تريو "الكلارينيت والباصون والبيانو" تشكيل موسيقي شهير في موسيقا الحجرة يجمع آلتي نفخ خشبيتين مع "البيانو" كآلة وترية إيقاعية وهارمونية، ضمن هذا الإطار قدّم الثلاثي باسم صالحة "كلارينيت" ونارا خانمه "باصون" وأنطوني فاتشيه كنوزي "بيانو"، أمسية موسيقية في دار الأوبرا بدمشق بعنوان "تريو بين الشرق والغرب" ليكون بمثابة الإعلان عن تشكيل موسيقي سيكون له أمسيات قادمة داخل وخارج سوريا.
مؤلفات غربية وشرقية
الموسيقي وعازف الكلارينيت "باسم صالحة" تحدث لـ "مدونة الموسيقا" بداية عن الأمسية التي تم تقديمها وخصوصية المقطوعات التي عُزفت فيها، يقول: «ضمت الأمسية مؤلفات غربية مكتوبة لـ "التريو" ومؤلفات شرقية قمنا بتوزيعها، ومنها قطع شرقية هي بالأصل موزعة ولكن أضفنا عليها "كادينزات" وهي ارتجالات جاءت هنا شرقية وتركية. وقمت بكتابة دور "الباصون" بـ "الرابسودي" وهي مقطوعة موسيقية حرة الخيال ومتغيرة الإيقاع، وجاء "البيانو" بمثابة أوركسترا مصغرة تسير مع الآلتين، وكانت آلتي "الكلارينت والباصون" تتحاوران أحياناً وتعزفان معاً أحياناً أخرى».
وفيما يتعلق بالمؤلفين الموسيقيين الذين عزفوا أعمالاً لهم ضمن برنامج الأمسية الذي تجاور فيه الشرقي مع الغربي، يقول: «قدمنا "تريو" لـ "ميخايل غلينكا" وهو مؤلف روسي من الحقبة الرومانسي للموسيقا، ويضم العمل مشاعر درامية ويظهر فيه التركيب الهارموني الذي نضج بالفترة الرومانسية بعد الكلاسيكية، وهي الحالة التي اشتُهِر فيها المؤلفون الروس. كما قدمنا "تريو" للمؤلف الموسيقي الألماني "كارل غوفارت" وهو أيضاً من الحقبة الرومانسي، وكان العمل شيقاً ومبنياً بناء هارمونياً وهندسياً بشكل متماسك بين الآلات الثلاث، وفيه مشاعر درامية عميقة. وهناك أيضاً "النحلة الطنانة" لـ "نيكولاي ريمسكي كورسكوف" ومن خلاله يظهر تكنيك عازف "الكلارينيت"، كما قدمنا "فصل حزيران" للمؤلف الموسيقي "بيتر تشيكوفسكي" وكان فيه مشاعر جيّاشة ظهرت عبر الميلوديات».
ويتابع حديثه عن الجزء الشرقي من البرنامج، يقول: «هناك قطعة للموسيقار "محمد عبد وهاب" سبق وغنتها "ليلى مراد" بعنوان "أبجد هوز"، قمت بتوزيعها وقلبتها رأساً على العقب، وأنجزتها بأسلوب "الروك أندرول" في البداية، واتجهت في داخلها نحو المقامات الشرقية الأصيلة، وقدمت ارتجالات من ضمن "الراست والسوزناك" ثم "السيغا البلدي" الذي يُعد بالنسبة للموسيقيين الشرقيين ارتجالاً صعباً نوعاً ما، كونه على علامة "التون" نفسها، ووضعت في الهارموني ألواناً جديدة على اللحن. وهناك أيضاً "الرابسودي الشرقية" للمؤلف الموسيقي الروسي "سيرغي فاسيلينكو" المتأثر بالموسيقا التقليدية للشعوب الآسيوية، كان فيها ما يصوّر الحضارات الشرقية، بداية من العربية فالفارسية واستعراض الفروسية والحماس للأحصنة والجيوش، وقد حضرت فيها ميلوديات من موسيقا هذه الشعوب الآسيوية، وأضفت "كادينزات" لآلة "الباصون"، وكُتبت ارتجالاً على مقام "الحجاز التركي" ووصلته بقطعة من التراث التركي، وبذلك نكون قد تناولنا عبر البرنامج آسيا من غربها نحو الشرق، وهذه فلسفة "الرابسودي"».
