئة المحلية في أداء الموسيقا الشرقية وارتباطها بروح "المواويل والعتابا"، تحدث لـ "مدونة الموسيقا" المغني "حيدو يعقوب" من ريف "حمص" الشرقي قائلاً: «أثّرت جذورنا في تكوين ذائقتنا الحسية والفنية والجمالية تجاه التراث الشعبي، وكانت دافعاً لنا للإبداع في أدائه وإحيائه في مختلف المناطق التي نتنقل بينها سعياً إلى نشره، وقد ارتبطت بعض الأغاني في وجداننا بذكريات بلدنا مثل أغنية "الزلف" التي تتعدد محاورها وتمتد إلى عدة مناطق، حيث تتميز كل منطقة بألحانها الخاصة التي تعبّر عن تراثها».
الغناء الجماعي والهوية
حول أهمية المشاركة في الغناء ضمن "كورال" يقدّم التراث الشرقي يقول "حيدو يعقوب": «يُعد الغناء الجماعي تجربة ناجحة يقوم عليها التعاون بين جميع الأعضاء لإحياء التراث، فنحن نستمدّ الأغاني والكلمات والألحان من تراث أجدادنا، الذي لا يزال محفوظاً ومتداولاً حتى يومنا هذا. وهناك العديد من الأغاني التي يتطلّب أداؤها شكلاً جماعياً لإبراز جماليتها وإظهار روحها الحقيقية، ساعين إلى تقديمها إلى الجمهور، ومحاولة إيصال إحساسنا العميق بها دون تحريف أو تغيير، فهي ليست مجرد أغانٍ بل هي ذكرى متجذّرة فينا ولونٌ فنيّ نتمسّك به».
ويضيف: «شاركت في الغناء ضمن "كورال" يضم أبناء المنطقة التي أنتمي إليها، وقد عِشنا التراث معاً منذ زمن طويل، لذلك لا نواجه تحديات أو صعوبات تُذكر، ويسود بيننا تفاهم وتنسيق وانسجام واضح أثناء الأداء، ورسالتنا دعوة للاستماع إلى تراثنا الشرقي والتمسّك به وإحيائه مع الحفاظ على جمال اللون الفني، الذي يعكس هويتنا وأصالتنا ومصدر فخرنا».
وعن رأيه في تفاعل الجمهور مع الأغاني الشرقية يقول: «أشعر بالفرح والافتخار عندما أرى جمهور المنطقة التي أتواجد فيها يتفاعل مع الموسيقا الشرقية، أمّا في المدن الأخرى فأحرص على تقديم اللون الغنائي الذي نشأت عليه بصورة جميلة ومحبّبة، ليشاركوا هم أيضاً في هذه التجربة ويحيّوا معنا التراث الأصيل».
التراث الأصيل والشباب
يتحدث عازف الناي "جورج ضاوي" عن تأثير الأمسيات التي تُقدِّم تراث ريف "حمص" الشرقي على الجمهور، وخاصة الشباب، قائلاً: «عندما نقدّم هذا الإرث الموسيقي يكون تأثيره إيجابياً جداً، خاصةً على شباب المنطقة المهتمين بالتراث، ونسعى إلى إظهاره بأسلوب أكاديمي رفيع وبشكل مدروس ومفهوم مع الحفاظ على أصالته، كما نهتم بتوزيع الآلات، فآلة "الربابة" التي اعتادت أن تؤدّي منفردة في القصائد ذات الطابع البدوي، قدّمناها ضمن صياغة موسيقية مع آلات شرقية أخرى مثل "العود والناي والقانون"، وهي آلات لم تكن ترافقها سابقاً».
ويشير إلى أن تسليط الضوء على التراث الجميل الذي يمسّهم مباشرة، من شأنه أن يعزّز شعور الشباب بالانتماء ويدفعهم إلى الحفاظ عليه وتناقله تلقائياً، والمفتاح هو تقديمه وفق دراسة صحيحة في الوقت والطريقة المناسبين.
وفيما يتعلق باختلاف أساليب العزف عند تقديم مقطوعات تراثية مقارنةً بالعروض الموسيقية الحديثة يقول: «يعود الاختلاف إلى نوع الموسيقا نفسها، لأن كل نوعٍ له مفرداته الخاصة، فعند عزف مقطوعة قريبة من الموسيقا الغربية مثل "الكلاسيكية" على "الناي" نستخدم مفردات وعلامات تختلف عن تلك المستخدمة في الموسيقا التراثية، إذ تختلف طبيعة الصوت وأسلوب التعامل مع العلامات والزخارف الموسيقية تبعاً لذلك، أما في التراث الشعبي فنحافظ على الطابع التقليدي ونسعى إلى تثبيت الموروث، ليصبح راسخاً بشكل رسمي بما يشمل أسلوب العزف وأسماء القصائد والأغاني».
