اتخذت فرقة "ملتقى أورنينا لإحياء التراث" في مدينة "حمص" من الطرب الأصيل والموروث الموسيقي العربي هوية فنية ورسالة تسعى إلى تقديمها للأجيال الجديدة بأسلوب يراعي مكانتها وجماليتها. وتضم الفرقة موسيقيين ومطربين من مختلف الفئات العمرية، يجمعهم شغف الفن، ويقدمون أعمالاً من الطرب الأصيل والموشحات والأغاني التراثية، إلى جانب نماذج من التراثين الحمصي والحلبي.
أورنينا والبدايات
يرتبط اسم "أورنينا" بتاريخ "سوريا" وحضارتها العريقة، ويستمد دلالته من شخصية ارتبطت بالغناء والطقوس الدينية في الحضارات القديمة، عن بداية تأسيس الفرقة تحدث لـ "مدونة الموسيقا" رئيس "ملتقى أورنينا للثقافة والفنون" ريمون كبرون، قائلاً: «تأسست الفرقة بالتزامن مع تأسيس الملتقى الذي بدأ نشاطه منذ سبع سنوات، قبل أن يُشهَر رسمياً عام 2024 باسم "ملتقى أورنينا للثقافة والفنون" عبر "وزارة الثقافة"، بوصفه مؤسسة أهلية تُعنى بمختلف أنواع الثقافة والفنون، وتتنوع أنشطته بين العروض المسرحية والمعارض الفنية والأمسيات الأدبية والموسيقية والندوات الحوارية والمحاضرات الثقافية بهدف تعميق الترابط المجتمعي بين مكوناته».
وعن هيكلية الفرقة يوضح أنها تضم فنانين وعازفين على مختلف الآلات الموسيقية من كافة الأطياف والفئات العمرية، ويبلغ عدد أعضائها نحو 21 عضواً مع قابلية العدد للزيادة أو النقصان بحسب الظروف، واتخذت من إحياء التراث نهجاً لها، وعملت على تقديمه والارتقاء به بصورة فنية جميلة، كما تضم هواة بالعزف والغناء يتم السعي إلى تدريبهم وتطوير مواهبهم والارتقاء بمستواهم الفني، يجمعهم رابط حُب الفن وطموح تقديم أعمال تحمل الجمال والقيمة الفنية والتراثية.
البرامج الفنية والمشاركات
حول اختيار البرامج الفنية وكيفية تحديد هويتها بما يليق بذائقة الجمهور يقول "كبرون": «نختار برامجنا بعناية ويأتي التراث في مقدمة اهتماماتنا، لكننا نحرص على تقديمه بأسلوب مدروس يحافظ في الوقت نفسه على عراقته وأصالته وجماله وسحره، وقدّمنا على سبيل المثال حفلاً خاصاً عن الفنان الكبير "سيد درويش"، كما سعينا إلى إيقاظ الذاكرة السورية من خلال تقديم أعمال وأغانٍ ارتبطت بأصوات وفنانين تركوا بصمة مهمة في الوجدان السوري والعربي، مثل "رفيق شكري، معن دندشي، سعاد محمد، محمد عبد الكريم"، فنحن نؤمن بأن الأغنية ليست مجرد لحن وكلمات، بل هي ذاكرة وطن وجزء أصيل من الهوية الثقافية، وجسر يصل الماضي بالحاضر، أما بالنسبة للجمهور فهو مصدر إلهامنا الدائم والمتابع بشغف لكل نشاطاتنا الفنية والغنائية والثقافية، وتفاعله واهتمامه ومحبته يدفعنا إلى الاستمرار».
وعن أهم مشاركات الفرقة والحفلات الموسيقية التي قدّمتها يقول: «شاركنا في مهرجان الثقافة الموسيقية في قصر الثقافة بحمص، وأحيينا حفلات في ساحة كاتدرائية الروح القدس للسريان الكاثوليك، وعلى مسرح مكتب التعليم الديني في كنيسة الأربعين، وفي نادي الرابطة الأخوية بحمص، إضافة إلى حفلة في مقر الجمعية التاريخية، وأخرى في مطعم الرابية بدعوة من الجمعية الثقافية السريانية بمناسبة رأس السنة السريانية "أكيتو بربخو"».
