"صوتي وصوتك مسموعين" كلمات تختصر مشروع كورال "تناغم" الذي انطلق منذ عام 2019، وقد أُنشئ بدعم من "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام"، والغاية نشر السلام والتوافق والحوار والتماسك المجتمعي، مرتكزاً على تنوع المجتمع السوري.

الغناء خدمة للمجتمع

يقدم كورال "تناغم" أغاني تراثية سورية متنوعة، وقد تأسس في بدايته كجزء من كورال "غاردينيا"، وشارك بعدة فعاليات فنية، كان آخرها الحفل الذي أقيم على مسرح "دار أوبرا دمشق" في ختام مهرجان "إشراقات" حيث قدم أمسية بعنوان "تراثيات" حظيت بتفاعل حار من الجمهور.

في عام 2024 أنتج أول ألبوم غنائي له بعنوان "صوتي وصوتك" وضم تسع أغنيات، من كتابة وألحان وغناء شباب الكورال، وتناول مشكلات الشباب المعاصرة وطموحاته بطريقة مبتكرة فنياً من حيث التصوير وآلية الطرح، وجاء بإشراف من مديرة المشروع "سفانا بقلة".

كورال تناغم

"سفانا بقلة" مؤلفة وموزعة موسيقية وعازفة "هارب"، شاركت في تأسيس كورال "غاردينيا" مع المغنية "غادة حرب" عام ٢٠١٦ وتتولى قيادته منذ عام ٢٠٢٤، كما شاركت في تأسيس مشروع "تناغم" وتتولى الاشراف الفني على الكورال، تقول حول نشأة مشروع "تناغم" في حديثها لـ "مدونة الموسيقا": «نشأت فكرة المشروع من رغبتنا في كورال "غاردينيا" بتوظيف الغناء الجماعي والموسيقا في خدمة المجتمع، وحاجة المجتمعات في "سوريا" لبناء الجسور وردم الصور والأفكار النمطية عن بعضها البعض. تقدمنا بفكرة المشروع لـ "UNDP" وحصلنا على دعم لإقامته في منطقة "صحنايا" بريف دمشق، والتي تضم تنوع كبير بين المكونات. وبلغ عدد أعضاء كورال "تناغم" حوالي 80 شاباً وشابة من صحنايا، وقدمنا مجموعة من الأعمال المختارة لفيروز وزكي ناصيف وتراثيات، وحدث ذلك عام 2019، حيث قدمنا حينها ثلاث حفلات».

وتتابع: «في عام 2020، وبالتزامن مع "الكورونا"، صممنا المشروع بالتعاون مع "UNDP" ليكون على المستوى الوطني، وفي عام 2021 قمنا بتنفيذه من خلال ثماني ورشات عمل، وثلاثة ملتقيات، وتوج بحدث كبير في "دار الأوبرا" بدمشق، ضم أكثر من 225 شاباً وشابة من مختلف المحافظات السورية. قمنا بكتابة وتلحين وتوزيع أعمال خاصة للمشروع، منها نشيد "تناغم" الذي قدمناه في مهرجان "اشراقات"، كلمات "غادة حرب" وألحاني وتوزيعي، إضافة إلى أعمال ووصلات تراثية كان لها أثر كبير في التقارب بين المشتركين والمشتركات. كما أتحنا الفرصة للمشتركين بكتابة أعمالهم وأغانيهم الخاصة، والتي كانت مساحة إبداع آمنة لهم. وحاولنا في المرحلة الثالثة من المشروع التوسع، وإعداد مدربين من الكورال نفسه، وقمنا بتنظيم تدريب حول المناصرة المجتمعية وكانت الموسيقا حاضرة ضمن أدواتها، لكن وزارة الثقافة في النظام السابق أوقفت المشروع بعد الكثير من التضييق والعراقيل».

كورال تناغم

عمل جماعي

كورال تناغم

حول متطلبات الانتساب للكورال تقول: «في المشروع الأول لم تكن المتطلبات الفنية والموسيقية مطلوبة وإنما يكفي فحص أداء بسيط، لكن في المرحلة الثانية من المشروع على المستوى الوطني، قمنا بوضع معايير أكثر تقدماً، وصممنا ورشة عمل موسيقية متقدمة نسبياً إضافة إلى فحص أداء، لكن في بعض المناطق اعتمدنا على الموهبة والمهارة الصوتية أكثر من قراءة النوتة أو الخبرة، لنتيح الفرصة أمام الشباب والشابات في سياقات تفتقر للمعاهد وفرص التعلم الموسيقي».

