يشكّل "العرس الزيدلي" أحد أبرز مظاهر الفرح في بلدة "زيدل" بمحافظة "حمص"، إذ يجمع الأغاني الشعبية والدبكات والأهازيج في طقوس احتفالية تعبّر عن روح المجتمع الريفي، وتؤكد الدور المهم للموسيقا في المناسبات الاجتماعية.

البداية في صون التراث

على خطى هذا الإرث العريق، برزت تجربة فرقة "كشّاف الخيال" لإحياء الطقوس وتوثيقها عبر لوحات استعراضية تمثل مراحل العرس المختلفة بدءاً من التعليلة والأهازيج والحنّة، مروراً بحلاقة العريس وتزيين العروس وصولاً إلى الزفّة، في عرضٍ يجمع بين الأصالة وروح العصر، ليبقى هذا التراث حاضراً ومتوارثاً عبر الأجيال.

ولمعرفة المزيد عن تفاصيل "العرس الزيدلي" ودور فرقة "كشّاف الخيال" في توثيق عادات الأعراس القديمة، التقت "مدوّنة الموسيقا" قائد الفرقة "فوزي كسيح" الذي قال: «بدأت الفرقة نشاطها الفني عام 2023 لتكون امتداداً لفرقة "زيدل للأعراس" التي تأسست عام 1970، وحقّقت حضوراً لافتاً محلياً وعالمياً، حيث مثّلت سوريا في مهرجان زغرب العالمي للفنون الشعبية في "يوغسلافيا" عام 1972، ونالت لقب أفضل فرقة عربية مشاركة في المهرجان، واستمراراً لهذه المسيرة تابعت فرقة "كشّاف الخيال" النهج ذاته، وقدّمت عروضاً مسرحية غنائية استعراضية، محافظة على تقاليد "الأعراس الزيدلية"، ومواصلة ربط التراث بين عراقة الماضي وروح الحاضر».

فرقة كشّاف الخيال تحيي العرس الزيدلي

ويتابع: «تضم الفرقة نحو ثلاثين شاباً وشابة من أبناء القرية، وتنطلق فكرة عروضها من تعريف الناس عموماً ولا سيما الأجيال الجديدة بعادات وتقاليد أهالي القرية في الأعراس، سعياً للحفاظ على هذا الإرث الشعبي الأصيل ومنع اندثاره، في ظلّ ظروف العولمة والتغيرات المتسارعة التي يشهدها العصر».

وحول دور العرض في إعادة إحياء أجواء الأعراس القديمة في بلدة "زيدل" يوضح "كسيح" أنّ العرض يسهم في إعادة الجمهور إلى ذاكرة الأفراح التراثية من خلال الأغاني الشعبية والديكورات والأدوات التقليدية، إلى جانب الأزياء الشعبية التي يرتديها أعضاء الفرقة، ويتم اختيارها اعتماداً على أهالي القرية المعمّرين وكبار السن، إضافة إلى الصور القديمة المحفوظة لديهم، حيث كان الرجل يرتدي الجلابية والمنديل والعقال والمزويّة، فيما كانت المرأة ترتدي الثوب الحريري الطويل المعروف بـ "ثوب القز".

فرقة كشّاف الخيال تحيي العرس الزيدلي

وعن أهمية الحفاظ على عادات وتقاليد الأعراس ودورها في صون الهوية التراثية في ظل التغيرات، يؤكد "كسيح" أنّ العرض يهدف إلى تسليط الضوء على عادات الأجداد والتذكير بالأهازيج والأغاني وكافة فقرات "العرس الزيدلي" القديم الذي كان يمتد لمدة سبعة أيام، كما يشير إلى الدور البارز الذي يلعبه الديكور البسيط المستوحى من البيئة التراثية في تعزيز تفاعل الجمهور وانسجامه مع الموسيقا والأغاني الشعبية، ممّا يدفع الحاضرين للعودة بذاكرتهم إلى التراث الفلكلوري الأصيل للقرية ويجعلهم يشعرون وكأنهم يعيشون "العرس الزيدلي" القديم بكل تفاصيله وواقعيته.