الرسالة والتحديات
عن أهداف الفرقة ورسالتها الفنية يقول: «تسعى أورنينا لأن تكون ساحة لكل مبدع، وتجعل الناس أكثر ارتباطاً بالتراث والفن الجميل، والارتقاء بالذائقة الفنية نحو الأفضل بعيداً عن الموسيقا أو الفنون الهابطة، فالحفاظ على التراث الغنائي العربي عموماً والسوري خصوصاً هو هدف نبيل، لأنه يسعى إلى صون تاريخ فني ناصع وحفظه في الذاكرة الإنسانية والحضارية للشعوب».
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه الفرقة والأمنيات التي يتطلع إليها أعضاؤها يقول: «نتمنى الارتقاء بالفن الغنائي العربي التراثي، كما نتمنى وجود داعم مادي يمول نشاطاتنا الثقافية والفنية، ويؤمّن للفرقة أبسط مستلزماتها من تنقلات ونشاطات إلى جانب توفير مكان مخصص للملتقى كمقر ثابت يضمن الاستقرار لبروفات الفرقة واحتضان نشاطاتها الثقافية والفنية والاجتماعية والإنسانية، كما نأمل أن يحظى هذا التراث اللامادي الجميل بالرعاية والاهتمام والدعم، ولا سيما أن "حمص" مدينة ولّادة بالمبدعين والأدباء والباحثين والمؤرخين والفنانين».
الفن جذور متأصلة
ينتمي الدكتور "عدنان عماري" قائد فرقة ملتقى "أورنينا" إلى عائلة فنية متميزة في مدينة "حمص"، عن بداية عمله مع الفرقة يقول: «تعلّمت الموسيقا والعزف على العود على يد الأستاذ الراحل "محيي الدين الهاشمي"، فيما تعلّمت الإيقاع من أخي "سمير" أحد أبرز عازفي الإيقاع في سوريا ومن خلاله تطورت موهبتي، كما أسهمت مشاركتي في النوادي الفنية قديماً في صقلها وتنميتها، رغم أن مهنتي طبيب للأسنان أبعدتني عن الموسيقا فترة من الزمن، وقد بدأت مع "أورنينا" منذ نحو عام ونصف، وسبق أن أسّست فرقة خاصة ضمّت نحو 36 عازفاً ومطرباً وكورالاً من الأطباء وطلاب الطب، وخضع أفرادها للتدريب مدة سبعة أشهر، إلّا أن بعض الظروف حالت دون استمرارها».
وعن تجربته في قيادة الفرقة يقول: «هي تجربة مليئة بالتحديات خاصة أنني أقود مجموعة فنية تهتم بالتراث والطرب الأصيل، وهو لون متجذّر في ذاكرتي منذ الطفولة، ومع تولّي مسؤولية تقديم هذا اللون للجمهور بصورة تليق به، تابعت دراسة المقامات الموسيقية والإيقاعات وقراءة النوتة من جديد، وكانت تجربة صعبة ومثيرة في الوقت نفسه أعادتني إلى التعمق في الموسيقا بعد أن أبعدتني مهنة الطب عنها لفترة».
وفيما يتعلق بأهمية التوزيع الموسيقي والأغاني التي تقدمها الفرقة يوضح: «التوزيع الموسيقي هو اختيار آلة موسيقية واحدة من بين جميع الآلات الموجودة لتؤدي جملة من لحن ما، على أن تتناسب هذه الجملة مع صوت الآلة، وأحياناً نستخدم ما يُسمّى بالهارموني وهو جملة موسيقية مغايرة للجملة الأساسية لكنها متناسقة معها، بحيث تُؤدّى الجملتان معاً في الوقت نفسه، ومن الجميل إعادة توزيع بعض الأغاني بما يتناسب مع ذائقة الجيل الجديد، شرط ألا يمس ذلك بروح العمل الأصلي أو لحنه الأساسي. وتقدم الفرقة بشكل أساسي الأغاني الطربية الأصيلة والتراثية، وقدمنا مؤخراً وصلتين من أعمال "أم كلثوم" إلى جانب نماذج من التراث الحمصي، وأعمال من التراث الحلبي والموشحات وأغاني "عبد الحليم حافظ"، وقد لاقت هذه الأعمال تفاعلاً واستحساناً جيداً من الجمهور».
