لم تكن مسيرة الفنان "وصفي المعصراني" عادية، فقد ارتبطت بالحراك الشعبي منذ المظاهرة الأولى في "درعا" إلى يوم النصر، حمل صوته آلام وأحلام السوريين، ولأن الفن بالنسبة إليه تعبير عن العاطفة والإحساس، فالأغاني لم تتوقف عند مرحلة النصر بل استمرت ولكن بتحدٍ جديد عبر مرحلة البناء، ورغم أنه لم يعش في "سوريا" إلا أنه حمل "حمص" مسقط رأسه في قلبه، وبقي مرتبطاً بهذا الحبل السري، بالوطن الأم قلباً وروحاً.

بداية الشغف

حول بداية الشغف الموسيقي تحدث لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «أستطيع القول إن لجدتي الفضل الأكبر في نشأتي الموسيقية، فأنا من أب سوري وأم تشيكية، وجدتي كانت مغنية "أوبرا" وعازفة "بيانو" في جامعة الموسيقا في "التشيك"، وتتلمذت على يديها، فقد اكتشفت موهبتي منذ عمر الخامسة، وبأنني أستطيع عزف النغم على "البيانو" بمجرد سماعه وبكل الطبقات، فكنت أعزف موسيقا أفلام الكرتون بمجرد سماعها، وبعدها اهتمت بالجانب الموسيقي لدي وبقيت تتابعني إلى أن أصبحت في الثالثة والعشرين من عمري ثم توفيت».

وعن الآلات الموسيقية التي يتقن العزف عليها يقول: «"البيانو" هو آلتي الأساسية، أما "الغيتار" فتعلمت العزف عليه بحكم وجوده في المنزل ولأنني أحب الموسيقا، كما أن والدتي كانت تعزف عليه، كما تعلمت العزف على "الترومبيت" و"الإيقاع" في فرقة الكشافة في الإعدادية والثانوية، ولأن لدي أساسيات الإيقاع أستطيع أن أؤدي الإيقاعات بشكل أسرع على "الدرامز" فلدي قبول لتعلم الإيقاعات، ولكني لا أطلق عليه صفة الإتقان».

وصفي المعصراني

أغاني الثورة

وصفي المعصراني

يتحدث عن الأغاني التي قدمها للثورة منذ البدايات عام 2011، قائلاً: «قدمت العديد من الأعمال للثورة السورية، وقد بلغ عددها سبعين عملاً، وأغلبها لم يتكلم عن الوضع بشكل عام، بل جاءت أغاني توثيقية، فأغنية "درعانا تنادي" كانت رد فعل على الإجرام الذي حصل في درعا عندما خرج المتظاهرون ليطالبوا بالأطفال المعتقلين فجوبهوا بقمع المنظومة الأمنية، وكان ذلك في بدايات الثورة».

ويتابع: «السبعون عملاً كان كل منها يتكلم عن حدث في تاريخ الثورة السورية، فمن بعد أحداث "درعا" انتفضت أكثر المحافظات، وبعد مظاهرات "حمص وبانياس" قدمت أغنية "سوري أنا والسوري لا ما بينذل"، بعد ذلك كانت أغنية "حمص يا دار السلام" وجاءت بعد اعتصام ومجزرة الساعة في حمص. ثم تتالت الأغاني فكانت هناك أغانٍ للشهداء، ومنهم "حكم دراق السباعي"، "باسل شحادة "الذي قدمت أغنية لوالدته، "خالد العيسى" الذي استشهد عند محاولة قتل "هادي العبد الله". الشهيد "محمد عبد الحميد الحمود" الذي اعتقل وقتل بعد نشره أغنية "يما مويل الهوى يما المويليلا ضرب الخناجر ولا حكم الأسديا"، وبعد وفاته نفذت الأغنية بصوته وقلت إن هذا الصوت لن يسكت وسوف تسمعه كل الأجيال. كذلك الشهيد "طارق الأسود" الذي نفذت أغاني بصوته. والشهيد "عبد الباسط الساورت" الذي نفذت معظم أغانيه، إضافة إلى أغانٍ ارتبطت بحصار "حلب"، وحصار "وادي بردى" وقطع المياه، وأغنية "تأخرنا عليك حماة"، وأغنية لتحرير "إدلب". وأغنية "جبينك عالي وما بينطال" عندما بدأت الانشقاقات عن الجيش».

وصفي المعصراني في حفل قلعة دمشق

ويشير إلى أن الأغاني لديه شكلت مسيرة متكاملة وجاءت توثيقاً لمجريات الثورة خلال أربعة عشر عاماً، وعند التحرير قدم ثلاثة أعمال: "يا سوري آن الميعاد"، "دقوا طبول الفرح"، "علو علامها بالساحة".