وفيما يتعلق بالتعاون الفني بينها وبين المايسترو "غادة حرب" أجابت: «قمت مع المايسترو "غادة" بتصميم المشروع، وكانت لدينا مسؤوليات مشتركة فيه، وكذلك العديد من المغنيات الأكاديميات في كورال "غاردينيا" ساهمن بدور كبير في التدريب والتنظيم، وتميز العمل بأنه جماعي بكل معنى الكلمة. صحيح أن القيادة على المسرح هي ما يظهر للجمهور، لكن يقف وراء ذلك الكثير من الجهد الذي يبذله الفريق. وأقوم حالياً بالتدريب والقيادة وإيجاد الفرص للكورال بعد توقف المشروع مع "UNDP"، المهم استمرارية المشروع حتى ولو تغير الأشخاص، وربما يأتي قائد آخر أيضاً في حال لم أعد قادرة على المتابعة. فـ "تناغم" مشروع يتعلق بشباب تحول الكورال ليكون مصدر أمل وإلهام وتضامن بالنسبة لهم، وهو مستمر بقيمه بغض النظر عن الأسماء».

كورال تناغم

تجربة جريئة

فيما يتعلق بالحفل الأحدث لكورال "تناغم" والذي أقيم ضمن مهرجان "إشراقات" في "دار أوبرا دمشق" بعنوان "تراثيات"، تقول: «نظراً لأن أعضاء الكورال انقطعوا عن التدريب لفترة ليست بالقصيرة، بسبب وجودهم في محافظات مختلفة وتعذر اجتماعهم للتدريب لأكثر من عام، قدمنا بعضاً من الأعمال التي تدربوا عليها من برامجهم السابقة. الوصلات التراثية والأغاني السورية المعروفة هي خط عرف فيه "تناغم" بشكل كبير، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنه قدم بطريقة أنيقة وجميلة ومتقنة، فالتراث يجمع بين السوريين على اختلاف مشاربهم. وقام بالتوزيع الموسيقي للأعمال مجموعة من الموسيقيين السوريين بمن فيهم الأستاذين "سيزار برشيني وكمال سكيكر"، ولم يكن هناك تعديل على الأعمال الأصلية، فالهدف المباشر هو حفظ وتوثيق التراث».

تشير "بقلة" إلى ألبوم "صوتي وصوتك" الذي قدموه عام 2024، وتصفه بـ "التجربة الجريئة"، عنه تقول: «قمت بالتقدم لمنحة صغيرة، وكانت فرصة لإعادة بث الأمل بين المشتركين والمشتركات بعد إيقاف المشروع من قبل وزارة الثقافة آنذاك، والمختلف في المشروع كان الاعتماد كلياً على موارد الشباب وإبداعاتهم، فبعد ورشة حول كتابة الأغنية الحديثة، من كتابة الكلمات إلى البناء واللحن مع المرور على الأغنية الشعبية لحوالي 50 شاباً وشابة، انقسموا إلى سبع مجموعات عمل، وكان درساً مهماً لهم في العمل الجماعي للوصول إلى نتيجة يرضى عنها الفريق، بعض التجارب واجهت صعوبات وبعضها الآخر كان أكثر سلاسة. وكان الموضوع الذي تناولناه هو حقوق الإنسان، وبالتحديد سبعة حقوق من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. قام الشباب بكتابة الكلمات والتلحين والتوزيع والتصوير والمونتاج، وهو إنتاجهم الخالص».

أما حول نشاطات الكورال والمشاركة في الحفلات الخارجية فتقول: «مشاركة الخارج اقتصرت على الأردن، بأعداد صغيرة، بسبب التكاليف الكبيرة أولاً وبسبب صعوبة الحصول على تأشيرات السفر، من الممكن والمأمول طبعاً أن يحصل الكورال على فرصة لعرض مشروعه في خارج سوريا، ولكن الأهم أن يعرض مشروعه في كل مكان في سوريا، لأنه مؤثر جداً على المستوى الوطني. وأتت مشاركتنا في مهرجان "إشراقات" لتعيد "تناغم" إلى الواجهة بعد انقطاع طويل، وسنعمل الآن على الترويج الالكتروني والتقديم على فرص ومنح أخرى والبحث عن شراكات في منظمات المجتمع المدني أملاً في الاستمرارية».

