تحتل "القدود" مكانة مميزة في الموسيقا العربية، إذ تكشف عن آلية مهمة في تشكّل التراث الموسيقي وتطوره، وقدرة اللحن على الانتقال بين النصوص، واستمراره عبر الأجيال دون أن يفقد ملامحه الأساسية، فـ "القد" صيغة تقوم على علاقة بين لحن متوارث ونص قابل للتغيير وأداء يتفاعل مع المكان والجمهور، بحيث تتم صياغة كلمات على قدّ لحن موجود، مما يتيح للموسيقي أن يعيد توظيف مادة لحنية معروفة تلتزم بالمقامات الموسيقية والإيقاع والوزن للحن الأصلي نفسه في سياق شعري جديد.

المنشأ والتطور

لدى الحديث عن تاريخ "القدود" ونشأتها من الأهمية بمكان التمييز بين المكان الذي تبلورت فيه هويتها والمصادر التاريخية المتعددة التي أسهمت في تكوينها، فقد نشأت بمفهومها الاصطلاحي والموسيقي الحالي خلال العصر السرياني بينما تعود جذورها اللحنية العميقة إلى الألحان والترانيم الطقسية الآشورية والآرامية القديمة، ويجمع المؤرخون الموسيقيون أن أول من طبّق فكرة "القد" هو مار أفرام السرياني "306 - 373 م"، الذي أخذ الألحان الشعبية وركّب عليها كلمات وتراتيل دينية.

وفي القرن الثامن عشر قام الشيخ أمين الجندي "1766 - 1841 م" من مدينة حمص، بوضع كلمات شعرية على "قد" ألحانٍ وأغنيات شعبية شائعة أو ألحان دينية تُردد في التكايا والزوايا الصوفية، حيث استبدل الكلمات مع الحفاظ على اللحن والإيقاع، ونظم الشيخ "أمين" الكثير من "القدود" التي لانزال نسمعها إلى اليوم، فقد قام بتأليف مئة واثنين وثمانين قداً نشرت في الباب الثالث من ديوانه المطبوع عام 1900 م، ومنها "هيمتني تيمتني.. عن سواها أشغلتني"، والتي عدلها عن أصلها الذي كان "جوجحتني مرجحتني.. دوختني دللتني".

صورة من كتاب تاريخ الطبيعي لحلب للطبيب ألكسندر راسل 1794

يقول الباحث والمؤرخ الراحل "محمد قجة": "من الناحية الموسيقية القد ليس قالباً موسيقياً بحد ذاته, لكنه يأخذ شكل القالب الأساسي الذي نشأ منه, فإن كان بالأصل موشحاً بقي كذلك, وإن كان طقطوقة أو أغنية بقي كذلك أيضاً، ومن هنا نرى أن القدود اشتهرت بأسماء مؤلفيها وليس بأسماء ملحنيها".

عُرِفت "القدود" بـ "القدود الحلبية" لأن هذه الألحان انتقلت وتطورت في "حلب" حيث قام الموسيقيون بجمعها وتدوينها، فقد احتضنت "حلب" العديد من الفنون الموسيقية الوافدة إليها بسبب موقعها الفني والتجاري الهام, فكانت مركزاً رئيسياً لطريق الحرير قديماً، كما كان لنشوء الإذاعة فيها دور في توثيق وتسجيل العديد القدود ضمن وصلات الغناء التراثية التي سجلتها وبثتها الإذاعة وتعرّف عليها المستمع بأصوات عدد من المطربين الحلبيين الكبار والذين اشتهروا بغناء هذا اللون، ومنهم "صباح فخري, محمد خيري, عبد القادر حجار, مصطفى ماهر, مها الجابري" فأضحت تلك القدود جزءاً أساسياً ضمن الوصلة الغنائية الحلبية. كما صدرت العديد من الكتب والأبحاث حول هذا الموضوع، ومنها كتاب الباحث الموسيقي الحلبي محمد قدري دلال "القدود الدينية: بحث تاريخي وموسيقي في القدود الحلبية" الصادر عن وزارة الثقافة السورية عام 2006.

المايسترو نزيه أسعد

وفي شهر كانون الأول من عام 2021 أعلنت منظمة اليونسكو رسمياً إدراج "القدود الحلبية" على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية، وذلك خلال اجتماع الدورة السادسة عشرة للجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي التي عُقدت في فرنسا. وجاء هذا الإدراج بمثابة اعتراف دولي بالقيمة التاريخية والفنية الاستثنائية لهذا الموروث الغنائي والموسيقي السوري العريق.