الأثر الموسيقي
يشرح الموسيقي "باسم صالحة" الأفق المرجو من "التريو"، مشيراً إلى أنه يتألف من مجموعة صغيرة العدد ولكن مفعولها الموسيقي كبير، «تسمع ألواناً أوركسترالية بالنسبة للهارموني والبناء الموسيقي، وهناك أعمال عالمية مهمة جداً كُتبت لهذا "التريو"». ويؤكد أن أية قطعة موسيقية يمكن أن تتحول إلى "تريو" إن كان الموزع الموسيقي يُدرك علوم "الهارموني" و"الكونتربونت" ومساحة كل آلة، وكيف يكتب ويستغل المساحة الصوتية لكل آلة، وماذا يكتب لها.
وعن مدى تدخله في القطع الموسيقية التي يتم تحويلها إلى "تريو"، يقول: «هناك قطع مكتوبة لـ "الكمان والتشيلو والبيانو" ولكن قمت بتحويل دور "الكمان" إلى "الكلارينيت"، ودور "التشيلو" إلى "الباصون"، خاصة أن "التشيلو" له "تيمبر الصوت" أي طابع ولون صوت "الباصون"، وأكيد النوتة ستكون مختلفة هنا، مع الحفاظ على اللحن الأصلي. وهناك قطع غير مكتوبة لـ "التريو" قمت فيها بتأليف دور جديد لـ "الباصون" يتناسب مع "الهارموني" المكتوب لـ "الرابسودي الشرقية" للمؤلف "فاسيلينكو"».
ويلفت إلى أن الأعمال الموسيقية المكتوبة لهذا التشكيل "كلارينيت، باصون، بيانو" تبقى غير مطروقة كثيراً، ولكن هناك بعض الأعمال العالمية ومنها المغمورة التي سلّط الضوء عليها، وهي أعمال وصفها بالجميلة جداً وتكسر نمط الرتابة.
وحول السبب الذي دعاه إلى كسر نمط "التريو" في مقطوعة "أبجد هوز" حيث أضاف إليها آلة "الغيتار الكلاسيكي"، يبيّن أنه فعل ذلك لإظهار الرتم أكثر «إنه "الروك أندرول" بنكهة "الغيتار"، وبذلك نكون قد خرجنا عن الكلاسيك، وأصبح لدينا لون آخر غير مكتوب سابقاً».
جوهر موسيقا "التريو"
جوهر موسيقا "التريو" هو التنفس والإصغاء والتفاعل، والتحول من ثلاثة عازفين إلى كيان موسيقي واحد، فكيف استطاعوا تحقيق ذلك؟ وكيف تناوبوا على التنفس؟.. يجيب: «يشكل "التريو" تكاملاً فنياً بين الآلات الثلاث، من سولو ومرافقة وألوان هارمونية، فأحياناً تشعر أنك تستمع إلى أوركسترا مصغرة بهذه الألوان الصوتية. أما بالنسبة للتنفس فأحياناً آخذ أنا و"الباصون" النفس في الوقت نفسه، وأحياناً نتناوب كي لا يكون هناك انقطاع في الصوت».
إن لكل آلة من "التريو" ميزتها، ولكن متى يكون هذا التكوين عبارة عن ثلاثة أصوات مستقلة تتحاور، ومتى يتحول إلى صوت جماعي واحد يتشكل من ثلاثة ألوان؟.. يقول: «لهذا "التريو" لون صوتي خاص ومعبّر جداً، وبشكل عام "الكلارينيت" تكون "السولو"، فهي تمتلك القدرة بأن تغني الألحان حتى بالطبقات العالية لأنها آلة مغنية ولديها إمكانيات عالية في التكنيك. أما "الباصون" فيقوم بتعبئة طبقات الصوت الأساس "البيس"، كما يأخذ أدوار سولو بالطبقات العالية لهذه الآلة. ويقدم "البيانو" الهارموني والإيقاع والميلوديات فيقوم أحياناً بمحاورة "الباصون والكلارينيت" ويكون كأنه أوركسترا مصغرة».
ينتمي "الكلارينيت" و"الباصون" إلى عائلة واحدة، لكن لكل منهما شخصيته الصوتية المتفردة، حول كيفية استثمار هذا التقارب والاختلاف في بناء الحوار الموسيقي، يقول: «التقارب الصوتي بين "الكلارينيت والباصون" جميل جداً، "الكلارينيت" تصدح وتقدم الجوابات، وإن عزف معها "الباصون" الميلودي نفسه فيعزف بـ "أوكتاف" تحت "الكلارينيت"، وإن كان هناك توزيع آخر له فيبدو وكأن "الكلارنيت" تعزف اليد اليمين في "البيانو" و"الباصون" اليد اليسار، وبذلك نكون قد حصلنا على لحنين مختلفين، ويقوم "البيانو" بتعبئة "الكوردات" و"الباص أوكتاف" فيصبح هناك موسيقا متكاملة "أوركسترالية"».