مراحل "العرس الزيدلي"

"غطّاس دندوش" الشيف في فرقة "كشاف الخيال" والمغنّي وعازف الربابة، يؤكد أن هذا النوع من العروض يتطلّب دقة وجهداً كبيرين لإحياء ذاكرة الماضي، وعن تفاصيل العرض المسرحي الاستعراضي الذي يوثّق مراحل "العرس الزيدلي" يقول: «كان يمتد قديماً سبع ليالٍ تبدأ بجلسة تمهيدية تجمع الأهل والأقارب والأصدقاء قبل أيام من العرس، يتخللها غناء العتابا والأغاني الشعبية على أنغام الربابة والطبلة، ثمّ تأتي ليالي "التعاليل" التي تسبق حنّة العريس، حيث تتشكّل حلقات الدبكة أمام منزل أهله، وتُؤدّى أغاني "العللا والدلعونا والردّية" بمشاركة العريس والعروس وسط الزغاريد والأهازيج الشعبية».

فرقة كشّاف الخيال تحيي العرس الزيدلي

حنة العروس والعريس

فرقة كشّاف الخيال

ويتابع: «تأتي بعد ذلك "حنّة العروس"، حيث يتوجّه العريس برفقة أهله وأقاربه إلى منزل العروس على وقع الأغاني الشعبية الخاصة بالمناسبة مثل: "جينا وجبنا حنتنا، وجينا نحني كنتنا"، ويتقدّم المشاركون بصحن الحنّة المزيّن بالورود والشموع، وسط أجواء من الرقص والفرح، ثمّ تجتمع صديقات العروس وأهلها وأقاربها، وتُشعل الشموع وتُردَّد الأغاني التراثية منها: "ليلة نعلّل وليلة نبات، وليلة نحني ست البنات"، إضافة إلى أبيات تُغنّى في مدح العروس وأهلها مثل: "يا جوهرة ربيت بفيّي ربيت ومحلى رباها، وحنّت كفوف البيض للغيّ بعز بيها الحماها"، إلى أن تُختتم الحنّة بالتبريكات».

ويضيف: «بعد الانتهاء من "حنّة العروس" ينتقل الجميع إلى منزل والد العريس لإقامة "حنّة العريس"، حيث يدخل الشبّان مع العريس وهم يرقصون بصحن الحنّة على وقع الأهازيج الشعبية مثل: "شباب هالعريس شباب الملاح"، و"دعونا يا رجال الله دعونا، دعونا اليوم نفرح بأخونا"، وتتواصل الطقوس بأغانٍ خاصة بالحنّة منها: "عريس عريس مدّ الكف واتحنّى"، و"أسمر يا زين محلاك بيدي لجبل حناك"، إلى جانب أبيات تُؤدّى بأسلوب "الحروبي" في مدح العريس وأهله مثل: "يا شب يا أسمر اللون، يا شب أهلك من نسل فرعون"، وتُختتم المناسبة بتحنية يد العريس ثمّ جولته على أهله وكبار عائلته لنيل مباركتهم بالحنّة».

فرقة كشّاف الخيال

حلاقة العريس وزفة العرسان

فوزي كسّيح قائد فرقة كشاف الخيال

وعن أجواء حلاقة العريس والتلبيسة يوضح "دندوش" أنها تُقام عادةً في منزل العريس أو منزل أحد أصدقائه أو أقاربه، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء حوله بحضور الحلاق، وتُردَّد الأغاني الخاصة بالمناسبة، ومنها: "يا حلاق حلقلو ولا تجور عليه، هذا العريس غالي وعين الله عليه"، وبعد الانتهاء يُحضِر الأصدقاء طقم العريس ويرقصون به قبل إلباسه وسط أغانٍ مثل: "محلاك يا عريس محلاك شو لابس، بيلبقلك يا العريس وبصدر المجالس".

