تُعد "الآلات الإيقاعية" عصب الموسيقا ونبضها الأساسي، ولا يمكن اختزالها بضبط الوقت الموسيقي فقط، فهي تمنح الألحان روحها وميزانها، حركتها واتجاهها، بالإضافة إلى أنها تُحدد طابعها الزمني، وباعتبارها المحرك الأساسي للطاقة الحركية والتعبيرية في العمل الموسيقي، فهي تمتلك القدرة على توجيه الحالة الشعورية للمستمع، والانتقال به بسلاسة من سكينة التأمل إلى ذروة الحماس في ثوانٍ معدودة.

أبعد من ضبط الزمن

للغوص أكثر في عوالم "الإيقاع" ودوره وأهميته في الموسيقا، تحدث عازف الإيقاع المايسترو "علي أحمد" لـ "مدونة الموسيقا" شارحاً دور "الآلات الإيقاعية" ضمن الأوركسترا، مشيراً إلى أنها تلعب دوراً جوهرياً في تشكيل الهوية الصوتية والبنائية للموسيقا، سواء الغربية الكلاسيكية أم الشرقية التراثية والحديثة.

وحول إلى أي مدى يتجاوز دورها ضبط السرعة ومنح المقطوعات توازنها الزمني والموسيقي، يقول: يذهب دور آلات الإيقاع إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد ضبط السرعة الـ "Tempo" والتوازن الزمني، ففي الأوركسترا الحديثة، تعد عائلة الإيقاع بمثابة "المُلوِّن الصوتي" والمحرك الدرامي الأساسي، وتتجلى أدوارها في:

آلات إيقاعية

التلوين النغمي "Timbre": آلات مثل "الماريمبا، الفايبرافون، والتيمباني" تعزف نغمات محددة وتضيف ظلالاً لحنية دافئة أو حادة تمتزج مع الوتريات والنفخ.

التعبير الدرامي وبناء الذروة: تستخدم الطبول الضخمة "Bass Drum" والصنوج "Cymbals" لخلق لحظات المفاجأة، الخوف، أو الانتصار، ورسم الأجواء التصويرية في الموسيقا التصويرية للأفلام.

المايسترو وعازف الإيقاع علي أحمد

إبراز البنية المعمارية: تؤكد آلات الإيقاع على التحولات الهيكلية للمقطوعة (الانتقال من حركة إلى أخرى أو الدخول في "السينيو").

العمود الفقري

إلى أي مدى يمكن اعتبار آلات "الإيقاع الشرقية" على تنوعها هي القلب النابض الذي يمنح الألحان روحها وميزانها، ويُحدد طابعها الزمني والعاطفي في الموسيقا الشرقية؟.. يجيب: «في الموسيقا الشرقية، تعتبر آلات الإيقاع "الرق، الدربكة، المزهَر، البندير" هي العمود الفقري والموجه العاطفي للعمل الموسيقي. ولدى الحديث عن أنها "روح اللحن وميزانه" فالموسيقا الشرقية تعتمد بنيوياً على "الدور الإيقاعي" (الوزن)، فالآلة الإيقاعية لا تضبط الوقت فحسب، بل تُترجم الكلمات والآهات وتتفاعل بشكل حي مع المطرب وخاصة "آلة الرق في التخت الشرقي". وضمن إطار "الطابع الزمني والعاطفي" تأتي ضربات "الدم" (العميقة) و"التك" (الحادة) وزخارفها تصنع الفارق، فإيقاع مثل "السامري" أو "الصعيدي" ينقل المستمع فوراً إلى بيئة جغرافية ونفسية محددة، بينما إيقاعات مثل الحجاز أو الجرجينة فهي تحمل شجناً أو حماسةً تُملي على المستمع طريقة التفاعل الجسدي والعاطفي مع اللحن».

