عزف تحت الحصار وسط الدمار وبين الأنقاض في شوارع "مخيم اليرموك"، عزف وغنى للأطفال الذين عاشوا ظروفاً قاسية من الخوف والجوع والفقدان، فوصل صوته إلى أصقاع العالم، لأن الموسيقا لم تكن مجرد فعل فني يقوم به فقط، وإنما وسيلة للحياة. إنه عازف "البيانو" والملحن والكاتب "أيهم أحمد".

البدايات الأولى

"أيهم أحمد" مواليد عام 1988، بدأت علاقته مع الموسيقا من عمر خمس سنوات، عن ذلك يتحدث لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «يعزف والدي "أحمد أحمد" على آلة "الكمان"، حيث درس العزف عليها في مدرسة المكفوفين، ووجد أن "الكمان" يرافقه "البيانو" فرغب أن يُعلّم أحد أبنائه على "البيانو" ليرافقه العزف، فأتى بمن يعلمني العزف على "الكيبورد"، ولكن في تلك الفترة لم أحب "البيانو". دخلت إلى المعهد العربي للموسيقا، ودرست الصولفيج عند "الهام أبو السعود" التي جعلتني أحب الموسيقا والصولفيج، ودرست "البيانو" عند "رنا جنيد"، ولكن وجدت أن المجتمع هناك مختلف عما نعيشه في "مخيم اليرموك" حيث نسكن، فكان لدي تناقض بين موسيقا المكان الذي أعيش فيه وموسيقا المكان الذي أعزف فيه. كنت أرى أن عزف أعمال "بيتهوفن وموتسارت" لا تناسب المجتمع الذي أعيش ضمنه، فدرست في المعهد للسنة الخامسة، ثم أخذت سنة استراحة، وخلالها وجدت أن الموسيقا ليست فقط "كلاسيك"، فبدأت أحبها لأنه لم يعد هناك ضغط، وفيما بعد أكملت في المعهد للسنة الثامنة، وأخذت شهادتي منه».

قرر "أيهم" بعد هذه التجربة ألا يدخل ضمن هذا المجال مرة أخرى، ولكن بعد نجاحه في الثانوية العامة، لم تؤهله علامته لدخول فرع في الجامعة، فلم يكن أمامه إلا دخول "المعهد العالي للموسيقا" أو "كلية التربية الموسيقية" في حمص، فدخلت "المعهد العالي"، وهناك طلبوا منه أن يمر بسنة تحضيرية، وفي ذلك الوقت كان "تكنيك العزف" لديه جيداً، لأنه يمتلك المهارة، ودخل المعهد عام 2007، لكنه لم يكمل وخرج منه وقرر أن يعمل في تجارة الآلات الموسيقية بعد أن فتح والده محل لبيع الآلات الموسيقية في "مخيم اليرموك".

أيهم أحمد يعزف في مخيم اليرموك وسط الدمار

عن تلك المرحلة يقول: «خرجت من كل التجارب السلبية التي مررت بها، وبما أنه أصبح لدي مكاني الخاص بدأت أنجز اختباراتي الموسيقية، وأقوم بعملية ادماج الهارموني الغربي مع الشرقي، كنت أستمع لـ "زياد الرحباني" و"بيتهوفن" ولكن بطريقة مختلفة، فأحببت الموسيقا». واستطاع "أيهم" أن يُكوّن مجتمعه الموسيقي، وبات يدمج بين الجاز والأوريانتال "فن يدمج بين الألحان والإيقاعات الشرقية التقليدية والمقامات الآسيوية أو الشرق أوسطية مع لمسات عالمية أو حديثة".

ويتابع: «استنتجت فيما بعد أن وجود الشهادة أمر ضروري، فبعد أن جربت الحرية الموسيقية ونما حبي للموسيقا، قررت أن أجرّب في "كلية التربية الموسيقية" في حمص عام 2007، وتم قبولي فيها وبعد دراستي فيها لمدة ثلاث سنوات بدأت "الثورة"، فأوقفت دراستي فيها بسبب الأحداث في "باب عمرو" هناك، وفي عام 2011 عدت إلى محل الآلات الموسيقية في المخيم، تزوجت وأصبحت أباً عام 2012، ولكن اشتعل "مخيم اليرموك" آنذاك بعد أن ضربته طائرة "الميغ"، فهرب كثيرون من المكان، لكني بقيت فيه وتم حصارنا من قبل "النظام المخلوع"».