الهوية والتراث
وحول كيفية الحفاظ على الهوية الموسيقية الشرقية يقول "عماري": «يتطلب ذلك تحقيق التوازن بين الأصالة والحداثة، وتجديد قوالب الأداء بما يناسب الأجيال الجديدة دون المساس بالجوهر الطربي، وقد نجح العديد من المطربين والملحنين في تقديم ألحاناً طربية جميلة بقوالب عصرية، مثل "ملحم بركات، كاظم الساهر، صابر الرباعي"، إلى جانب الملحنين "نور الملاح، صلاح الشرنوبي" وآخرين».
وفيما يتعلق بوصول التراث إلى الجيل الجديد وسبل جذب الشباب إليه يقول: «يمكن للتراث أن يصل إلى الشباب وإن كان ذلك يحتاج إلى جهد، وللإعلام والقنوات الفضائية دور مهم في هذا المجال، إلى جانب الفنانين الذين كرسوا جزءاً من مسيرتهم لإعادة تقديم التراث والطرب الأصيل بأسلوب قريب من الأجيال الجديدة، ومن أبرزهم المايسترو "صفوان بهلوان" والمطربة "ربا الجمال" اللذان قدما أعمالاً من تراث "محمد عبد الوهاب" و"أم كلثوم"، كما أسهم مطربون آخرون في تقريب الأغنية التراثية من الشباب مثل "جورج وسوف، فضل شاكر" وغيرهما، ونجح بعضهم في تحقيق حضور واسع لهذا اللون بين الأجيال الجديدة».
الغناء والطرب الأصيل
يقول "سامر العلي" مطرب فرقة "أورنينا" عن شغفه بالغناء وأدائه للطرب الأصيل: «أملك موهبة الغناء منذ صغري، وكنت أيام المدرسة أشارك في الحفلات، وأميل إلى الطرب الأصيل والموشحات والأغاني القديمة، ومتمسّك جداً بأداء هذا اللون لأن الأغاني الجديدة التي تظهر اليوم قد تستمر أسبوعاً أو أسبوعين ثم تختفي، أما اللون التراثي فلا يموت، لأنه يقوم على لحن أصيل وكلمات مدروسة».
وحول هوية الفرقة الفنية وما تمثله من حفاظ على الطرب والتراث الشرقي يقول: «الطرب والتراث الشرقي الأصيل هما هويتنا، ونقدم من خلالهما الموشحات والأغاني الأصيلة، فهذا الموروث هو الأساس الذي يصقل الفنان ومنه ينطلق في عالم الفن، لذلك نتمسك بهويتنا ونحافظ عليها، لأنها تمثل رسالتنا الفنية التي نقدمها لجمهورنا، ومنذ البداية قدمنا مجموعة من الأغاني التراثية القديمة منها "أنت سلطان الملاح"، إلى جانب أعمال مثل "وحياة عيني" وأغنية "عالروزنة"، التي اشتهرت في مختلف أنحاء الوطن العربي، كما أقدم في حفلاتي الأغنية الملتزمة، وحتى في اختياري للأغاني الشعبية أبحث عن الأعمال التي تحمل كلمات جميلة وهادفة وألحاناً مميزة، وعند إقامة الحفلات في المراكز الثقافية أختار من التراث الحمصي والسوري والعربي عموماً، فالمعيار بالنسبة إلي الأصالة وجمال اللحن، وأحب تقديم أعمال "محمد عبد الوهاب" و"أم كلثوم"، إلى جانب الموشحات القديمة التي قدمها كبار مطربي حلب مثل "صباح فخري" و"محمد خيري"».