الموسيقي وعازف الإيقاع إلياس عبود

وحول إن كانت تختلف الإيقاعات باختلاف المقامات، يؤكد "أحمد" إلى أنه ليس هناك علاقة حتمية أو إجبارية تربط مقاماً معيناً بإيقاع محدد، لكن هناك "توافقات ثقافية وجمالية شفاهية" تعارفت عليها الموسيقا الشرقية. مشيراً إلى الحرية اللحنية والإيقاعية فيمكن عزف لحن من مقام البياتي على إيقاع المقسوم "سريع ومبهج" أو على إيقاع الوحدة الكبيرة "بطيء ووقور". لافتاً إلى موضوع "الاقتران الثقافي" ففي الموشحات والقدود، غالباً ما تقترن بعض المقامات الرصينة مثل "راست أو سيكاه" بإيقاعات مركبة أو وقورة مثل "السماعي ثقيل 10/8"، بينما المقامات الحماسية أو الفلكلورية فقد تجدها بكثرة مع إيقاعات سريعة وثنائية.

آلات شرقية وموسيقا غربية

كثيراً ما بتنا نشاهد حفلات موسيقية تتداخل فيها "الآلات الإيقاعية" التراثية الشرقية مع الأنماط الموسيقية الغربية الحديثة، منها على سبيل المثال استخدام "الرق، الدف، الدربكة،.." في موسيقا الجاز والبوب، عن ذلك يقول: «شهدت العقود الأخيرة دمجاً مذهلاً لآلات مثل "الرق، الدف، الدربكة" في الموسيقا الغربية بفضل "موسيقا العالم" (World Music) وحركات الفيوزن (Fusion Jazz). ففي "الجاز" يُستخدم "الرق" كبديل أو مكمل لآلة "Hi-Hat" و"Snare" بسبب صوت "الصنوج" الصغيرة "الجلاجل" التي تمنح الجاز ألواناً صوتية خشبية ومعدنية دافئة، وتسمح بمرونة عالية في الارتجال المعقد "كما فعل عازفون مثل غلين فيليز أو كريم زياد". أما في "البوب" العالمي فتُستخدم الدربكة "التابلا" لإضافة طاقة حركية راقصة "Groove" فريدة تختلف عن الطبول الغربية المعتادة، حيث تخترق ضربات "التك" الحادة طبقات التوزيع الحديث وتمنح الأغاني طابعاً حيوياً ومستقبلياً "كما ظهر في أعمال شاكيرا، ستينغ، وستيف وندر"».

آلات إيقاعية

وعن مدى نجاح آلات الإيقاع الإلكترونية في تعويض "الإحساس البشري"، يقول: «نجحت تقنياً وتجارياً في خلق جمالية جديدة، لكنها فشلت في تعويض "الإحساس والروح البشرية"، وما تميزت به الآلات مثل "Roland TR-808" أنها قدمت دقة متناهية، وثباتاً في السرعة، وأصواتاً تحت أرضية ضخمة "Sub-bass" أسست لموسيقا "الهيب هوب، التكنو، البوب الحديث". ولكن يفتقر "الإلكتروني" إلى "الخطأ الجميل" والارتجال اللحظي. فالعازف البشري يغير قوة ضربته "Velocity" ونبرتها بناءً على تفاعله العاطفي مع بقية العازفين، وهو ما يجعل الإيقاع البشري "يتنفس"، بينما تظل الآلة الصماء بحاجة لبرمجة معقدة لمحاكاة هذا التباين».

الطبول الإلكترونية

وحول مدى تأثير الـ DAWs والطبول الإلكترونية على مهنة العازف البشري، يقول: «أحدثت منصات العمل الصوتي مثل "Logic, Ableton, Pro Tools" والطبول الإلكترونية ثورة ذات حدين، الأول هو الأثر السلبي لها عبر "التهديد الوظيفي" حيث انخفض الطلب على عازفي الإيقاع التقليديين في الاستوديوهات التجارية لإنتاج الإعلانات وموسيقا البوب السريعة، واستُبدِلوا بـ "المكتبات الصوتية الجاهزة" (Samples) التي يمكن للمنتج ترتيبها بكبسة زر. أما الحد الثاني فهو الأثر الإيجابي والذي ينعكس عبر التطور والفرص، حيث اضطر عازف الإيقاع الحديث إلى التطور، فأصبح "عازفاً هجيناً" (Hybrid Percussionist) يدمج الطبول الحية مع الوسادات الإلكترونية (Pads). كما زاد الطلب على العازفين المهرة لتسجيل "مكتبات صوتية حية" تباع للمنتجين حول العالم، وظل العرض الحي (Live Performances) حكراً على الطاقة البشرية التي لا يمكن تعويضها على المسرح».