وعن الإحساس الذي يضفيه "الناي" على "المواويل والمشدات" في الأمسيات الموسيقية التراثية يقول "ضاوي": «تجربة العزف عليه في هذا النوع من الموسيقا تمثل عودة إلى أصالة الآلة والموسيقا ذاتها بعيداً عن الأشكال الحديثة السائدة اليوم في الموسيقا الشرقية، فنحن نستعيد الشكل التقليدي الأصيل، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على آلة "الناي"، إذ نوظّفها بالمفردات التي وجِدت لأجلها، فقد صُنعت أساساً لأداء هذا النمط الموسيقي قبل أن تتطور لاحقاً لتعزف أنماطاً موسيقية أخرى».
خصائص الموسيقا الشرقية
حول اختلاف الموسيقا التراثية في المنطقة الشرقية مقارنة بغيرها يقول "ضاوي": «تتنوع اللهجة بين منطقة وأخرى ويختلف أسلوب أداء المقام ونصوص القصائد، كما تختلف قصائد شرق "حمص" عن مثيلاتها في الساحل أو مناطق البادية إضافة إلى طريقة أداء المقامات، وهناك عناصر خاصة مثل "العتابا" و"المشد" تُعد من السمات الأصيلة لشرقي "حمص" ولا نظير لهما في مناطق أخرى».
ويضيف: «تنقُل "المواويل والعتاب والمشدات" أحاسيس الحياة اليومية والمشاعر الاجتماعية لأهالي المنطقة، وتحكي قصصاً حقيقية أغلبها حدث على أرض الواقع، مثل قصص الحب وفقدان الأبناء والمعاناة من المرض أو الاضطهاد من المحيط الاجتماعي أو القبيلة، ورغم أنّ بعض التفاصيل قد تتغير قليلاً أثناء تناقل السير الشعبية، لكن الغالبية العظمى منها واقعية وتعكس تجارب الناس ومشاعرهم الحقيقية».
وعن مساهمة الأمسيات في تعزيز الهوية الثقافية يقول "ضاوي": «تسعى الأمسيات إلى صون الهوية الثقافية من خلال الاعتماد على اللهجة المحلية والمقام والموروث الشعبي، ونحافظ على أصالة تراثنا بعيداً عن الدمج مع الموسيقا الغربية أو الكلاسيكية، ونقدّم التراث في صورته الحقيقية، وبذلك نعمل على تعزيز الانتماء المحلي وإحياء الوعي بالهوية التراثية».
ويلفت إلى الأصداء الإيجابية للأمسيات الموسيقية الشرقية: «يتفاعل الحضور من الصغار والكبار، ويبدون حماسهم مع المطالبة بتكرار هذه الفعاليات، فهي تذكّرهم بأصالة قد تندثر، ولذلك تكمن مهمتنا في الحفاظ عليها وضمان استمرارها، ورغم الفوضى والانحدار الموسيقي تبقى مسؤوليتنا إعادة تحديد البوصلة وصياغتها من جديد، لنؤكد أن التراث قادر دائماً على الحفاظ على هويته وإلهام الأجيال القادمة».
أمسيات التراث الشرقي
تسهم الأمسيات الموسيقية في الحفاظ على هذا اللون التراثي وتقديم أشكال غنائية تعكس الطابع الريفي والبدوي المميز للمنطقة، مثل أمسيات "ليالي دروب" التي أقامها مؤخراً "ملتقى هارموني الثقافي" بالتعاون مع "اتجاهات – ثقافة مستقلة". وحول أهميتها في إبقاء التراث حيّاً في ذاكرة الأجيال تحدث مدير ملتقى هارموني الثقافي "كامل عوض" قائلاً: «إنّ أهمية معرفة الموروث الغنائي المرتبط بمناطقنا تكمن في الحفاظ على أصالته واستمراريته، فمعظم "المشدّات" التي قُدِّمت في أمسيات "ليالي دروب" تسرد قصصاً عن أصل هذه الأبيات وكيف ولماذا غُنّيت، وفي أي زمن نشأت، ومن الضروري أن تتمكّن الأجيال الجديدة من التمييز بين الأغنية الشعبية والتراثية، وفهم الفارق الجوهري بينهما. فالأغنية التراثية تمتلك وزناً موسيقياً محدداً وتخضع لقواعد واضحة، وترتبط بآلات تقليدية مثل "الربابة" و"الناي" و"المجوز" و"العود" دون استخدام الآلات الإلكترونية، كما ينبغي أن تدرك الأجيال معاني هذه الكلمات وأسباب تأليفها وتدوينها لضمان نقل الإرث الغنائي بشكل صحيح وحيوي».