وعن إتقانه العزف على العود والغناء معاً يقول "العلي": «هذا الأمر لم يأتِ من فراغ بل هو نتيجة التدريب المستمر إلى جانب الموهبة والحب والشغف، ويحتاج إتقان العزف إلى ساعات طويلة من التدريب والممارسة حتى يصل العازف إلى حالة من الانسجام بين صوته وآلته، فيصبح العود والصوت وكأنهما صوت واحد، كما أن المطرب الذي يعزف على آلته يكون أكثر تمكناً، خاصة في معرفة المقامات الموسيقية ودراسة إمكانات صوته ومساحته، فيعرف قدراته ولا يتجاوزها، ويكون أكثر ثقة وارتياحاً أمام الجمهور حتى في الارتجال، ومع الخبرة والممارسة يكتسب قدرة أكبر على التعامل مع المقامات والأداء على المسرح بثقة».
وعن سر انجذابه إلى الأغنية الشرقية القديمة يقول: «ما يجذبني إليها هو غناها بالمقامات الموسيقية، فالرواد الكبار الذين أسسوا الموسيقا العربية وضعوا لها ألحاناً راسخة إلى جانب كلمات جميلة كتبها شعراء وأدباء كبار أمثال "أحمد شوقي، بيرم التونسي"، وعندما تستمع إلى تلك الأعمال تشعر بالمقام الموسيقي واضحاً وحاضراً، فتتعلم منه وتكتسبه بشكل حقيقي، وبالإضافة إلى اهتمامي بالأغاني التراثية أقدّم أيضاً الأغاني الحديثة، لكنني أختار منها الأعمال المميزة التي تحمل شيئاً من الأصالة وجمال الكلمة واللحن، لكني أميل إلى الأغنية القديمة فأنا مطرب تراثي. من خلال تجربتي في الحفلات أرى أن هناك جمهوراً ذواقاً لايزال يطلب الأغاني التراثية والقديمة وذات الطابع الطربي، مما يؤكد أنّ الفن بخير، فهناك من يبحث عن الأغنية الأصيلة ويقدّرها».
الإيقاع نبض الموسيقا
يتحدث عازف "الأورغ" في الفرقة "محمد زيود" عن انضمامه إلى فرقة "أورنينا" قائلاً: «انضممت إلى الفرقة منذ فترة قصيرة، وجاء ذلك عن طريق أصدقائي في الوسط الفني، ومنهم الأستاذ "ريمون كبرون"، وأرى أنّ الإيقاع يؤدي دوراً مهماً في الفرق التي تقدم التراث الشرقي، إذ يمكن أن يعوض أحياناً عن غياب بعض الآلات الموجودة في التخت الشرقي، كما يؤدي أدواراً متنوعة ومؤثرة في العمل الموسيقي».
ويضيف: «تعتمد الموازنة بين الأصالة والأغاني الحديثة على روح العازف وقدرته على الجمع بين الحفاظ على التراث وتقديم الألوان الموسيقية المعاصرة والفلكلور الشعبي وفقاً لطبيعة العمل، ويختلف الأداء بين الطرب الأصيل والأغاني الحديثة، فالأولى تحتاج إلى الهدوء والتدريب والممارسة، بينما تعتمد الثانية غالباً على الإيقاعات السريعة والحيوية التي تتناسب مع تفاعل الجمهور، أما الانسجام مع أعضاء الفرقة فلا يتحقق من خلال الصعود إلى المسرح مباشرة، بل يحتاج إلى البروفات والجلسات والتعارف بين أفراد المجموعة، وأرى أنّ الفرقة تضم موسيقيين متمرسين وآخرين من الجيل الجديد والجميع يقدم مستوى جيداً، ومع المزيد من التمارين سيزداد الانسجام والتكامل بين أفرادها».
ويوضح عازف "الطبلة" في الفرقة "عماد عجاج" أنه يتقن العزف على أكثر من آلة موسيقية، إلا أنه يشارك حالياً مع فرقة "أورنينا"عازفاً على "الطبلة"، وقد انضم إليها منذ نحو ستة أشهر، ويؤكد على أهمية آلة "الإيقاع" في العمل الموسيقي باعتبارها عنصراً أساسياً يضفي جمالية خاصة على الأداء، فيما يمثل عازف "الإيقاع" العمود الفقري للفرقة، إذ يتولى ضبط الإيقاع وتنظيم الأداء والحفاظ على انسجام المجموعة، كما يشير إلى التفاعل الكبير الذي تحظى به عروض الفرقة من الجمهور، مؤكداً مشاركته في العديد من أنشطتها السابقة واستمراره معها مستقبلاً.