لا تتشكل توليفة الغناء الجماعي مع العزف الموسيقي من فراغ، بل هي خطوات متتابعة متناغمة كما السلم الموسيقي، وعندما نتكلم عن منهجية التدريب الموسيقي، لا بد من التحدث عن المايسترو "حسين القدور" قائد أوركسترا "الفن السوري" وفريق آرت ستار "عطر للغناء الجماعي"، والذي حظيت حفلاته باهتمام جماهيري، خاصة تلك التي قُدمت فيها شارات "أفلام الرسوم المتحركة"، ليعبر من خلالها بالمستمع عبر جسر الذكريات من الطفولة إلى الشباب.

الأثر الروحي والموسيقي لـ "التوبا"

تحدث "حسين القدور" لـ "مدونة الموسيقا" عن بدايته التي انطلقت من الطفولة، يقول: «نشأت في بيئة موسيقية، فجدي عازف على آلة "الربابة"، وصاحب صوت عذب، وكان أخوه من أهم المنشدين في مدينة "حماه"، أما والدي فعازف "عود" وصاحب صوت شجي، وقد تربينا في المنزل على سماع صوته وعزفه، وأذكر عندما بدأت رحلتي مع الوعي والإدراك في الحياةـ، أنني لا أجد نفسي إلا جالساً على الأرض، وبين يديي آلة "العود" الخاصة بوالدي محاولاً الطرق عليها وكأنها آلة ايقاعية، فالموسيقا هي شغفي الأول»، أما عن دراسته للموسيقية فيشير إلى أنه بدأ بتعلم العزف على آلة "القانون" لدى الراحل "ميشيل عوض"، ثم تابع الدارسة على يد العديد من الأساتذة، وانتسب إلى "المعهد العالي للموسيقا".

ويتابع: «عند التحاقي بـ "المعهد العالي للموسيقا"، كانوا بحاجة لمن يعزف على آلة "التوبا"، لأنه لم يكن هناك اختصاصيون في العزف عليها منذ أكثر من عشر سنوات، رغم أن وجودها مهم في الأوركسترا، فهي تعتبر من أهم آلات ضبط الإيقاع، وتعطي خلفية صوتية للموسيقا الكلاسيكية، وصوتاً مستداماً قادراً على ملء الفراغات الصوتية التي تتركها الآلات الوترية والنفخية في الأوركسترا السيمفونية. وقد أحببتها لأنها آلة نادرة ومهمة، ووجدت في العزف عليها شيئاً من روحي، فجعلتها آلتي الرئيسية، وقد ساعدتني على الغوص في الموسيقا الكلاسيكية والغربية والجاز، وبدأت المقارنة مع موسيقانا الشرقية التي اكتسبتها من العيش في محيطي الشرقي، مما ساعدني على الفهم العميق لأمور كثيرة في عالم اللحن والمقام، لأكون ملماً بجميع أنواع الموسيقا».

المايسترو حسين القدور واوركسترا الفن السوري
المايسترو حسين القدور

مشروع فني

من أجواء التدريب في معهد ارت ستار

عن مشروعه الفني "آرت ستار" يقول: «هو مركز لتعليم الفنون، ويضم "عطر للغناء الجماعي"، وهو مقسّم إلى أربع فئات عمرية، بحيث يتم تدريب كل فئة على حدة، الأولى "عصافير الشمس" من 3 إلى 11 سنة، والثانية "جربيرا" وتضم من 11 إلى 17 سنة، "حجرة الفن" لمن هم فوق الـ 18 سنة، والفئة الرابعة "مرنان للهواة" لمحبي الغناء ممن تجاوزت أعمارهم الأربعين عاماً. وهناك أيضاً "أوركسترا الفن السورية" المقسمة لفئتين، الأول لمن هم دون الثمانية عشر عاماً، والثانية أغلبها مكون من عازفين في الفرقة السمفونية الوطنية، ومدرسين في مركز "آرت ستار"».

وفيما يتعلق بتعامله مع الأطفال، يقول: «أعتقد أن الطفل كالورقة البيضاء يسهل تشكيله، وقد تمكنا من خلال منهج ونظام مكتسب بعد خبرة امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً في مجال الفن، من توجيه الأطفال ليكونوا نواة حقيقية في المجتمع الفني السوري، من ناحيتي الفن والأخلاق، وأجد أن هناك متعة في تدريبهم وإنجاز عمل معهم. وليس هناك صعوبات من الناحية الفنية، لأنهم يستطيعون العزف على آلات موسيقية، ولديهم المعرفة والقدرة على قراءة النوتة».