منصة موسيقية للشباب

المغنية "بتول أخرس" من أعضاء الكورال تقول لـ "مدونة الموسيقا" عن تجربتها: «اقتصرت بداية المشروع على العاصمة دمشق ثم انطلق ليضم المحافظات السورية كلها، وكان شعارنا "صوتي وصوتك مسموعين"، لأن الفكرة الأساسية للمشروع إيجاد منصة موسيقية تضم الشباب السوري، وتكون وسيلة للتعبير عن الذات وتعزز قيم التماسك المجتمعي عن طريق الموسيقا. ولكن لم يقتصر المشروع على الموسيقا فقط بل كانت هناك ورشات عمل ومحاضرات وأنشطة تتعلق بأهمية التعاون وضرورة الحوار والتفاهم، بالإضافة إلى دعم المدربين، مما منحنا فرصة للتعبير عن أنفسنا وتطوير مهاراتنا سواء من حيث كتابة الأغاني أم التلحين أم الأداء، وخلق بيئة إبداعية، وبدورنا كأفراد في المشروع نقلنا هذه الأفكار لأسرنا مما جعل كل من يسمع بالفريق يتمنى أن يصبح جزءاً منه. وقد خلق التنوع الكبير بالكورال الفرص للتعرف على عادات المحافظات السورية».

شاركت " بتول أخرس" مع الكورال في جميع الحفلات التي أقيمت في سوريا، وكانت تحرص على المشاركة بكل عمل أو حفل له، تقول: «قد غنينا في نشيد "تناغم" جملة "تناغم هو المفتاح" وبالفعل كان كذلك، وفخورة بأنني جزء من هذا الكورال الذي علمني أن الموسيقا ليست فناً فقط، بل لغة عالمية قادرة على تجاوز الخلافات وتوحيدنا بصوت واحد».

وتشير في نهاية كلامها إلى أنها شاركت في تلحين وتوزيع أغنية "عالفاضي" من ألبوم "صوتي صوتك"، بالإضافة لمشاركها كعازفة عود بأغنية "عالفاضي" وأغنية "الحيط".

تجربة مؤثرة

"تناغم هو المفتاح" بهذه العبارة اختصر عضو الكورال المغني "محمد حوري" تجربته خلال حديثه لـ "مدونة الموسيقا"، يقول: «بدأت تجربتي مع كورال "تناغم" عام 2021، عندما تم الإعلان عن الانتساب إليه، فأجريت المقابلة أونلاين مع المايسترو "غادة حرب"، وكانت هناك معايير دقيقة للقبول، وتم اختياري مع أربعة أشخاص آخرين من دير الزور. وبعد القبول خضعنا لورشة تدريبية في مدينة "حلب"، وكانت بمثابة أول خطوة حقيقية لي في عالم الموسيقا والغناء. تلقّينا تدريبات احترافية طوّرت صوتنا وتقنياتنا، ثم قدّمنا أول حفل لنا في "المركز الثقافي العربي". تلا ذلك عدة ملتقيات موسيقية في "حلب ومشقيتا وحماة"، وكنت مشاركاً في ملتقى "حلب"، وأعتبرها تجربة فريدة ومؤثرة، تعرّفت من خلالها على شباب وشابات من مختلف المحافظات. كما خضعنا لتدريبات مكثفة على يد مجموعة من المدربات، كان لهن الفضل الكبير في رفع مستوى الكورال إلى درجة احترافية. وبتاريخ 2021 شاركنا في حفل "دار الأوبرا" وبمشاركة نحو 230 مغنياً من مختلف المحافظات السورية، وحقق نجاحاً لافتاً. واستمر المشروع مقدماً تدريبات في مجال التماسك المجتمعي، ورغم أنه استقطاب أصواتاً جديدة لكنه توقف للأسف بسبب ظروف إدارية في ذلك الوقت».