المنبت والجذور

حول الجغرافيا التي شكلت الهوية اللحنية للقدود الموسيقية تحدث المايسترو "نزيه أسعد" لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «يمكن أن نبدأ بـ "سوريا" ما بين "حلب" و"حمص"، حيث تأرجحت المصادر عن بداية هذه الجغرافيا بين المدينتين، وصولاً إلى "الشام" التي انتشرت فيها الأناشيد الدينية بالحضرات والزوايا الدينية، بينما تولت "حلب" مهمة تشذيب "القدود" وتطويرها وجعلها ملائمة للحياة اليومية والاجتماعية والدينية من حيث الألحان والكلمات».

المطرب سومر نجار

وعن منبت جذور "القد"، وإن كانت تعود إلى الموسيقا "السريانية" في العهود القديمة، يقول: «من المتعارف عليه أن الموسيقا "السريانية" تًعد مصدراً للكثير من فنون الغناء، وليس بعيداً أن تكون "القدود" قد أخذت جزءاً من الثقافة "السريانية"، وهذا واضح بطبيعة ألحان "القدود" المشابهة لبعض الألحان "السريانية" من حيث السياق اللحني. ولكن الملاحظة الأكثر أهمية أن الانطلاقة تتراوح ما بين "حمص" التي ارتبطت القدود فيها بالشاعر أمين الجندي وبين "حلب" بشيوخها والمنشدين فيها، وهنا كان لحلقات الذكر دور تجلى في إبراز "القدود" التي بالأصل منشأها ديني، بحيث توضع كلمات دينية على "قد" اللحن المتداول».

وفيما يتعلق باختلاف "القد" في حلب عنه في أماكن أخرى داخل وخارج "سوريا" بما في ذلك "مصر والعراق"، يقول المايسترو "نزيه أسعد": «عندما انتشرت "القدود" خارج "سوريا" حدثت اجتهادات، فأية إضافات لحنية وكلامية أُحدِثت على "القدود" نتج عنها نوع من التباين بين "القد" الأصلي الحلبي و"القد" الجديد المُطورة، لكن "القد" السوري بالعموم يحافظ على سير اللحن مع إضافات طربية خفيفة، بما فيها القليل من العُرب والإضافات اللحنية التي لا تؤثر على اللحن الأصلي. أما ما تم إضافته خارج "سوريا"، فبرأي أنه عبارة عن عملية تحويل قالب "القد" إلى قوالب غنائية أخرى مثل "الطقطوقة" أو الأغنية التي فيها مذهب وكوبليهات».

صباح فخري سلطان القدود الحلبية

التذوق والشغف

كيف يتم التعامل مع الارتجال المقامي "التقسيم" كتمهيد لغناء "القد"؟.. يجيب المايسترو "نزيه أسعد" قائلاً: «التقاسيم مع "القدود" مثلها مثل غيرها من التمهيدات في أي قالب غنائي ثانٍ، فهي تضع المغني ضمن أجواء المقام الذي لُحِّن عليه "القد"، وأحياناً يكون هناك تمهيد موسيقي ثانٍ قبل التقاسيم موزون أحياناً اسمه "الدولاب"، وهو الذي يجعل دخول "القد" سلس ومقبول للأذن، أما القواعد غير المكتوبة فتعتمد على قدرة العازف المنفرد وتتقيد بقوانين المقامات الموسيقية سواء كانت قبل الموشح أم قبل القد أم قبل أي قالب غنائي آخر فهي تتقيد بخطة موسيقية تخضع للقوانين الموسيقية التي في المقامات».

وحول مفهوم التطوير في "القد"، يقول: «أقصى ما فعله الذين طوروا في "القد" أنهم أضافوا لحناً بسيطاً قريباً من اللحن الأصلي بالمقاطع الغنائية الوسطى أو قبل النهائية، وهناك آخرون أضافوا شيئاً من الهارموني والتناغم الصوتي بآلات موسيقية مرافقة لتجميل اللحن الأصلي».