الملحن وعازف البيانو أيهم أحمد
الملحن وعازف البيانو أيهم أحمد

عزف الحياة وسط الدمار

الملحن وعازف البيانو أيهم أحمد

يشير "أيهم" إلى تناقص مقومات الحياة في "المخيم اليرموك" في تلك الفترة، يقول: «بعد أن تمت محاصرتنا، وفي عام 2013 قالت لي زوجتي "كفى تشاؤم" وأعطتني "أوكورديون" صغير وطلبت مني العزف، وعندها راجعت كل ما في داخلي من موسيقا، وبدأت بعزف "نسم علينا الهوا"، فشعرت أن رائحة حرق البلاستيك الذي كنا نتدفأ عليه قد تغيرت، وحتى الناس حولي تغيروا وأنا شعرت بالسرور. ولكن شحّت الموارد وبات الوضع أصعب، وفي هذه الظروف بدأت ألحن الأغاني، فلحنت كلمات كتبها الدكتور "حسن الباش" على مقام "النهاوند"، تقول "يا مهجرين عودوا، طال السفر وطول" وغنيناها، كما غنينا "اليرموك اشتقلك يا خيا" و"المي بتقطع على طول"».

بعد هذه المرحلة استطاع "أيهم" بمساعدة شباب المنطقة أن يضع "البيانو" على عربة ذات عجلات ويخرج به إلى الطريق، يقول: «من هنا انطلقت الفكرة في حريتي بالغناء والعزف، وبدأنا نعزف ونغني في الشوارع، وبات الناس يكتبون لي كلمات من كل مكان لألحنها ونغنيها، بتنا نجر "البيانو" من مكان إلى آخر، ولكن بعد أربعة أشهر لم يبقَ معي إلا "محمود عمر ورضوان يوسف"، وفي إحدى المرات صورنا "نيراز سعيد"، وهو من أشهر مصوري "مخيم اليرموك"، وإذ بهذه الصورة تُعرض في "تايم سكوير" وهي الشاشة الكبيرة التي يضعون عليها صور المشاهير في العالم، ومن ثم عرضت في الـ "BBC"، وانتشرت قصة "عازف البيانو"، ولكن لم أنتشر في أوروبا إلا عندما عزفت بمفردي. فبت ألحن واعزف حيث قدمت "120" عملاً من ألحاني».

الملحن وعازف البيانو أيهم أحمد

يحكي عن حرق "البيانو" الخاص به، يقول: «أصبح في المخيم هناك "داعش" فقررت في 14 نيسان 2015 أن آخذ "البيانو" مع 18 آلة بحيث نضعهم في العربة ونعبر من نقطة التفتيش نحو بلدة "يلدا"، ولكن أوقفنا عناصر الحاجز هناك وعندما شاهدوا ما نحمله من آلات و"بيانو" قاوموا بحرقه، وعندها هربت عائداً إلى المخيم وقررت السفر، فسافرت إلى الشمال السوري ومن ثم إلى "تركيا"، وأكملت نحو "أوروبا" وبعد رحلة دامت شهرين وصلت بمفردي بتاريخ 15 أيلول 2015».

مرحلة جديدة

يتابع "أيهم" حديثه عن مرحلة وصوله إلى "ألمانيا"، يقول: «كان اسمي في ألمانيا وبريطانيا "عازف بيانو في الدمار"، وعندما وصلت إلى "ألمانيا" وجدت أن واحدة من أهم الصحف الألمانية "زود دويتشه تسايتونج" قد كتبت تقريراً مطولاَ عني، وانهالت علي العروض لأعزف في العديد من الأماكن. ولكن في تلك الفترة كنت لاجئاً وينبغي أن أكون في المكان المخصص للاجئين هناك، فاستثمرت الوقت ليكون لي اسم في "ألمانيا"، وبعد أربعة أشهر أعلنت مؤسس "بيتهوفن" في "بون" أنها تريد إعطائي جائزة "بتهوفن للإنسانية"، وسيحضر التكريم أهم قائد أوركسترا في العالم "دانيال بارنبويم" وهو قائد "أوركسترا برلين"، إلى جانب أهم عازفة بيانو في العالم "مارتا اغريتش"، إضافة إلى حضور رسمي، أخذت "بيتهوفن برايس" وأنا أرتدي اللفحة الفلسطينية والثياب المستعملة، وعزفت مع العازفين المشهورين في العالم».

الملحن وعازف البيانو أيهم أحمد

وحول دراسته الموسيقا في "ألمانيا" يقول: «وصلني إيميل من جامعة خاصة في "فرانكفورت" بأنه يمكنني اكمال الدراسة عندهم، فدرست "ماستر" لسنتين "2016 - 2017"، ودرست الارتجال الحديث. فالموسيقا الكلاسيكية باتت قديمة، والبحث اليوم أصبح حول ما بعد الصوت وما بعد الموسيقا».