تأثير التطور

وفيما يتعلق بمفهوم "الكوَنْتَزة" (Quantization) في الموسيقا الحديثة، لفت إلى أنها عملية رياضية رقمية تقوم بها برامج الـ DAW لجذب الضربات الإيقاعية التي "عُزفت حياً" وتثبيتها بدقة كاملة على شبكة الوقت الزمني (Grid) للمقطوعة.

وعن آلية عملها يقول: «إذا قام عازف بضرب الطبلة متأخراً أو متقدماً بجزء من الملي ثانية عن الميزان (مثلاً على شبكة الـ 1/16)، يقوم البرنامج تلقائياً بترحيل الصوت ليكون متطابقاً تماماً مع النبض الرقمي (الـ Click). أما سلبياتها فهي المبالغة فيها لأنها تؤدي لجعل الموسيقا جامدة وآلية، وتفقدها الـ "Groove". لذلك، توفر البرامج الحديثة خاصية "الكوَنْتَزة الجزئية" أو الـ (Humanize) لإعادة إدخال بعض الفروقات الزمنية الطفيفة عمداً لتبدو الموسيقا طبيعية».

وينهي المايسترو "علي أحمد" حديثه بالتطرق إلى البوليريذم (Polyrhythm)، ما هو ومتى ولماذا يُستخدم؟.. يقول: «البوليريذم "الإيقاع المتعدد" هو عزف إيقاعين مختلفين أو أكثر بـ "تقسيمات زمنية مختلفة" في نفس الوقت، بشرط أن يلتقيا في النبضة الرئيسية الأولى (Downbeat). أشهر أمثلته هو إيقاع "3 ضد 2" (عزف ثلاث ضربات متساوية في يد، وضريتين متساويتين في اليد الأخرى خلال نفس الحيز الزمني). أما متى يُستخدم؟، فهو شائع جداً في الموسيقا الأفريقية التراثية، وموسيقا الجاز، والروك التقدمي (Progressive Rock)، والموسيقا الأوركسترالية الحديثة (مثل أعمال إيغور سترافينسكي). ويُستخدم لخلق توتر وحركة (Polyrhythmic Tension) حيث يمنح المستمع شعوراً بأن الموسيقا تتحرك بسرعتين مختلفتين في آن واحد، مما يكسر الملل. كما يرفع من القيمة الفنية والملمس الصوتي (Texture) للمقطوعة، ويثير حماسة وتحدياً كبيراً بين العازفين.

الإيقاع في الموسيقا

الموسيقي وعازف الإيقاع "إلياس عبود" المقيم في ألمانيا تحدث لـ "مدونة الموسيقا" عما يمنحه الإيقاع للعمل الفني، وهل يمكن أن ينجح لحن موسيقي دون إيقاع؟، يقول: «حتى نُجيب عن هذا السؤال، علينا أولاً أن نحدد عن أي موسيقا نتحدث، لأن مكانة الإيقاع وطريقة حضوره تختلفان باختلاف التقاليد الموسيقية وطبيعة العمل. ففي كثير من الأنماط اللاتينية، يشكل الإيقاع عنصراً رئيسياً في هوية الموسيقا وحركتها. وفي تقاليد إفريقية عديدة، يكون محوراً لبناء العمل، وتتداخل طبقات إيقاعية مختلفة لتشكل نسيجه الموسيقي. أما في الموسيقا الكلاسيكية الأوروبية، فالإيقاع ركن أساسي أيضاً، لكن حضوره لا يستلزم وجود آلات إيقاعية. فهناك أعمال كاملة تتولى فيها الآلات الوترية أو النفخية بناء الحركة الإيقاعية والتعبير عنها».