وعن إعلان منظمة اليونسكو إدراج "القدود الحلبية" على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية وانعكاس ذلك على ترسيخ حضور "القدود الحلبية" وآلية تطورها، يقول: «منذ إعلان اليونسكو عام 2021 لم يطرأ أي تطوير على آلية القدود، فلم ألاحظ أن هناك ما أضيف، ولكن أصبح لدى عامة المتذوقين شغف لمعرفة الكثير من "القدود" ومقارنتها بالقوالب الغنائية الأخرى، مثل "الأهزوجة والأغنية والطقطوقة" وما إلى ذلك من الأغاني، وأصبح عند الناس حب للاطلاع فأحيّت عندهم حالة التذوق الغنائي لتمييز "القد" عن غيره من القوالب الأخرى».

المدرسة الحلبية

المطرب "سومر نجار" ابن مدينة حلب والذي يقدم الغناء الطربي الأصيل، تحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن سبب التصاف "القد" بمدينة حلب، يقول: «أعتقد أن حلب لم تحتكر "القدود" بقدر ما احتضنتها ومنحتها هويتها الفنية، فـ "القدود" لم تولد جميعها في "حلب"، لكن امتلكت هذه المدينة بيئة موسيقية استثنائية استطاعت أن تستوعب ألحاناً من مصادر مختلفة، وتعيد تقديمها ضمن تقاليد غنائية راسخة. فهي مدينة "الموشحات والقصائد والإنشاد والموالد"، وكانت "المدرسة الحلبية" تتعامل مع الغناء بوصفه علماً وذوقاً في آن واحد».

وحول البصمة الصوتية التي يتفرد بها "القد الحلبي"، يقول: «البصمة الصوتية لـ "القد الحلبي" أراها في طريقة الأداء أكثر من اللحن نفسه، فهناك خصوصية في نطق الكلمة، وفي العُرَب الصوتية والتعامل مع الجملة المقامية، وفي العلاقة الدقيقة بين المطرب والإيقاع. كما أن "المطرب الحلبي الأصيل" لا يكتفي بإصابة النغمة الصحيحة، بل يعرف كيف يصل إليها، وكيف يستقر عليها، ومتى يغادرها. وهنا تكمن خصوصية هذه المدرسة، فالجملة الموسيقية الواحدة يمكن أن يؤديها عشرات المطربين، لكن المطرب المتمكن يمنحها روحاً دون أن ينتزع منها هويتها. وبرأيي فإن "حلب" لم تمنح "القدود" ألحانها جميعاً، لكنها منحتها واحدة من أهم مدارس أدائها».

وعن المساحة المتاحة للمطرب في إضافة "الزخارف الصوتية" دون تشويه الهيكل البنائي لـ "القد"، يقول: «الزخارف الصوتية جزء أصيل من جماليات الغناء الشرقي، وهي إحدى الوسائل التي يستطيع المطرب من خلالها التعبير عن شخصيته الفنية وثقافته المقامية. لكنني أعتقد أن المسألة لا تتعلق بحجم الزخارف أو عددها، وإنما بموقعها ووظيفتها داخل الجملة اللحنية، فلكل "قد" طبيعة موسيقية خاصة، يحددها مقامه وإيقاعه وسرعته وبناؤه اللحني. وهذه العناصر مجتمعة هي التي تحدد المساحة التي يمكن للمطرب أن يتحرك ضمنها. فهناك "قدود" تحتمل زخارف واسعة نسبياً، خاصة في الجمل الممتدة والقفلات التي تسمح بالتلوين المقامي. وفي المقابل، هناك "قدود" تكمن جاذبيتها في بساطة عباراتها وسلاسة انتقالاتها، وقد تؤدي المبالغة في زخرفتها إلى إضعاف شخصيتها الأصلية».