متى شعرت أن الموسيقا بالنسية إليك هي "ارتجال"؟ سؤال يجيب عنه قائلاً: «من أيام "مخيم اليرموك" عندما كنت في محل بيع الآلات الموسيقية، شعرت أنه يمكنني أن أقوم بما أريد». وحول المزج بين "الجاز والموسيقا المعاصرة والارتجال"، يقول: «من المهم أن يبقى الجمهور معك، وتكون متفاعلاً معه، تحكي له الحكاية من خلال الموسيقا ليعيشها ولكن دون أن يفهمها، ليس بالضرورة أن تكون أفضل عازف تكنيك في العالم، ولكن ينبغي أن تشد من يسمعك، مثل القصة التي تدفعك لأن تُكملها حتى النهاية، وأنا أستطيع شد الجمهور».

ولكن كيف يشد الجمهور إليه؟..، يقول: «من خلال الستاند أب كوميدي، وبحركاتي وباسمي، وبالقصة التي أقولها، بالعنفوان وبـ "الجنان عبر الموسيقا"، كما أنني أعزف على البيانو وأشرح عن المقطوعات التي أقدمها». وعن فكرة "الجنان عبر الموسيقا" بالتحديد، يقول: «أعني بها ألا تخاف من شيء، وكل شيء مسموح، ولكن هناك حدود، وعليك أن توصل لمن يسمعك، فيعيش الحرب التي تعزف عنها، حتى أنني عندما أعزف على البيانو أقوم أحياناً بالضرب على الأوتار بقوة».

جذب الجمهور

تختلف مكانة "البيانو" بين التأليف والعزف بشكل منفرد "سولو"، أو بشكل ثنائي أو ثلاثي أو رباعي مع آلات أخرى، عن ذلك، يقول: «مكانة "البيانو" تتغير بين حالة وأخرى، فعندما تعزف عليه "سولو" ينبغي أن تشد الجمهور طيلة الحفل، وعندما يكون مع آلة ثانية يصبح معك شريك فيكون هناك علاقة حوارية، وهو أمر ينتقل إلى الجمهور. ولدي الكثير من ثنائيات العزف والتلحين، مع العديد من الآلات "تشيلو، كمان، ترومبيت، باصون، كلارينيت"، وعزفت مع خماسي وتري، وبيانو مع أوركسترا، وكلها أعمال من تأليفي، وهناك كونشيرتو مع بيانو سبع حركات مع أوركسترا مؤلفة من 80 عازفاً». ويتابع: «لدي ألبومات مشتركة، مع عازف "درامز" وعازف "كونترباص"، ولدي "جاز تريو"، و"رباعي وتري"، إضافة إلى الحفلات "السولو"، وحفلات "سولو مع قراءة"، وحفلات "بيانو وتشيلو". كما عزفت في "اليابان" على آلات "بيانو" أثرت عليها القنبلة النووية».

سبق لـ "أيهم" القول أنه خلال العزف تكون "التيمات الشرقية" حاضرة معه، فضمن "الجاز والارتجال والكلاسيك" أين مكان الموسيقا الشرقية لديه؟، يقول: «الموسيقا الشرقية رائعة ولكن لا تستطيع عزفها على "البيانو" أو على الآلات الغربية، فهي حاضرة معي من خلال صوتي، حيث أعزف "الأكوردات" وأغني شرقي مع الموسيقا، ليس كلام وإنما "فوكاليزم". وعندما تسمع ألبوماتي تجد صوتاً مثل "الكمان" فيه حالة شرقية وحضور لـ "البيانو". لقد أخذت من الموسيقا الشرقية "الستايل الشرقي" ووضعته مع "ستايل الجاز"، فأوجدت ما هو جديد ويجذب الجمهور ليسمعه».

إلى جانب الموسيقا، قدم "أيهم" حتى الآن خمسة كتب، غاص فيها بالذاكرة، متناولاً تجربته وتجربة والده، وما عاشوه خلال الفترة الماضية، والمنفى، وتفاصيل الإنسان الذي يحاول الحفاظ على هويته، وكان الكتاب الأول سيرة ذاتية عنه يوثق من خلاله تجربته في مخيم اليرموك، وعلاقته بالموسيقا، ورحلته من سوريا إلى أوروبا، صدر الكتاب عام 2017 بعنوان "العصافير سوف تغني"، وترجم إلى عدة لغات، من بينها الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية والإسبانية. أما الكتب الأخرى التي قدمها، فهي: "تكسي دمشق، الوصول، الفتيل، أربع أوتار وقوس في الظلام".