لا يعتبر الموسيقي "غسان العبود" قائد أوركسترا تقليدي، فهو يتمتع برؤية موسيقية خاصة ميزت الأعمال الموسيقية للأوركسترا التي يقوم بقيادتها، وعندما تستمع إلى إحدى الأمسيات الموسيقية الخاصة به تشعر أنك تسمع الأعمال المُقدمة لأول مرة، وكأنها نص أعيد تحريره بفكر مختلف، فتأخذك إلى عوالم لا يشبه فيها أحد، هذه الرؤية صنعتها سنوات من الدراسة الأكاديمية والتدريب على يد أساتذة كبار في سوريا وأوروبا، والعمل في قيادة الأوركسترا والكورال والفرق الموسيقية أثناء إقامته في "بلجيكا وكندا وهولندا".

رؤية فنية خاصة

بدأت موهبته منذ سن الخامسة، عندما بدأ بالعزف على آلة "البيانو" في دمشق، تخرج من "المعهد العالي للموسيقا" وتابع دراسته في "بلجيكا"، فحصل على شهادة الماجستير في "قيادة الأوركسترا" من "المعهد العالي للموسيقا" في "بروكسل"، كذلك في "قيادة الكورال"، وحصل من "معهد مونتريال" بكندا على دبلوم الفنان في "قيادة الأوركسترا". وهو المدير الموسيقي لأوركسترا "فيلهارموني ميدن زويد"، عدا عن كونه قائداً موسيقياً لعدد من الفرق الموسيقية.

آخر حفلاته كانت في دمشق في "دار الأوبرا" حين قاد "الفرقة السمفونية الوطنية"، وتجسدت في الحفل رؤيته الفنية المميزة والخاصة، وبتناغم كبير من أعضاء الفرقة، وتفاعل كبير من الحضور.

الفرقة السمفونية الوطنية السورية بقيادة غسان العبود

قُدم في الحفل أربع مقطوعات موسيقية: "السمفونية رقم 1" لبيتهوفن وجاءت بأربع حركات، افتتاحية "كهف فينغال" لفيليكس مندلسون، فالس من باليه "ماسكاراد" لآرام خانشاتوريان، "فنلنديا" لجان سيبيلوس.

دعم الموسيقي الناجح

حول دور أساتذته في بداية مسيرته وعلاقته بهم، تحدث "غسان العبود" لـ "مدونة الموسيقا"، قائلاً: «لا أستطيع إنكار فضل أساتذتي فهم من صقلوا شخصيتي ومهاراتي كموسيقي أثناء دراستي، حيث قامت الأستاذة "سفيتلانا الشطة" بتدريسي في "المعهد العالي للموسيقا" وبذلت مجهوداً كبيراً في صف "البيانو"، ولا أنسى ملاحظاتها وتفانيها في صقل طلابها كموسيقيين. وهناك الأستاذ "فيكتور بابينكو" الذي أدعوه بـ "العراب"، ففي سنتي الرابعة في المعهد أخبرته رغبتي دراسة "قيادة الأوركسترا"، وأنه حلمي مذ كنت في السادسة من عمري، فأعطاني دروساً معمّقة في "الهارموني والتوزيع وقيادة الأوركسترا"، على مدار السنة والنصف، دون مقابل، نظراً لتفانيه وحبه لعمله. وبعد سفري إلى "بلجيكا" كنا نلتقي خلال زياراتي إلى "دمشق" وينتظر أن أنهي دراستي لأحقق حلمي، ولكن للأسف توفى قبل ذلك، ولا أزال مديناً له بكل ما استطعت تحقيقه». وعن أساتذته في "بلجيكا" يؤكد أنهم ساعدوه أيضاً، مشدداً على دور الأستاذ في دعم كل موسيقي ناجح.

المايسترو غسان العبود

وفيما يتعلق بالاختلاف الذي لمسه في قيادة الأوركسترا بين الفرقة الغربية والفرقة العربية، يقول: «لا يختلف العمل كـ "قائد أوركسترا" بين قيادة "الأوركسترا" في أوربا أو "الأوركسترا الوطنية السورية"، لأن الموسيقيين الذين أعمل معهم في دمشق هم خريجو مدرسة أكاديمية كلاسيكية "المعهد العالي للموسيقا"، فسبق أن درسوا الموسيقا الكلاسيكية وهم مشبعون منها ويعملون بها. ولكن يكمن الفرق في شخصية "أوركسترا" وأخرى، فالأوركسترا هي مجموعة أشخاص يعملون سوياً كوحدة واحدة، وما يؤثر أكثر هو دور من يقودهم، فكل "قائد أوركسترا" لديه شخصية تؤثر وتتأثر، فيكون هنالك نوع من الأخذ والجذب للوصول، إلى نوع من التوليف في إطار واحد. وتتم تأدية العمل الموسيقي وفق رؤية "قائد الأوركسترا"، وهي ليست نوع من الفرض، بل إقناع العازفين بهذه الرؤية، وكلما كانت أوضح عند القائد يكون تقبلها أكبر من قبل العازفين».