بما أن "البيانو" آلة هارمونية وذات كثافة صوتية عالية، متى تكون مجرد خلفية ومتمم لكل من "الكلارينيت والباصون"، ومتى يكون لها دور محوري يوازيهما؟.. يقول: «يكون "البيانو" أحياناً آلة هارمونية خلفية لـ "الباصون والكلارينيت" ولكن في أحياناً أخرى يكون له دور جوهري، فعندما نقوم بتوزيع اللحن ينوّع المؤلف في طريقة عرض اللحن، فقد يعرض اللحن الأساسي عند "الكلارينيت" ثم عند "البيانو"، ثم عند "الباصون"، وتأخذ الآلتان الباقيتان دور المرافق».
الإصغاء والتفاعل
عازف البيانو "أنطوني كنوزي" تحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن موقع "البيانو" ضمن "التريو" قائلاً: «ضمن الأمسية التي أقيمت لـ "التريو" في "دار الأوبرا" كان يتنقل "البيانو" بين دور مرافق داعم للآلات اللحنية "الكلارينيت والباصون" بغالبية القطع، وبين دور فيه ندّية، يمكن القول إنه حواري في قطع أخرى، خاصة عبر قطعتين "التريو" الكلاسيكيتين لـ "غلينكا" و"غوفارت"».
وفيما يتعلق بالفرق بين أن يعزف ثلاثة موسيقيين معاً وبين أن يصبحوا فعلياً "تريو" بالمعنى الفني، بحيث تتحول المجموعة من ثلاثة أصوات إلى شخصية موسيقية واحدة، يقول: «الفرق يكمن في التمرين معاً لفترة جيدة والإصغاء الحقيقي لعزف الأشخاص الآخرين في المجموعة والتفاعل الدائم مع ما يقدمونه على المسرح، وليس فقط عزف العلامات بجمود دون الالتفات للعازفين الآخرين، فموسيقا الحجرة هي موسيقا مجموعات وليست فردية، وينبغي أن يكون فيها إحساس مجموعة بعيداً عن التفرد».
وحول مساحة الارتجال ضمن "التريو"، يقول: «موضوع الارتجال يختلف حسب طبيعة "التريو"، ففي "التريو الكلاسيكي" ليس هناك ارتجالات بل قد يوجد أحياناً "كادينزا" تكون مكتوبة في الغالب مع امكانيات المبادرات الفردية البسيطة أحياناً، أما في أمسيتنا وبحكم أنها هجينة مع موسيقا مستوحاة من الشرق فقد كان هناك إمكانية أكبر للارتجال الحر بشكل عام مع نقاط علام كي نستطيع مرافقة العازف الذي يرتجل».
الحضور الفردي والجماعي
عازفة الباصون "نارا خانمه" تحدثت لـ "مدونة الموسيقا" عن خصوصية آلتها: «آلة "باصون" أو "الفاغوت" تتميز بأنها تعزف بطبقة صوتية منخفضة "رخيمة" وفي "التريو" يتم تقاسم اللحن مع الآلات الأخرى بالإضافة لجزء "الباص" أحياناً والذي يحمل أساس العمل».
وحول كيف يمكن للعازف ضمن "التريو" أن يتعاطى مع فكرة "الأنا" الموسيقية، فعلى الرغم من امتلاك كل عازف حضوراً فردياً واضحاً إلا أن نجاح "التريو" يتطلب أحياناً التخلي عن هذا الحضور، تقول: «"الأنا" غير موجودة في "التريو" بشكل عام، لأننا نحن العازفون الثلاثة على الدرجة نفسها من الأهمية، كل منا مهم لوجود "التريو"، فليس هناك من يطغى على الآخر أو يتكّل عليه، لأن أدوارنا كلنا مكتوبة لغرض معين، بالطبع نكون متساويين أيضاً في الصعوبة».
وفيما يتعلق بالمساحة المقبولة من الارتجال ضمن هذا التشكيل، تقول: «تكون مساحة الارتجال وفقاً لكيفية كتابة العمل ومتطلباته، وغالباً نتفق كيف يمكن إنجاز الارتجال، خاصة أننا ثلاثة عازفين وبالتالي لا بد من الاتفاق على كامل التفاصيل».
وعن أهمية الإصغاء المتبادل بين العازفين تقول: «الاصغاء هو العنصر الأهم، لأنه من المستحيل أن تخرج مجموعة بعمل جماعي متجانس دون أن يكون هناك إصغاء. فمن الضروري أن يسمع كل منا الآخر، وأن نكون على استعداد تام لأي أمر يحدث ضمن الحفل».