وعن الأسباب التي تمنح هذه القوالب الغنائية طابعاً مميزاً يقول: «تُعدّ "المواويل والعتابا والمشدّات" من الركائز الأساسية في التراث المحلي، فـ "المواويل" تُمثّل واحدة من القوالب الغنائية المتجذّرة في الوجدان الشعبي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بتفاصيل الحياة اليومية لأهالي المنطقة، ومن الناحية الموسيقية تنبع "المواويل والعتابا" من بيئة المهن والحِرَف التقليدية، حيث يمكن تلمّس تقاطعات لحنية بينها وبين أصوات الأدوات القديمة كإيقاع "النول" أو أنغام صناعة "الفخار"، فضلاً عن صلتها العميقة بالأرض والريف، أما مفردات هذه الأغاني فهي مفردات أصيلة مستمدّة من المجتمع المحلي ذاته، وتعكس حكايات الناس وتجاربهم سواء في ميادين العمل أم في الحب والغزل أم في السفر والهجرة، وبذلك تأتي كلماتها محمّلة بشاعرية صادقة تعبّر بعمق عن تفاصيل الحياة اليومية لأبناء هذه المناطق».
وحول كيفية مساعدة الصوت البشري والمقامات الشرقية في نقل روح الحياة الريفية والبدوية إلى الجمهور يقول: «كل فنان يغنّي اليوم يعبّر في أدائه عن روح المكان الذي ينتمي إليه أو يستمدّ منه غناءه، ونسعى لاستضافة فنّانين من مختلف المناطق لتقديم ألوانهم الغنائية المميزة، بما في ذلك الأغاني "الريفية والساحلية والسريانية"، ليتمكّن كل فنان من نقل تفاصيل الحياة والموروث الموسيقي إلى الجمهور، بحيث تنعكس هذه العناصر في الأغنية بشكل واضح على خشبة المسرح».
وفيما يتعلق بالأساليب التي يعتمدها الفريق لاختيار الأغاني والألحان التراثية التي تعكس وجدان المجتمع المحلي، يقول: «أثناء التحضير للأمسية نقوم بإجراء العديد من الأبحاث والمقابلات واللقاءات مع كبار السن ومع أشخاص يمتلكون معرفة عميقة وأرشيفاً موثوقاً، ونعقد كذلك سلسلة من اللقاءات التي تجمع بين أفراد المجتمع المحلي والموسيقيين والباحثين المطلعين على الموسيقا الشرقية، ومن خلال هذا العمل التشاركي، تمكّنا من اختيار المقطوعات وتقديمها بما يليق بها».
الموسيقا التراثية
وحول العلاقة بين التراث الموسيقي في ريف "حمص الشرقي" والهوية الثقافية يقول "عوض": «في سوريا لدينا هويات ثقافية وفنية متعددة، وتبرز الموسيقا الشرقية كواحدة من أهمها، ومن الضروري الحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة، ونحن كسوريين من أبناء حمص وريفها نسمع هذه الموسيقا ونتابعها في احتفالاتنا اليومية، ونعتبرها جزءاً من هويتنا الثقافية لتبقى حيّة في وجداننا ومع أجيالنا. وتهدف الأمسيات الموسيقية إلى إحياء التراث وتسليط الضوء عليه وتعريف الجيل القادم وخاصة الشباب بالموروث الموسيقي الأصيل، والتأكيد على أنه جزء من هويتنا الثقافية، وتكمن رسالتنا في إبراز التراث بشكل صحيح لتمييزه عن الأغاني الشعبية والعودة إلى جوهره الأصيل، كما تؤكد قدرة الموسيقا التراثية على توحيد المجتمع، إذ يجمع هذا التراث تحت هويته مختلف الطوائف والأفراد ويعزز السلام والانتماء المشترك».