بين الغربي والشرقي

وعما إن خاض تجربة قيادة "أوركسترا" عزفت الموسيقا الشرقية، يشير إلى أنه خريج المدرسة الكلاسيكية الغربية في الموسيقا ومعظم المقطوعات التي يقدمها "كلاسيكية غربية"، ولكن هذا لا يعني أنه لم يخض تجربة الموسيقا الشرقية، فأحياناً يكون الموسيقي في موقف يستدعي أن يعمق دراسته حسب المطلوب منه. ويتابع: «لست مختصاً بـ "الموسيقا الشرقية" ولكن وُضِعت في عدة مواقف عملت فيها مع فرق أوركسترا سواء كانت فرقاً عربية بحتة أم مزيجاً. وأذكر على سبيل المثال أنني عملت في "كندا" مع "الأوركسترا العربية الكندية" لفترة، وهي تقدم أعمالاً شرقية ضمن إطار السيمفوني تقريباً مع حضور للآلات الشرقية، كذلك كان لي تجارب تجمع بين الموسيقا الشرقية التقليدية وتوزيعات عربية لفرقة سيمفونية».

الفرقة السمفونية الوطنية السورية بقيادة غسان العبود

ويوضح أن هناك أيضاً أعمالاً معاصرة حاولت المزج بين الموسيقا الشرقية والكلاسيكية، يقول: «قدمت "الفرقة السمفونية في هولندا" عملاً لـ "كارل جينكيز" بعنوان "الأم الحزينة" وكان فيه نوعاً من التشريق لبعض المقاطع، وشاركت فيه آلات مثل "الدودوك" وهي آلة نفخية تشبه الكلارينيت، لكنها آلة "تركية تقليدية" فيها الروح الشرقية والغناء أقرب للشرقي منه للأوبرالي، فجاء العمل مزيجاً بين "الموسيقا الشرقية" و"الموسيقا الغربية الكلاسيكية المعاصرة" وكان جديراً بالاهتمام».

ويتابع: «يعمل العديد من الموسيقيين السوريين في مجال الموسيقا "الشرقية والغربية"، وهو أمر جدير بالاهتمام ويستدعي إبراز مقدرات مؤلفينا السوريين والعرب في هذا المزج، لأنهم كموسيقيين هم مشبعون بـ "الموسيقا الشرقية"، ودرسوا "الموسيقا الكلاسيكية الغربية"، لهذا يكون المزج عندهم أعمق من أن ينهل موسيقي غربي من الموسيقا الشرقية، وأرى أنها أعمال مهمة».

تدريبات الفرقة السمفونية الوطنية السورية مع غسان العبود
الفرقة السمفونية الوطنية السورية بقيادة غسان العبود

الفرقة السمفونية الوطنية السورية

الفرقة السمفونية الوطنية السورية بقيادة غسان العبود

وعن تجربته في قيادة "الفرقة السمفونية الوطنية السورية" في الحفل الذي أقيم مؤخراً في "دار الأوبرا"، يقول: «تم التحضير للحفل خلال أسبوعين، وكانت البروفات ممتعة وجرى التدريب مع الفرقة بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع، وتابعنا معاً كيف نجهّز للعمل ليتطور فنياً وتقنياً، فهذا دور البروفات للوصول إلى المستوى والفكر الذي نريده. وأنا فخور جداً بهذه التجربة، وفخور بأعضاء الفرقة على المجهود والعطاء الذي بذلوه، والشغف الذي لايزال لديهم للموسيقا ولتلقي المعلومة ولإيصال فكر ثقافية ورسالة مهمة للجمهور من خلال الموسيقا عبر الحفلات التي يقدمونها، لقد قدّموا من قلوبهم أكثر ما يمكن أن يقدّم من شغف وحب وصدق في الأداء».

ويتابع: «أرى أن "الفرقة السمفونية الوطنية السورية" تًعد واحدة من دعامات الثقافة السورية المهمة، وواجهة ثقافية للبلد، تؤدي رسالة سامية ليس لسوريا فقط وإنما للعالم أجمع. ومما لا شك فيه أن لدينا جميع مقومات الحضارة والتراث والتاريخ، سواء كان آثاراً أم أدباً إضافة للموسيقا الشرقية التي قدمناها للعالم أجمع. كما أن الفرقة التي تقدم موسيقا كلاسيكية تشكل دعامة من دعامات الثقافة بسوريا، ومن سوريا إلى العالم، وهي تستحق الدعم على كافة المستويات، ليستمر العطاء وتبقى واجهة مهمة لسوريا».

ويلفت إلى أن الحضور في حفل "دار الأوبرا" لم يقتصر على الجمهور السوري، بل كان هناك عرب وأجانب، إضافة لوجود مؤثرين أجانب، وكانوا مبهورين بالأداء، ونشروا مقاطع من الحفل على صفحات "السوشال ميديا"، مؤكداً أن هذا الأمر كفيل بأن يعكس أهمية الأوركسترا كواجهة للثقافة السورية.