المايسترو حسين القدور واوركسترا الفن السوري

ويتابع: «أسست "أوركسترا الفن السوري" بهدف أن تشارك "الجوقة" وتكملها، ومن خلال العمل انقسمت إلى شقين: الأول الأطفال الذين ندرّسهم الموسيقا، والثاني الأساتذة والزملاء الذين آمنو بالفكرة، وهم أنفسهم من يقومون بتدريب الأطفال».

وعن إقامته حفلات موسيقية قدم فيها "شارات أفلام الرسوم المتحركة" بطريقة أوركسترالية، وحول تعاونه مع الفنان "عاصم سكر" يقول: «الأعمال التي قدمناها أوركسترالية بامتياز، وهي في الأساس مكتوبة للأوركسترا بشكل كامل، ولأنها تندرج على السلالم الغربية، لم نجد صعوبة في إعادة توزيعها، بل على العكس تماماً فكأن هذه الموسيقا كُتبت لهذا التشكيل الموسيقي، أما صوت الأطفال والكبار مع غناء الفنان "عاصم سكر" فجاء مُقدماً إضافة هارمونية مميزة، وكانت النتيجة احترافية بامتياز».

قيادة الأوركسترا

يشير "حسين القدور" إلى أن موضوع قيادة الاوركسترا وإيجاد طريقة لربط الآلات الموسيقية لتشكيل عمل هارموني بأصوات مختلفة هو أمر في غاية الصعوبة، وبحاجة لوجود عازفين مهرة، وتدريبات مكثفة ووقت طويل.

أما عن مشاركته في بعض الأعمال الموسيقية مع عدد من الموسيقيين فيفصح بأنه يحب المشاركة مع كل شخص يرى أنه يملك رسالة تشبه رسالته، لأن هذا التشارك يزيد من الخبرة، وبالتالي يصبح العمل أجمل وأكمل. ويتابع: «مشاركة موسيقيين مناسبين تخلق عملاً احترافياً مميزاً، لذلك أسعى دائماً أن يكون معي أساتذة موسيقيين مثل "دلامة شهاب، نزيه أسعد، يحيى حسون، ناجي حمود، وسيم غريواتي، وسيم قاسم"، وأصدقاء كثر تركوا بصمة كبيرة في هذه المؤسسة».

وعن أثر عمله مع كورال "لونا للغناء الجماعي" والراحل "حسام الدين بريمو" يقول: «الفترة الطويلة التي كنت فيها طالباً ومشاركاً مع "لونا للغناء الجماعي" مع الراحل "حسام الدين بريمو"، أعتبر أنها زودتني بعلم كبير، عدا عن تلك المعلومات التي كان يقدمها لنا ضمن منهجية التعليم، فكان كل تصرف يقوم به إضافة إلى طريقته في حل المشكلات تشكّل مكتسبات حقيقية بالنسبة لنا، ومكنتني من الاستمرار بمشروع "عطر للغناء الجماعي"، وأود تقديم جزيل الشكر للأستاذ الراحل "حسام الدين بريمو" لوجوده في حياتي».

رعاية المواهب

الموسيقي والمايسترو "دلامة شهاب" يتحدث عن المايسترو "حسين القدور" قائلاً: «هو صاحب مشروع موسيقي يديره بطريقة مميزة، بحكم تجربته مع الأستاذ القدير الراحل "حسام الدين بريمو"، والذي اكتسب من خبرته الكثير، وأعتقد أن طريقة تعاطيه مع الأطفال ورعايته للمواهب كافية أن توصل مشروع "كورال الأطفال" إلى مكان مميز، خاصة أن أطفالنا بحاجة لموسيقيين لديهم خبرات تضعهم على بداية الطريق، ونحن بحاجة لمثل هذه المشاريع التي تدعم جيل الأطفال، وتحثهم على حب الموسيقا والتمسك بأحلامهم».

عازف التشيللو "همام عبده" يقول: «من خلال عملي مع الأستاذ "حسين القدور" للسنة الثالثة على التوالي شعرت بقدرته على قيادة الفرقة الموسيقية على الوجه الأكمل، هو موهوب ولديه أذن موسيقية، وأنا ممتن لأنه أتاح لي فرصة المشاركة في هذا المشروع الطموح، والهدف افساح المجال أمام أصحاب المواهب من مختلف الفئات العمرية في أن يعتلوا خشبة المسرح ويصدحوا بأصواتهم، ويدخلوا البهجة إلى قلوب الناس، الأمر الذي ينعكس إيجابياً على وتعزيز قدراتهم الفنية».