ويتابع: «أنا شخصياً أحب الأداء التراثي المحافظ، كما أحب التجديد وإضافة اللمسات الأدائية الخاصة، لكنني لا أتعامل مع جميع القدود بالطريقة نفسها. فأحياناً أشعر بأن الجملة اللحنية مكتملة الجمال ولا تحتاج إلى أية إضافة، وأحياناً أخرى أجد فيها مساحة تسمح بعُربة صوتية أو قفلة مختلفة أو تنويع مدروس يمنحها بعداً تعبيرياً جديداً. وهنا ينبغي التمييز بين الزخرفة التي تحافظ على الهيكل اللحني، والتغيير الذي يمس هذا الهيكل نفسه. فالزخرفة الناجحة تبرز جمال الجملة الأصلية وتثريها، بينما قد تؤدي الزخرفة المفرطة إلى إخفاء ملامح اللحن وتحويله إلى استعراض صوتي. وأعتقد أن الثقافة الموسيقية للمطرب تظهر بوضوح في هذه المسألة، لأن امتلاك القدرة على أداء الزخارف لا يعني بالضرورة أن استخدامها مناسب في كل موضع. فالمطرب المتمكن ليس من يعرف كيف يضيف العُرَب الصوتية فحسب، بل من يعرف أيضاً متى يمتنع عن إضافتها. وأحياناً تكون البساطة المدروسة أبلغ تعبيراً من أعقد الزخارف».

ارتجال ضمن حدود

يشير "سومر نجار" إلى أن القد يحتمل الارتجال، لكن ضمن حدود تفرضها طبيعته اللحنية والمقامية والإيقاعية. ويشير إلى أنه: «"ينبغي التمييز بين الارتجال داخل الجملة الغنائية والارتجال المقامي الحر الذي يمكن أن يأتي في سياق الوصلة الموسيقية. فـ "القد" يقوم في الأساس على لحن معروف له بناء محدد، ولذلك لا يمكن التعامل معه كما نتعامل مع "الموال" أو غيره من أشكال الغناء الحر. ورغم ذلك فالمطرب يملك مساحة للتصرف الأدائي، سواء من خلال الزخارف والتنويعات الصوتية، أم من خلال إعادة بعض الجمل بصيغ تعبيرية مختلفة، أم توسيع القفلات بما يتناسب مع المقام».

وحول تجربته في ذلك، يقول: «بالنسبة إلى تجربتي في الأداء، فطريقة توظيف الارتجال تخضع للحالة الفنية التي أقدم فيها "القدود"، ولطبيعة الوصلة الغنائية وتسلسلها. فأحياناً أختار أن أسبق "القد" بـ "موال" مناسب له من الناحية المقامية والتعبيرية، بحيث يكون "الموال" تمهيداً يهيئ المستمع للدخول في أجواء القد. وفي أحيان أخرى أقدم وصلة من الموشحات، ثم أنتقل منها إلى القدود، وهو أحد الأشكال التقليدية المعروفة في بناء الوصلة الغنائية الحلبية. وفي هذه الحالة تصبح المسألة أوسع من مجرد أداء "قد" منفرد، لأننا نتعامل مع بناء موسيقي متكامل، يتطلب مراعاة التسلسل المقامي والإيقاعي والتدرج في الحالة الطربية. وأنا لا أؤمن بوجود طريقة واحدة ثابتة لتقديم "القدود"، لأن لكل مناسبة وجمهور ووصلة غنائية ظروفها الخاصة. لكن الأهم بالنسبة إليّ هو ألا يتحول الارتجال إلى استعراض منفصل عن السياق الموسيقي».

ويؤكد أن الارتجال الحقيقي يحتاج إلى معرفة عميقة بالمقام، وإحساس بمواقع الاستقرار والتوتر اللحني، وقدرة على بناء الجملة بصورة منطقية تقود المستمع إلى حالة طربية متصاعدة، ويرى أن قيمة الارتجال لا تُقاس بطوله أو بكثرة انتقالاته المقامية، بل بقدرته على خدمة الحالة الطربية. فالمطرب الناجح لا يعرف فقط كيف يرتجل، بل يعرف متى يرتجل، ومتى يعود إلى اللحن الأصلي، ومتى يترك الجملة الموسيقية تتحدث عن نفسها.

الإيقاع وهوية "القد"