ويتابع: «طوّرت هذه التجربة في داخلي الكثير، وأتقنت أساسيات الغناء وبدأت أكتشف قدرات صوتي التي لم أكن أعرفها مسبقاً كما كوّنت شبكة علاقات واسعة مع أشخاص من مختلف المحافظات، وتعرّفت على عاداتهم وتقاليدهم، فقد كان الكورال منبراً للتعبير، ومن خلال الموسيقا والغناء حملنا رسائل واضحة عن "المحبة، التقبّل، والانتماء.."، وأعتبر أن مشاركتي في الكورال كانت نقلة نوعية في حياتي، وأكبر إنجاز شخصي قدمته، فحفلاتنا كانت تجمع سوريا كلّها بصوت واحد وروح واحدة».

تطوير الصوت والمهارات

عضو الكورال المغني "مظهر جحجاح" يتحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن تجربته: «بدأتُ تجربتي مع الكورال عام 2019 عند تأسيس المشروع لأول مرة في "صحنايا"، وكانت مشاركتي في البداية بدافع حبّي للغناء ورغبتي في خوض تجربة جديدة، لكن سرعان ما اكتشفت أن "تناغم" ليس مجرد كورال نغنّي فيه، بل هو مشروع أوسع يحمل رسالة إنسانية واجتماعية، إذ يجمع شباباً وشابات من خلفيات ومناطق مختلفة، ويستخدم الموسيقا وسيلة لنشر الانسجام والمحبة وتعزيز التقارب بين الناس، وخلق أجواء إيجابية بعد سنوات صعبة مرّ بها المجتمع».

ويضيف: «شعرتُ عام 2019 أنني لا أشارك في حفلات وبروفات فحسب، بل أساهم في عمل يحمل معنى ورسالة، لم يكن التدريب لتطوير الصوت والأداء فقط، بل هو أيضاً تعلّم الالتزام والعمل الجماعي، وكيف نصغي لبعضنا البعض وننسجم كفريق واحد، ونخرج بصوت موحّد رغم اختلاف الأصوات والشخصيات. عندها أدركت أن "التناغم" لا يقتصر على الموسيقا فقط، بل يمتد ليشمل العلاقة بين المشاركين وروح التعاون فيما بينهم. ولكن توقف المشروع لفترة، وعند عودته عام 2021 عدتُ للمشاركة فيه من جديد، مع قدرة أكبر على التعبير عن نفسي، وثقة وحضور في الغناء على المسرح».

ويؤكد أن هذه التجربة قدمت له الكثير، يقول: «من أهم ما قدمته تطوير صوتي ومهاراتي الموسيقية من حيث التنفس السليم والتحكم بالصوت، والالتزام بالإيقاع والطبقة ضمن المجموعة، كما عزّزت لديّ روح الالتزام والمسؤولية، لأن نجاح الكورال يعتمد على كل فرد فيه، وكان حضوري في البروفات والتزامي بدوري أمراً أساسياً. كما منحتني المشاركة في الحفلات ثقة كبيرة بالنفس، فالوقوف على المسرح أمام جمهور تجربة تبني الشخصية وتعلّم التحكم بالتوتر. كذلك شعرت بروح الفريق والانتماء، وكأنني جزء من عائلة فنية يدعم أفرادها بعضهم بعضاً ويكملون بعضهم البعض. وبالنسبة إلي، كان "تناغم" منبراً حقيقياً للتعبير، لأن الموسيقا تتيح لي التعبير عن مشاعري وأفكاري بطريقة صادقة، وتنقل رسالة أمل وسلام إلى الناس. أما مشاركتي في حفلات الكورال فكانت من أجمل محطات التجربة، إذ كانت لحظات أشعر فيها أن كل تعب البروفات قد أثمر. فعندما نقف على المسرح ونرى تفاعل الجمهور معنا، نشعر أن الرسالة قد وصلت، وأن هناك مساحة حقيقية للفن تجمع الناس وتمنحهم لحظات جمال وأمل».

وينتهي بالإشارة إلى ألبوم "صوتي وصوتك" حيث شارك بأغنية "تانغو البصارة" كما ساعدت بالتوزيع والغناء، كذلك لي مشاركات في الغناء ضمن الألبوم الذي كنت مسؤولاً عن تسويقه في "السوشيال ميديا."