اللون الموسيقي

وفيما يتعلق بلون ونمط الأغاني، يقول: «الأغاني التي كنت أقدمها جاءت رد فعل على كل ما يجري من أحداث، فأغنية "كانوا صغار وما وعوا" كانت عن الأطفال الذين ماتوا خنقاً بالكيماوي، وهناك أغنية عن حصار داريا، وأغنية "على طريق حلب" عندما أجبر أهل حلب على الخروج منها وكانت حزينة. فلون الأغنية يتغير حسب الحدث من حزن أو حماس، ودوري هو إيصال صوت الثوار الموجودين في الداخل، وإذا أردت أن اختصر مسيرتي الفنية فأرى أنها عبارة عن توثيق وإيصال أصوات الثوار للخارج، وتوثيق هتافاتهم وأعمالهم، وكل أحداث الثورة، فبالنسبة إلي كل حدث هو الذي يفرض نوع الأغنية والموسيقا والإحساس».

وصفي المعصراني

وعن عدم نشر اسمه على أغانيه في البدايات، يقول: «لم يكن عدم نشر اسمي على الأغاني في البداية بسبب الخوف، وإنما لم أرى أهمية لنشره، فالأغاني لم تكن بهدف تجاري أو بغرض الشهرة، وإنما كنت أتظاهر بطريقتي، وأِشارك في هذه الثورة من الخارج، وأعتبر نفسي واحداً منهم ولا ضرورة لنشر الاسم. إلى أن طلب مني صديقي "منار" وهو "رفيق الدرب وكتب الكثير من أعمالي" أن أنشر اسمي على الأغاني ليس بغرض الظهور والتخليد، وإنما بغرض أن تتابعني الناس وتنتشر هذه الأغاني، ويعلموا أن هناك من يشعر بأوجاعهم ويعبر عنهم بهذا الفن الثوري ـويتابعوه».

وحول علاقته بالشهيد "عبد الباسط الساروت"، يقول: «ارتباط اسمي به لأنه كان من أكثر الثوار الذين برزوا في مدينة "حمص"، يهتف بالصوت المجروح المليء بالثورة، كما إنه صاحب حضور وكاريزما، وعندما غنى "جنة جنة" وضعت لحن لهذه الأغنية بصوته، وانتشرت بشكل كبير، ولم يبق سوري متضامن مع الثورة إلا وسمعها بالتوزيع الموسيقي الذي نفذته بشكل عاطفي ومؤثر. وجرت بعدها محادثة بيننا وقلت له سيأتي يوم ونقف سوياً في الساحات ونغنيها معاً، وقال "أبشر، أخي هذا النظام ساقط لا محالة، وإن لم أكن موجوداً حينها فأنت كفيل بهذه المهمة"، وأحب دوماً ذكره في حفلاتي، فعندما أغني "جنة جنة" يربط الناس سماعها بالشهيد "الساروت".

وصفي المعصراني

الفن سلاح الشعوب

إن كان هناك اختلاف بين الجمهور على المسارح في سوريا وخارجها، يقول: «لا أستطيع القول أن الجمهور يختلف حسب المكان والبلد، فقد غنيت خلال أربعة عشر عاماً توثيقاً لصوت الثوار، ولكن كنت أضيف أغاني باللغة الانكليزية في الحفلات التي تقام خارج "سوريا"، لأني أغني أساساً باللغة الانكليزية، وبدأت الغناء باللغة العربية مع بداية الثورةـ، فوالدتي أجنبية وكنت مقيم في الخارج. أما على مسارح "سوريا" فكان الجمهور السوري ينتظر اليوم الذي يستطيع أن يحتفل فيه، ويشارك في الأغاني على المسرح بشكل علني، لذلك كان التركيز أكبر، وحتى أنني في إحدى حفلاتي في مسرح دمر غنيت أغنية باللغة الانكليزية، لكن اختلاف الجمهور بين سوريا والخارج كان اختلافاً طفيفاً لا يذكر».

ويتابع: «دائماً أقول إن الفن هو من أقوى الأدوات والأسلحة التي تؤثر في الشعوب، لذلك نرى أن النظام البائد كان يحارب الفن، ويحاول أن يسوّق للفن الهابط بكافة أشكاله. كذلك الأمر بالنسبة للسينما حيث كانت دور العرض تعرض أفلاماً رديئة، كما تم تهميش المسرح، وكان الدعم الفني لأغاني، وكان يعتبر الإنسان الداعم للنظام هو الإنسان الوطني، وكل من لا يدعمه هو خائن، وكانوا يسمونها سوريا الأسد، وكرسوا هذا النوع من الفن لأنهم أدركوا تأثير الفن على الشعب وعلى الوعي».

وعن تأثير الفن على العاطفة ومن ثم على الفكر يقول: «سبق الثورة الفرنسية حراك فكري كبير فظهر مفكرون وفلاسفة، كان فكرهم يُناقش ضمن دوائر مغلقة من المثقفين، ويكتبون أفكارهم في كتب فلسفية وثقافية، والتي لا يقرأها بسطاء الشعب، ولكن في النهاية الناس هم الذين تأثروا بها وقاموا بالثورة، لأن الثورة يقوم بها من تعرض للقمع. وهنا ندرك أن الفن كان جسر التواصل الذي نقل الفكر من كتب الفلاسفة إلى الناس التي لا تقرأ. فشكسبير عرض مسرحياته في الساحات العامة وكانت تحمل أفكاراً فلسفية وثقافية وسياسية، فعندما تتحدث هذه المسرحيات عن قمع الحريات وأثر ذلك في المستقبل فإن هذه الأفكار تنتقل إلى الناس عبر مخاطبة العاطفة وليس العقل، والعاطفة هي التي ترسخ وتغير السلوك وتجعله ينتفض، ويرفض العيش تحت الظلم. وأؤكد على دور الفن لأنه يحمل الكثير من المعاني السامية ويحولها إلى عاطفة تنتشر بين الناس».