ويتابع: «يتوّجه بعدها العريس مع أهله إلى منزل أهل العروس فيما يُعرف بـ "طلعة العروس"، على وقع أغنية: "لا تقولو جايين ضيوف نحنا وإنتو أهلية"، ترافقها زغاريد النساء وأهازيج "الإيها" مثل: "هاي مسّيكم بالخير، هاي يا وجوه الخير، هاي عطوني عروستنا، هاي يا مكثورين الخير"، وبعدها تنطلق "زفّة العرسان" باتجاه الكنيسة، حيث يتقدّم العروسان وسط إيقاع الطبل والزمر والأغاني الشعبية، ليُختتم المشهد بإتمام مراسم الزفاف والإكليل داخل الكنيسة».

غطاس دندوش مغنّ وعازف ربابة
علاء كسّاب مشرف تدريب العزف على الآلات الموسيقية النحاسية

الربابة والفرح الزيدلي

فرقة كشّاف الخيال تحيي العرس الزيدلي

وفيما يخص دور "الربابة" في نقل روح "العرس الزيدلي" وإضفاء الطابع التراثي على اللوحات الغنائية، يوضح "دندوش" أنّ أصل "الربابة" يعود إلى البادية الأمر الذي منحها مكانة خاصة في الأفراح الشعبية، حيث امتزجت أصالة البادية بطقوس القرية، وهي دائماً حاضرة في السهرات التي تسبق يوم العرس، إذ يجلس العازف في صدر المضافة ليعزف ألحاناً تراثية ترافق "العتابا والميجانا" والأغاني المتداولة في القرية، ما يخلق أجواءً من الفرح وصيحات الإعجاب بين الحضور، لافتاً إلى أنّ هذه الألحان المتوارثة جيلاً بعد جيل لا تزال محبّبة لدى الناس حتى اليوم، وقد حفظها كبار السن الذين تناقلوها وشاركوها في الأعراس الشعبية.

وحول استمرار ممارسة طقوس "العرس الزيدلي" ورغبة أهالي البلدة في الحفاظ على تراثهم، لفت "دندوش" إلى أن بعض العائلات لا تزال تحافظ على عناصر من هذا التراث، خاصة فقرة الحنّة بأغانيها الجميلة والمعبّرة التي تحمل معانٍ متعددة، حيث اقتصرت الطقوس اليوم على "الحنّة والحلاقة والتلبيسة والسهرة"، في حين تلاشت البساطة والعفوية التي ميّزت الأعراس قديماً رغم الأجواء المبهجة التي كانت تسود السهرات.

الآلات النحاسية نبض التراث

ويتحدّث "علاء كسّاب" المشرف على تدريب عازفي "الآلات النحاسية"، عن أهم الآلات الموسيقية المستخدمة في العرس التراثي الزيدلي قائلاً: «نعتمد على الآلات الشعبية القوية نظراً لإقامة الأعراس في الساحات والبيادر، ما يستدعي إيصال الصوت لمسافات بعيدة وبث الحماسة في الدبكة، ومن الآلات المستخدمة آلة "المجوز" التي تمنح نغمة الفرح والدبكة السريعة، و"الزمر" الذي يُستخدم في الزفّة وعند دخول العريس أو طلعة العروس، فيما يُعدّ "الطبل" أساس الإيقاع في الدبكة، ويوفّر "الرقّ" أو "الدف" إيقاعاً أنعم، كما تُستخدم "الشبّابة" أو "الناي" الشعبي في الجلسات والسهرات التي تسبق العرس مع "العتابا والميجانا"، وتُخصَّص "الربابة" للجلسات الهادئة مع القصائد والقصص الملحّنة، وتُسهم هذه الآلات مجتمعة في خلق الأجواء الحماسية التي تميّز دبكات وزفّات أعراس قرى ريف حمص».

ويضيف: «تضفي الآلات النحاسية أجواءً قوية وتعزّز الحماسة بشكل لافت، فحضورها يمنح طابعاً احتفالياً مهيباً ومختلفاً، ويعود تأثيرها إلى قوة الصوت وهيبته كما في "البوق" أو "الترومبيت"، إضافة إلى دورها في رفع مستوى التفاعل الجماهيري عبر التصفيق والدبكة والهتافات، كما أنها تمنح إحساساً بالموكب لا سيما عند دخول العريس، ما يضفي مزيداً من الفخامة ويعزز الشعور بأهمية الحدث».