ويشير إلى أننا نجد في الموسيقا الكلاسيكية الهندية أحد أكثر التقاليد الإيقاعية ثراء وتعقيداً، إذ يقوم البناء الإيقاعي على دورات زمنية تعرف باسم «تالا»، تتوزع نبضاتها إلى مجموعات قد تكون متساوية أو متفاوتة. وداخل هذا الإطار، يبني العازف جملاً وتقسيمات إيقاعية معقدة، قد تمتد عبر أكثر من دورة، مع الحفاظ على ارتباطه بالبنية الأساسية. وفي تقاليد شمال الهند تبرز أهمية العودة إلى الضربة الأولى من الدورة المعروفة باسم «سام»، فتلتقي عندها الجمل اللحنية والإيقاعية بعد مسارات من الارتجال. وهنا يتفاعل الحساب الدقيق مع الإحساس والخيال، ويشعر المستمع بالتوتر والانتظار ثم بلحظة الوصول، حتى لو لم يكن يعد النبضات بنفسه.

ويتابع: «في الموسيقا العربية تحتل الإيقاعات وأشكالها المتنوعة مكانة أساسية في كثير من القوالب، وتسهم الآلات الإيقاعية في إبراز شخصيتها وصياغة العلاقة بين اللحن والحركة والطرب، مع وجود مساحات حرة مثل التقاسيم، التي لا ترتبط بالضرورة بدورة إيقاعية منتظمة. أما بالنسبة إلي، فيمنح الإيقاع العمل إحساسه بالزمن والحركة والتنفس، ويمكن أن يولد الاستقرار أو التوتر أو الاندفاع. لذلك من المهم التمييز بين الإيقاع والآلات الإيقاعية: يمكن بالتأكيد أن ينجح لحن دون مرافقة آلة إيقاعية، ويمكن أن يتحرر من النبض المنتظم، لكن امتداد النغمات والسكتات وطريقة توالي الجمل تظل تصوغ علاقته بالزمن، فغياب الآلة الإيقاعية لا يعني غياب الإيقاع عن الموسيقا».

تصنيف الآلات الإيقاعية

وحول كيفية تصنيف "الآلات الإيقاعية" على كثرتها، يقول "عبود": «عالم الآلات الإيقاعية واسع ومتنوع، ولذلك يمكن تصنيفها بطرق عديدة، ينظر كل منها إلى جانب مختلف من الآلة. فيمكن تقسيمها بحسب وضوح النغمة، فهناك آلات ذات نغمات محددة، مثل "الماريمبا والفيبرافون والتيمبانين"، وأخرى لا تسمع فيها نغمة محددة بوضوح، مثل كثير من "الطبول والصنوج". وهذا لا يعني أن أصواتها متشابهة، فلكل منها طابعه، ويمكننا التمييز فيها بين أصوات أكثر حدة وأخرى أكثر غلظة.

ومن ناحية مصدر الصوت، هناك آلات غشائية ينتج صوتها عن اهتزاز جلد أو غشاء صناعي مشدود، مثل "الدف والدربكة والتيمباني", وآلات ذاتية التصويت يهتز جسمها نفسه لإنتاج الصوت، مثل "المثلث والصنوج والماريمبا".

ويمكن تصنيفها بحسب طريقة العزف أيضاً: منها ما يضرب باليد، ومنها ما يعزف بالعصي أو المطارق، ومنها ما يصدر صوته بالهز مثل "الشيكر"، أو بالحك مثل "الغويرو"، أو بتصادم جزأين مثل "الصنوج الثنائية والكاستنيت". وبعض الآلات يتيح أكثر من طريقة لإنتاج الصوت، ما يوسع إمكاناته التعبيرية.

كذلك نستطيع تصنيفها بحسب الخامة المصدّرة للصوت، كالخشب والمعدن والأغشية والحجر. وهنا ينبغي التمييز بين مادة جسم الآلة والجزء الذي يولد صوتها، فالدربكة قد يكون جسمها من المعدن أو الفخار لكنها تبقى آلة غشائية لأن الغشاء هو المصدر الأساسي لصوتها.

