تجربة جديدة يخوض غمارها المطرب "سومر نجار" من خلال إعادة إحياء أغنيات من "الزمن الجميل" بلغة العصر، لتتماشى وذائقة الجيل الجديد، ومن تلك الأغنيات ما سبق أن أداها في مسلسل "الثريا" إخراج "هيثم حقي" وتأليف "نهاد سيريس" وإنتاج عام 1996 "ليلم يار، غزالة، أمانيه"، إضافة إلى أغنيات أخرى.

البساطة والأصالة

كيف يمكن مخاطبة الجيل الجديد؟ وهل يمكن المواءمة بين التراث والأصالة من جهة وبين متطلبات العصر من سرعة واختزال من جهة أخرى؟ هل يمكن تكثيف الأغنيات الطربية إلى "ريلز" بفيديو كليب يمتاز بالتقطيع السريع؟.. كلها تساؤلات باتت مشروعة اليوم في عصر لم يعد يحتمل في الكثير منه الأغنيات الطويلة، فعلى الرغم من أهمية حضور الأغنيات الطربية الطويلة والتي بات العديد منها من كلاسيكيات الغناء العربي، إلا أن هناك صلة وصل لا بد أن تخلق بينها وبين الجيل الجديد، فكيف السبيل لذلك؟..

انطلاقاً من هذه الفكرة أعاد المطرب "سومر نجار" عدد من الأغنيات وفق صيغة جديدة لتتماشى مع العصر، حول هذه التجربة والدافع إلى خوضها تحدث لـ "مدونة الموسيقا"، والبداية من الأغنيات التي سبق وقدمها في مسلسل "الثريا"، يقول: «عُرفت هذه الأغنيات من خلال مسلسل "الثريا" فأخذت شهرة واسعة وكثيراً ما كان الناس يطلبونها ضمن الحفلات، خاصة أنها تحمل في مضمونها البساطة وبالوقت نفسه الأصالة في اللحن، فامتازت بكلام عفوي وشعبي وقريب من قلوب الناس، وبألحانٍ جميلة فيها عذوبة وذكاء تتكرر في كل المقاطع الغنائية. هذا النوع من الأغنيات يردده الناس وينتشر بشكل سريع، ورغم مرور هذه السنوات كلها فهي لاتزال عالقة بالوجدان والذاكرة، حتى أنني قدمتها بالكثير من الحفلات، بما فيها حفل "مسرح الأوبرا"».

سومر نجار

ويوضح أنه قدم إلى الآن عشر أعمال تندرج ضمن مشروع له علاقة بتسليط الضوء على أعمال فلكلورية تراثية وعلى تجارب فنية، منها تحية إلى الفنان "زكي ناصيف" وتحية للموسيقار "محمد عبد الوهاب" و"وردي الجزائرية" و"بليغ حمدي"، ويتابع: «أعدت أيضاً غناء "على رمش عيونها"، بالإضافة إلى أغنيات من ثمانينيات القرن الماضي "الأولدز العربي" ومنها "يا ريت بترضي يا ريت" لـ "ربيع الخولي" حيث قدمتها برؤية جديدة رفقة فيديو كليب، وأغنية "عجبين الليل" للفنان "عازار حبيب". وأرى أنها أعمال تستحق الإضاءة عليها اليوم، وإنعاش الذاكرة، قد رأى البعض أن ما أفعله فيه حالة من الحنين أو "النستاليجيا"، ولكنها أعمال تحمل البساطة والعمق. فليستمع جيل اليوم لهذه الموسيقا بشكل حديث على شكل "ريل" من خلال "الذكاء الصناعي"، مسجلة بشكل نقي ضمن استوديو، خاصة أنها أعمال تحمل في مضمونها الأصالة والقيمة الفنية».