الألحان التراثية والفلكلورية

فيما يتعلق باستخدامه الألحان التراثية والفلكلورية في الأغاني، يقول: «أغلب الأغاني التي تم فيها استخدام هذه الألحان هي أغاني الشارع، فالثوار في "حمص" استخدموا هذه الألحان في أغانيهم، لأن الناس تحفظ الأغاني التراثية ويسهل تردادها، وعلى سبيل المثال أغنية "واني طالع أتظاهر دماتي بإيديا" هي لحن أغنية "عالعين موليتين"، كذلك أغنية "جنة جنة" هي أغنية من التراث العراقي كلحن، كذلك الأمر بالنسبة لأغنية "عالهودلك"، ودوري أن أعيد التوزيع الموسيقي لهذه الأغاني لتنتشر، وهي تشكل سلاحاً فنياً ضد النظام في ذلك الوقت».

وعن تطور أدواته الموسيقية خلال مسيرته الفنية، يقول: «كانت هذه المسيرة مليئة بالتطور، لأن الفن الثوري هو فن غير تجاري ـولا يلقى الدعم من شركات الإنتاج أو من ممولين، خاصة أن الأشخاص الداعمين للثورة كانوا يمولون أموراً يعتبرونها أولوية كالغذاء والجرحى وعمليات الإغاثة والدعم الطبي وبناء المخيمات. ونظراً لعدم وجود أي دعم مادي كنت أتولى صناعة تقديم هذه الأغاني، مما دفعني لتعلم الكثير من التقنيات في هندسة الصوت، وخلال أربعة عشر عاماً تعلمت فيها الكثير من الأمور المتعلقة بالتلحين والتوزيع والتقنيات والتسجيل، إضافة لخبرة الوقوف على المسرح والتفاعل مع الجمهور. وبالكثافة في العمل والتي أستطيع القول إنني قدمت أكثر من مئة حفل على المسرح، فهذا العمل التراكمي هو الذي شكل التطور في أدواتي الموسيقية».

ويتابع: «لا أحب التأطير ضمن "الفن الملتزم" فإذا أرت تعريف الفن أجده عبارة عن صدق التعبير عن العاطفة والإحساس الداخلي، وهنا لا أتكلم عن الفن في العموم. وكان يطلب إلي أن أقدم عملاً فيه تفاؤل لرفع معنويات الناس، ولكني لا أستطيع ذلك وأنا على علم أن معنويات الناس منخفضة ولن تصدق أي أغان فيها تفاؤل، فلا أستطيع أن اصطنع مشاعر هي غير موجودة بالأساس. ما أقدمه هو فن حقيقي يعبر عن المشاعر، وفي مرحلة الثورة كانت مشاعري تتأثر بكل خطوة، ـوعبرت عن كل مرحلة بكل صدق وأمانة. وبالنسبة إلي أعتبر أن الفن الذي قدمته ليس له علاقة بالسياسة، فواجبي التعبير عما أحس وما أشاهد بكل حرية، وهذا هو الأمر الذي جعل الناس تحب "وصفي المعصراني" وتحب أغانيه، لأني كنت صادقاً في التعبير عن مشاعري وسأظل كذلك في المستقبل».

هل يمكن أن يُقدِم أغاني عاطفية أو مختلفة عن النمط المتبع لديه؟، يجيب: «من الممكن في هذه المرحلة أن أقدم أغاني تعبر عما أحسه، سواء أكان إيجابياً أم سلبياً، ولا أعتقد لو كان لدي شعور سلبي حقيقي وأردت التعبير أنه سيُمنع، لأن الثورة قامت من أجل الحرية، حرية الفن والتعبير، وهذا الفن لا أفضل أن أدعوه بـ "الفن الملتزم" بل "الفن الصادق". وبما أن الفن هو تعبير عن العاطفة، فبالتأكيد يمكن أن أقدم أغاني مختلفة، فكما للإنسان مشاعر تجاه وطنه لديه أيضاً مشاعر تجاه "والدته، حبيبته، مواقفه في الحياة". فأنا موجود في سوريا وأرى الوجع والإرث الثقيل الذي ورثناه من عائلة الأسد التي دمرت البلد، هذه المعاني ترجمتها فنياً بأغان تؤكد أننا كسوريين قادرين أن نكون يداً واحدة في إعمار بلدنا، وقد غنيت ضمن حفلي الأخير "مهرجان صيف سوريا" في قلعة دمشق، أغنية "والله ومحتاجك يا خي" وأغنية "بأصابع نصر كلنا فوق القصر بدنا صبح وعصر نعمر بلدنا"، وسأفعل ذلك دائماً وأعبر عما أراه وأحسه بالفن».