وهناك تصنيف جغرافي وثقافي، بحسب المناطق والتقاليد الموسيقية التي تنتمي إليها الآلات، وتصنيف بحسب سياق استخدامها، سواء في الموسيقا الأوركسترالية أم الشعبية أم الطقوسية. لكن هذه الحدود متداخلة، لأن كثيراً من الآلات انتقل بين ثقافات مختلفة وتطور فيها.

ويمكن النظر إلى دور الآلة داخل العمل: تثبيت النبض، أو بناء جمل لحنية، أو إضافة ألوان صوتية، أو إحداث تأثير درامي. وهذه الأدوار تتغير بحسب التأليف وطريقة العزف، فالآلة نفسها قد تؤدي وظائف مختلفة تماماً من عمل إلى آخر. لذلك أرى أن هذه التصنيفات تكمل بعضها، ويمكن وصف الآلة الواحدة من خلال أكثر من تصنيف في الوقت نفسه. وهذا التنوع يوضح اتساع عالم الإيقاع وإمكاناته التي تتجاوز فكرة مرافقة اللحن أو ضبط السرعة».

الركيزة الأساسية

عن "الآلات الإيقاعية" التي لا يمكن الاستغناء عنها ضمن الفرق الكبيرة، يقول: «من وجهة نظري وتجربتي، يشكل "الدرامز" ركيزة أساسية في كثير من الفرق الكبيرة التي تعتمد على إيقاع دوري متكرر، فهو يؤمن قاعدة إيقاعية تدعم العازفين وتضبط حركة الموسيقا، ويسهم في تحديد طاقتها والتفاعل مع جملها وانتقالاتها. وإلى جانبه، قد تأتي آلات أخرى تمنح الموسيقا طابعها الخاص، ففي الموسيقا العربية قد نجد "الرق أو الطار أو الطبلة"، وفي الموسيقا اللاتينية قد نجد "التيمبالس والغويرو والشيكر" وغيرها. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن وجود "الدرامز" شرط في كل فرقة كبيرة، فقد نجد فرقة موسيقا شرقية كبيرة تعتمد على "الرق والطبلة والطار" من دون "درامز"، وتتولى هذه الآلات بناء النسيج الإيقاعي كاملاً. لذلك فإن حديثي عن الدرامز بوصفه ركيزة أساسية يعبر عن رأيي الشخصي وتجربتي، وليس عن قاعدة عامة تنطبق على جميع الفرق».

ويتابع: «أما في الأوركسترا الكلاسيكية الأوروبية، فالمرجع هو المدونة الموسيقية، إذ يحدد المؤلف الآلات المطلوبة لكل عمل. فإذا كتب لـ "التيمباني أو الصنوج أو الإكسيلوفون"، تصبح هذه الآلات جزءاً من البناء الموسيقي واللون الصوتي المقصود، ولا يكون استبدالها أو حذفها خياراً حراً عند أداء العمل بصيغته الأصلية. وبهذا المعنى لا توجد قائمة واحدة من الآلات الضرورية لكل الأعمال، فالضروري هو ما تتطلبه كتابة العمل نفسه. وفي المقابل، تتيح بعض الفرق مساحة أوسع لاختيار "الآلات الإيقاعية" وتغيير تشكيلتها بحسب الرؤية الفنية. يمكن، مثلاً، أن يرافق الدرامز "رق وطبلة"، أو أن يؤدي دوره من دونهما، تبعاً للكثافة واللون الصوتي المطلوبين. ويساعد وجود نمط إيقاعي متكرر على إتاحة مساحة للارتجال والتنويع، بينما تبقى هذه الحرية مرتبطة بالتوزيع وطبيعة العمل واتفاق العازفين».