وحول آلية دمج "الأهازيج والزغاريد" مع "الآلات النحاسية" بما يعكس أصالة الطقوس الاحتفالية، يوضح "كسّاب" أنه يتم ذلك بطريقة مدروسة للحفاظ على الطابع التراثي، إذ يبقى الصوت البشري هو الأساس، بينما تأتي الآلات بدورٍ داعمٍ له، وغالباً ما تبدأ الأهزوجة من دون نحاسيات، أو مع إيقاعٍ خفيف ما يمنح إحساساً بالأصالة، لأنّ الأهازيج تاريخياً كانت تُؤدّى قبل إدخال الآلات، وبعد الجملة الأولى أو "اللازمة" المعروفة تدخل الآلات النحاسية لتعزيز اللحن لا لتغطيته، حيث يواكب "البوق" أو "الترومبيت" النغمة نفسها أو يجيب عنها بجملة موسيقية قصيرة».

وفيما يتعلق بتجاوب الجمهور مع الألحان التقليدية يقول: «تحظى هذه الألحان بتفاعل خاص وملحوظ من الجمهور، لا سيما فئة الشباب، نتيجة الشعور بالانتماء والهوية المرتبط بذاكرة الأهالي وأعراس القرية، وهو إحساس يتلقّاه جيل الشباب فطرياً، كما تُسهم بساطة الإيقاع في اندماج الشباب مع الألحان الشعبية عبر التصفيق والدبكة دون تدريب أو تعقيد، لتجمع هذه الألحان بين الحماسة والهوية وروح الجماعة، وتخلق تفاعلاً صادقاً لدى الحضور».

التحديات وضمان الجودة

بالنسبة للتحديات التي تواجههم في تدريب الموسيقيين على الآلات التراثية القديمة يقول "كسّاب": «هذا النوع من التدريب ليس بالأمر السهل لوجود تحديات تختلف عن تعلّم الآلات الحديثة أبرزها قلّة المراجع الأكاديمية، إذ تفتقر معظم هذه الآلات إلى مناهج مكتوبة أو "نوتات" واضحة، ويعتمد تعلّمها غالباً على السّماع وانتقال الخبرة من جيل إلى آخر، كما يشير إلى ندرة الأساتذة المتخصّصين ومحدودية عددهم وغالبيتهم من كبار السن، إضافة إلى صعوبات تقنية جسدية، إذ تتطلّب آلات مثل "المجوز" و"الزمر" نفساً طويلاً وقوة في الرئتين وقدرة على تحمّل الصوت العالي لفترات طويلة، فضلاً عن غياب التدوين الموسيقي، حيث تُحفظ معظم الألحان في الذاكرة ما يستغرق وقتاً أطول مقارنة بقراءة "نوتة" جاهزة».

وعن كيفية الحفاظ على جودة الصوت والأداء مع صون الطابع التراثي الأصيل يوضح: «تعتمد الفرقة توزيعاً موسيقياً خفيفاً يعزّز الوضوح والتناغم دون إدخال آلات أو مؤثرات إلكترونية قد تمسّ الهوية، لأنّ هدفنا تنقية الصوت لا تحديثه، ونستخدم "ميكروفونات" قريبة من الآلات الشعبية لتساعد على إبراز الصوت بنقاء، مع موازنة الإيقاع بين الطبل وآلات النفخ حتى لا يطغى صوت على آخر، ونركّز كذلك على التدريب الجماعي على الإيقاع باعتباره جوهر الطابع التراثي القائم على الانسجام وليس الاستعراض الفردي، مع اختيار طبقات صوت مناسبة للمغنّي ومنشد الأهازيج للوصول إلى أداء متناسق يجمع بين إمكانات حديثة وروح تراثية أصيلة».