كثيراً ما تظهر القدود على أنها تعتمد على إيقاعات بسيطة وخفيفة، فكيف يؤثر تسريع أو تبطيء الإيقاع على هوية القد الأصلي؟.. يجيب "نجار": «لا بد من التمييز بين بساطة الإيقاع وبساطة البناء الموسيقي، لأن اللحن قد يقوم على إيقاع بسيط، لكنه يحمل في داخله ثراءً مقامياً وتعبيرياً كبيراً، كما ينبغي التمييز بين الضرب الإيقاعي نفسه وبين السرعة التي يُؤدى بها، فهما عنصران مترابطان لكنهما ليسا شيئاً واحداً. أما تغيير السرعة، فهو من المسائل التي تحتاج إلى حساسية موسيقية عالية، فلكل "قد" ما يمكن أن نسميه شخصيته الإيقاعية، وهي ناتجة عن العلاقة بين الجملة اللحنية والكلمة والضرب والسرعة. وعندما نسرّع الإيقاع بصورة مبالغ فيها، قد نفقد بعض التفاصيل التعبيرية، وخاصة الزخارف الدقيقة والمساحات التي تحتاجها الكلمة لتأخذ حقها من النطق والتعبير، وفي المقابل، فالإبطاء المبالغ فيه قد يفقد بعض "القدود" حيويتها وعفويتها، ويجعل الجمل اللحنية تبدو ثقيلة أو متكلفة. لكنني لست ضد تغيير السرعة من حيث المبدأ، بل أرى أن بعض القدود يمكن أن تُقدَّم بسرعات مختلفة وتحتفظ بهويتها الأساسية، وربما تكشف كل سرعة عن جانب تعبيري مختلف فيها. وهذا الأمر يخضع لطبيعة كل "قد"، وليس من قاعدة عامة يمكن تطبيقها على جميع الأعمال، فقد نجد قداً يحتمل تسريعاً مدروساً يمنحه حيوية إضافية، بينما نجد قداً آخر يفقد الكثير من جماله إذا خرجنا عن المجال الإيقاعي الذي تنسجم معه جمله».

ويضيف: «من المشكلات التي تظهر أحياناً في بعض المعالجات الحديثة الاعتقاد أن تسريع الإيقاع هو الطريق الأسهل للوصول إلى الجمهور، بينما قد يكون الأداء الهادئ والمتزن أكثر قدرة على خلق حالة طربية عميقة. فالسرعة بالنسبة إليّ ليست مجرد عدد من النبضات في الدقيقة، وإنما هي عنصر أساسي في التعبير الموسيقي. والتغيير الناجح هو الذي يمنح اللحن روحاً جديدة دون أن يسلبه روحه الأصلية».

التوزيع والإضافات الموسيقية

فيما يتعلق بالتوزيع الموسيقي لـ "القد" والإضافات اللحنية عليه، يقول: «فالقد في أحد أصوله يقوم على وضع كلمات على قياس لحن معروف سابقاً، وهذا يعني أن إعادة توظيف المادة اللحنية كانت جزءاً من الممارسة التي ارتبطت بهذا اللون الغنائي. ومن هنا، أرى أن المحافظة على القدود لا تعني بالضرورة الالتزام بتوزيع موسيقي واحد أو بطريقة أداء واحدة. وأنا أحب الصيغة التراثية للقدود، وأحترم جمالياتها، لكنني في الوقت نفسه أؤمن بإمكانية تقديم توزيعات موسيقية جديدة، وإضافة مقدمات وفواصل وحوارات آلية، بل والاستفادة من بعض التقنيات الموسيقية المعاصرة، شرط أن تكون هذه الإضافات منسجمة مع طبيعة العمل، وهنا أعتقد أنه من الضروري التفريق بين التوزيع الموسيقي وإعادة التأليف. فالتوزيع يمنح اللحن أبعاداً صوتية جديدة، من خلال اختيار الآلات وتوزيع الأدوار بينها وبناء النسيج الموسيقي، دون الحاجة إلى تغيير الجملة الأساسية. أما حين نبدأ بتغيير المسار اللحني أو القفلات الرئيسية أو العلاقات المقامية التي يقوم عليها العمل، فإننا نقترب من إعادة الصياغة أو التأليف المشتق. وهذا ليس أمراً مرفوضاً من حيث المبدأ، لأن الفن بطبيعته قابل للتطور، لكن من المهم أن نكون واضحين في توصيف ما نقدمه».