وفيما يتعلق بسؤال: ما الحدود الفاصلة بين «الضبط الميكانيكي» الصارم للإيقاع وبين «الروح» الارتجالية التي يضيفها العازف أثناء العرض المباشر؟.. يجيب: «بالنسبة إلي، تتحدد هذه المساحة بحسب نوع الموسيقا وطبيعة العمل وطريقة كتابته، العازف لا يقرر الارتجال بمعزل عما يعزفه، فالموسيقا نفسها، من خلال بنائها ودوره فيها، تحدد أين يلتزم وأين يستطيع أن يضيف أو يرتجل. وفي الأعمال المدونة من الموسيقا الكلاسيكية الأوروبية، يكون الالتزام بالنص الموسيقي أساسياً. إذا كنت أعزف "التيمباني" في عمل لبيتهوفن، فإن دوري هو أداء ما كتبه المؤلف، وليس إضافة جمل من عندي. وإذا أخذنا «بوليرو» لرافيل مثالاً، نجد أن الشكل الإيقاعي للسنير يتكرر طوال معظم العمل، لكن هذا التكرار لا يمنح العازف حرية تغييره أو زخرفته، فالمحافظة عليه جزء أساسي من فكرة القطعة. وهذا المثال يوضح أن وجود نمط متكرر لا يعني بالضرورة وجود مساحة للارتجال».

ويشير إلى أنه في بعض الأعمال المعاصرة، قد يترك المؤلف مساحة من الحرية داخل الكتابة نفسها. ومن خلال تجربته، ذكر ثلاثة أمثلة: قد يخصص مدة محددة، كخمس عشرة ثانية، يعزف خلالها الموسيقي بحرية ضمن التعليمات المعطاة. أو يكتب الإيقاع بدقة ويترك للعازف اختيار النغمات. أو يحدد النغمات ويترك حرية تشكيلها إيقاعياً وتوزيعها في الزمن، وهنا تصبح الحرية نفسها جزءاً مقصوداً من التأليف.

ويتابع: «في موسيقا الجاز والبوب والموسيقا اللاتينية وبعض أشكال الموسيقا العربية والشعبية، قد تكون مساحة الارتجال أوسع، بحسب القطعة والتوزيع وأسلوب الفرقة. لكنها لا تعني أن يرتجل العازف من بداية العمل إلى نهايته. هناك لحظات يحتاج فيها اللحن إلى الوضوح، ويكون دوري تقديم مرافقة تدعمه وتترك له المساحة. وفي لحظات أخرى، يتسع المجال لجملة مرتجلة أو لحوار مع بقية العازفين. وأحياناً تقتصر الإضافة على زخارف وتنويعات فوق النمط الإيقاعي المتفق عليه، مع الحفاظ على شخصيته ونبضه. ولا أرى أن الدقة والروح متعارضتان، فحتى عندما ألتزم بالنوتة، تظهر شخصيتي في نوعية الصوت، وطريقة الضرب، والتدرج في الشدة، والإصغاء إلى بقية العازفين. الروح لا تأتي من الارتجال وحده، بل من فهم الموسيقا وأداء الدور الذي تحتاج إليه، سواء كان مرافقة بسيطة، أم التزاماً دقيقاً بالمكتوب، أو ارتجالاً واسعاً».

بين الغربي والشرقي

يتحدث "إلياس عبود" عما هو مختلف بين الآلات الإيقاعية الشرقية والغربية، قائلاً: «أرى أن المقارنة واسعة، لأننا نتحدث عن مجموعتين كبيرتين ومتنوعتين من الآلات، وليست كل مجموعة منهما متجانسة في خصائصها. فالاختلاف لا يتحدد بالانتماء الجغرافي وحده، بل يظهر في بناء الآلة، والخامات المستخدمة فيها، وطبيعة صوتها، وتقنيات العزف عليها، والدور الذي تؤديه داخل الموسيقا. وفي المقابل، نجد أوجه شبه واضحة بين آلات تنتمي إلى تقاليد مختلفة. فعلى سبيل المثال: تعتمد "الدربكة والتيمباني" على اهتزاز غشاء مشدود، لكن العزف على "الدربكة" يكون بالأصابع أو باليدين، بينما تعزف "التيمباني" بالمطارق وتضبط على نغمات محددة. فهناك اشتراك في مبدأ إنتاج الصوت مع اختلاف في البناء والتقنيات والإمكانات التعبيرية. ونجد أيضاً عائلة "الطبول الإطارية" التي ينتمي إليها "الطار" المستخدم عندنا، فقد عرفت أشكال من هذه العائلة في أوروبا تاريخياً، وكان بعضها يعزف باليد أو بالعصي الخشبية، وهذا يبين أن التشابه بين الآلات قد يتجاوز الحدود الجغرافية، مع اختلاف طرق العزف عليها».