عصر السوشيال ميديا

كيف أعاد تقديم تلك الأغنيات؟ وهل أبقاها على حالها أم وضع بصمة جديدة ومختلفة فيها إن كان عبر التوزيع أو الزخرفة الموسيقية؟.. يجيب قائلاً: «نحن اليوم في عصر "السوشيال ميديا" وفكرة هذه الأعمال التي هي عبارة عن "ريل" مدته "90 ثانية" يحب الجمهور حضورها لأنها مُختصرة زمنياً وتحقق شرط الانتشار والتوثيق، وبالتالي سلطنا الضوء على هذه الأعمال من جديد وقدمتها بشكل له علاقة بتقنية العصر الحديث "الذكاء الصناعي" لإضفاء الجمالية، فقمت ضمن الاستوديو وبرؤية جديدة مع صورة بإعادة تقديم ثلاث أغنيات "ليل ميار، غزالي غزالي، أماني" والتي سبق أن قدمتها في مسلسل "الثريا"».

سومر نجار

ويشير إلى أن الجيل الجديد ربما يحب رؤية تلك الأعمال برؤية جديدة، بعيداً عن الصورة النمطية القديمة الكلاسيكية، خاصة أنه لم يشاهد مسلسل "الثريا"، كما أنه لم يذهب كله إلى المسرح ويحضر الحفلات والأمسيات الغنائية. يتابع: «نوثق تلك الأعمال من خلال فيديو كليب مدته صغيرة وباستخدام "الذكاء الصناعي"، من باب احترام ذائقة هذا الجمهور، هي تجربة وأنا مع التجريب، فالمادة الموسيقية التي نعمل عليها غنية وفيها لحن جميل وعذب وكلام بسيط وجميل مُحبب، قد حصد ما أنجزناه الانطباعات إيجابية».

مما لا شك فيه أن هناك أغنيات تحمل سمة البقاء، ومنها "غزالة" التي قُدّمت بالكثير من لغات العالم، عنها يقول: «هي من الألحان التي وتقوم على مفهوم سكة المقام الموسيقي، التي تحقق شرط مقام النهوند. وهو من المقامات الغنية ومستخدم حتى في الموسيقا الشرقية والموسيقى الغربية، وله طابع الحالة المشتركة. كما أن اللحن بسيط وعميق، ويتكرر في كل المقاطع، وفيه عمق قابل للبناء عليه. وهذا النوع من الألحان هو من "الألحان الذكية" القابلة لأن تكتب عليها أوركسترا كاملة بكل آلاتها الموسيقية، الأمر الذي يحتاج إلى معالجة أوركسترالية لتقدمه. ويمكن أن تقدمه مع تخت شرقي، فالموضوع يتطلب إعادة صياغة وإعادة توزيع حسب الآلات. كما أن هذا النوع من الألحان قابل للتطور بشكل عمودي ويمكن أن يكون فيه ضخامة أوركسترالية. لذلك تم غناءه في الكثير من دول العالم وانتشر بشكل كبير».

محمد دقدوق

الحفاظ على التراث

المغني والموزع الموسيقي "محمد دقدوق" تحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن المشروع الذي يتصدى له الفنان "سومر نجار"، قائلاً: «هو شخص يحافظ بشكل كبير على التراث، وعلى الأغاني التي ارتبطت بذاكرة الناس من خلال المسلسلات السورية، سواء كانت شارات مسلسلات أو أغانٍ داخل الأعمال نفسها. ومن هذه الأعمال أغاني مسلسل "الثريا"، التي كان لها حضور قوي وبقيت عالقة بذاكرة الجمهور. وتجلت الفكرة بإحياء هذه الأعمال القديمة التي قدّمها سومر سابقاً، لنعيدها بروح جديدة تحاكي العصر، دون أن تفقد هويتها أو روحها الأصلية. فاشتغلنا على "كفرات عصرية" ومزجنا فيها بين الماضي والحاضر، مع احترام كامل للتراث».

ويشير إلى أن "سومر نجّار" فنان محب للتراث عن قناعة، ولكن للأسف بات اليوم من النادر أن نلقى فناناً يحافظ على هذا الخط، وعلى الصورة الفنية الأخيرة للتراث التي يقدّمها بطريقة حضارية. وينهي كلامه بالتأكيد أن هناك تفاعلاً جميلاً ومحبة واضحة من الجمهور لهذا اللون الفني.