ويتابع: «بالنسبة إليّ، فإن حدود التجديد يحددها العمل نفسه، فهناك قدود يمكن أن تحتمل توزيعاً أوركسترالياً واسعاً، وأخرى قد تفقد الكثير من جمالها إذا أثقلناها بالتوزيع أو بالتراكيب الهارمونية غير المناسبة لطبيعتها المقامية. كما أن إضافة جملة موسيقية جديدة لا ينبغي أن تكون لمجرد ملء فراغ أو إظهار براعة الموزع، بل ينبغي أن تمتلك وظيفة فنية واضحة داخل البناء العام. وأعتقد أن التحدي الحقيقي أمام الفنان المعاصر أن يقدم التراث بلغة موسيقية متجددة، دون أن يطمس السمات التي جعلت هذا التراث حاضراً في وجدان الناس، فالتراث ليس قطعة أثرية نخشى الاقتراب منها، لكنه أيضاً ليس مادة خاماً نغيّر ملامحها كيفما نشاء. وأنا مع التجديد الذي ينطلق من فهم اللحن، وليس التجديد الذي يُفرض عليه من الخارج».

المقامات المركبة

لماذا هناك مقامات هي أكثر شيوعاً في "القد" مثل "البياتي، الراست، والحجاز" في حين نادراً ما تًقدم "قدود" مبنية على مقامات مركبة أو ثقيلة مثل "الصبا زمزمة، النكريز، الأثر كرد"؟.. يجيب بأن هذا السؤال يطرح قضية مهمة تتعلق بالعلاقة بين المقام الموسيقي والذاكرة السمعية والذائقة العامة، وكذلك بمسؤولية المطرب في تقديم التنوع المقامي للجمهور.

يقول: «لا أعتقد أن هناك مقامات تصلح للقدود وأخرى لا تصلح، ولا أرى أن المقامات الأقل تداولاً أقل جمالاً أو قدرة على التعبير، لكن انتشار بعض المقامات في الذخيرة المعروفة من القدود يرتبط بعدة عوامل، منها طبيعة الألحان التي انتقلت عبر الأجيال، ومدى حضور هذه المقامات في الغناء التقليدي، وسهولة تداول بعض الجمل اللحنية وتكرارها. فمقامات مثل "البياتي والراست والحجاز" تمتلك حضوراً واسعاً في الذاكرة الموسيقية العربية، وتتيح إمكانات متنوعة لبناء جمل غنائية واضحة ومباشرة، وهو ما ينسجم مع طبيعة عدد كبير من القدود المتداولة، أما المقامات مثل "النكريز والأثر كرد"، فهي تمتلك شخصيات لحنية غنية وإمكانات تعبيرية واسعة، ولا أرى أن قلة تداولها النسبي في هذا اللون الغنائي تعود بالضرورة إلى صعوبتها أو إلى عدم ملاءمتها للقدود، بل أعتقد أن جزءاً من المسألة يرتبط بالعادات السمعية وباختيارات المطربين والفرق الموسيقية، وبميل بعض البرامج الغنائية إلى تقديم الأعمال الأكثر شهرة والأسرع وصولاً إلى الجمهور».

ويتابع: «ينبغي أن ننتبه إلى أن وصف مقام بأنه مركب أو ثقيل لا يعني بالضرورة أنه أقل قابلية للتوظيف في الألحان الغنائية الخفيفة، فالأمر يتوقف على طريقة صياغة الجملة اللحنية وكيفية التعامل مع خصائص المقام، كما أن المقام الواحد يمكن أن يحمل حالات تعبيرية مختلفة تبعاً لمساره اللحني وإيقاعه وسرعته، وليس من الدقة أن نحصر كل مقام في حالة وجدانية واحدة. أما عن مسألة ظلم المسارح لهذه المقامات، فأعتقد أن بعض المقامات لم تنل ما تستحقه من اهتمام في البرامج الغنائية المعاصرة، لكن لا يمكننا إصدار حكم تاريخي شامل دون دراسة الذخيرة الموسيقية والتسجيلات والحفلات عبر مراحل مختلفة».

وينهي كلامه بالقول: «من وجهة نظري، مسؤولية المطرب لا تقتصر على تقديم الأعمال التي اعتاد الجمهور سماعها، بل تشمل أيضاً توسيع ذائقته الموسيقية وتعريفه بجماليات مقامية قد لا تكون مألوفة لديه، وهذا لا يعني أن نفرض على الجمهور أعمالاً معقدة، وإنما أن نحسن اختيار المادة الغنائية وطريقة تقديمها، وأن نهيئ المستمع لتذوقها. وأرى أنه من الممكن أيضاً تقديم تجارب لحنية جديدة تستلهم روح القدود وتستثمر مقامات أقل تداولاً، مع ضرورة التمييز بين القد التراثي المعروف والعمل الجديد المستوحى من تقاليده».