ويرى أن من أوضح الأمثلة "الرق والتامبورين الأوركسترالي"، فكلاهما يجمع غشاء مشدوداً على إطار وصنوجاً معدنية صغيرة موزعة حوله، ومع هذا التشابه الكبير في الشكل والبناء، حيث تختلف تقنيات العزف والتعامل مع الغشاء والصنوج، وكذلك الدور الموسيقي بين استخدام "الرق" في الموسيقا العربية واستخدام "التامبورين" في الأوركسترا. فالتشابه في الشكل لا يعني بالضرورة تطابق الاستخدام أو النتيجة الموسيقية.

ويتابع: «في المقابل، هناك آلات مثل "الماريمبا والفيبرافون"، ذات القضبان المرتبة على هيئة لوحة مفاتيح، تتيح عزف ألحان وتآلفات باستخدام المطارق. وهي ليست من الآلات التقليدية في الموسيقا العربية، وإن كان من الممكن استخدامها ضمن تجارب عربية معاصرة. وهنا أرى أن جزءاً من الاختلاف يأتي من التقليد الموسيقي وطريقة توظيف الآلة، وليس من خصائصها وحدها، فكيف ترافق اللحن، وما المساحة المتاحة لها للارتجال، وهل تتولى بناء النبض أو تقديم جملة لحنية أو إضافة لون صوتي؟. كما أن الآلة نفسها يمكن أن تأخذ دوراً مختلفاً تماماً عندما تنتقل إلى سياق موسيقي جديد. لذلك، بالنسبة إلي، هذه أمثلة تعطي لمحة عامة: أحياناً يكون الاختلاف في الآلات نفسها، وأحياناً نجد تقارباً كبيراً في بنائها، بينما يظهر الاختلاف الأهم في أسلوب العزف والاستخدام. فالآلة لا تحصر العازف في نوع موسيقي واحد، وإمكاناتها تظل مفتوحة للتجربة والتأليف».

وحول الدور الذي تلعبه "الآلات الإيقاعية" كمؤثر صوتي ضمن الأعمال الدرامية، يقول: «تمتلك "الآلات الإيقاعية" إمكانات واسعة لإغناء الأعمال الدرامية، بسبب التنوع الكبير في أصواتها. فنحن نتحدث عن عائلة تضم آلات ذات نغمات محددة وأخرى لا تسمع فيها نغمة محددة بوضوح، وعن أصوات غليظة وأخرى حادة، وخامات خشبية ومعدنية وغشائية، لكل منها طابعها وإمكاناتها التعبيرية. وهذا التنوع يمنح المؤلف والعازف خيارات كثيرة لبناء الجو الذي يحتاج إليه المشهد. ويمكن أن يكون الصوت خافتاً ومتباعداً، فيترك مساحة للصمت والترقب، أو كثيفاً ومتراكما، فيسهم في تصاعد التوتر والوصول إلى ذروة. ويمكن أيضاً أن يضيف إحساساً بالحركة أو القلق أو الهشاشة أو الهدوء، بحسب الآلة المختارة وطريقة العزف عليها وشدة الصوت وتوقيته. ولا يقتصر هذا الدور على تقديم إيقاع متكرر، فقد تكون ضربة واحدة، أو رنين ممتد، أو احتكاك، أو مجموعة أصوات غير منتظمة، كافية لإضافة بعد إلى المشهد. وأحيانا يحتاج العمل إلى حضور صوتي واضح، وأحياناً إلى تفصيل بسيط يكاد لا يلاحظ، لكنه يساهم في تشكيل إحساس المتلقي».

وينهي كلامه بالإشارة إلى أن القدرة على التعبير الدرامي ليست حكراً على الآلات الإيقاعية، فالوتريات والبيانو وآلات النفخ وغيرها تمتلك بدورها إمكانات كبيرة. واتساع هذه العائلة وتنوع ألوانها الصوتية يمنحانها مرونة كبيرة في خدمة المشهد والتعبير عن حالات درامية مختلفة.