تعيد "مدونة الموسيقا"، وفي إطار محاولتها حفظ الذاكرة الموسيقيّة السوريّة، ولملمة المبعثر والمتناثر منها، إحياء ونشر العديد من المواد المنشورة منذ أعوام على مدونة وطن eSyria مدعَّمةً بفيديوهات صوّرها فريقُ عمل المدونة آنذاك، ولم تنشرْ لأسباب فنيّة.

يرى أن العمل في المجال الفني "باعتباره مصدراً للرزق" يبعد عنه روح الإبداع ويحوله إلى مجرد مهنة يعيش المرء من عمله بها، فالمهنة تجبر العازف على تقديم التنازلات مقابل المردود المادي.

إنه الفنان "طارق السيد يحيى" ومن يسمع عزفه يدرك أنه ليس عازفاً عادياً، فقد أبحر في بداية مشوار حياته نحو الرياضيات وعلم الحاسوب لكن شغفه لم يسمح له بالابتعاد كثيراً عما يهواه فآثر البقاء قريباً من الجهتين.

طارق السيد يحيى

في حديثه عن بداياته يقول "السيد يحيى": «بدأت حياتي في جو أسري بعيد عن أمور الفن وقضاياه، إلا أن ابن خالتي كان يعزف قليلاً على العود وأخي الأصغر يمتلك صوتاً جميلاً، وفي اجتماعات العائلة كنا نمضي ساعات جميلة في الغناء والعزف فتعلقت منذ الصغر بالموسيقا، ووجدت في نفسي ولهاً شديداً تجاه آلة "العود" تحديداً، وأذكر أني كنت صغيراً أترك الألعاب وأجلس لأستمع إلى عازف على التلفزيون».

لمع في تلك الفترة نجم الأستاذ "مرسيل خليفة" في سورية، وفي عام /1986/ أحيا حفلة في دمشق تابعها " طارق السيد يحيى" على التلفزيون وأحبها كثيراً، عنها يقول: «طلبت من والدي أن يحضر لي "كاسيت" للفنان "مارسيل" وفعلاً كان ذلك، وبسببي حفظت العائلة كلها الأغاني الموجودة فيه، وكان قبل ذلك بعض الأقارب والأصدقاء يقولون لوالدي أن هذا الطفل موهوب وعليك أن توليه الاهتمام المناسب. فاستجاب أبي لتلك الرغبة وأحضر لي آلة "العود" وكتاب تعليم العزف وأنا في الصف الخامس الابتدائي، وبدأت من ذلك الوقت رحلة طويلة من التعلم».

مع الفنان اللبناني شربل روحانا

كانت الظروف العائلية والمادية لا تسمح لطارق بالتسجيل في معهد موسيقي فبدأ يتعلم ذاتياً مكتشفاً آلة "العود" وأصواتها بمساندة كتاب التعليم: «قضيت إثر ذلك ساعات طويلة مليئة بالمحاولات لكن ذلك الشغف كان يزرع الصبر في داخلي ويقوي عزيمتي. في العام /1990/ بدأ الأستاذ "وضاح بارود" وهو صديق والدي بتعليمي ومساعدتي، وجاء بالتزامن مع دراستي الثانوية التي انتهت بي إلى معهد إعداد المدرسين قسم الرياضيات وهناك ابتعدت قليلاً وأهملت العود مجبراً، لكني لم أتوقف عن الاستماع إلى كل ما يقع تحت يدي من موسيقا وأغانٍ قديمة وحديثة، وبعد أن أنهيت دراستي والتزامي وبت أحضر بعض الحفلات مع أصدقائي الذين يشاركونني الاهتمام، وتابعت التجارب الموسيقية الآلية».

في هذه المرحلة تعرف على الأستاذ "أيمن جسري" وساعده في أمور كثيرة قبل أن يرشده إلى أستاذه "سيف الدين زين العابدين" الذي تابع تعليمه لمدة سنة ونصف: «أستطيع القول أنه أستاذي الحقيقي الذي استفدت منه كثيراً».

مع فرقة دوبامين

وعن أولى نشاطاته كعازف والمجالات التي عمل بها يقول: «آثرت من بداية مسيرتي الموسيقية ألا أعمل في الفن لأجل العيش كي لا أضطر لتقديم تنازلات لا أقبل بها، فأنا أرفض وبشكل قاطع العمل في النوادي الليلية "مع احترامي لكل من يعمل في هذا المجال"، إلا أن الجو هنالك لا يروق لي ولا يتناسب مع طبيعتي، ولا أكون مسروراً وقادراً على العطاء إلا بوجودي في جو أقتنع به تماماً. فكانت تجاربي محصورة في الجانب الثقافي والتدريسي، وكانت أولى المشاركات مع فرقة فلسطينية لتقديم تراث البلدين، بعد ذلك وفي العام /2000/ قدمت حفلة على مدرج جامعة "حلب" عزفت وغنيت فيها للفنان "مارسيل خليفة" وتكررت هذه التجربة كثيراً فيما بعد وشاركني فيها عدد من أصدقائي وطلابي. بعد ذلك التقيت بالمنشد "إبراهيم مسلماني" وشكلنا فرقة "نوى" التي انضم إليها فيما بعد الدكتور "فواز باقر"، ثم عُرِض عليَّ التدريس في المعهد العربي للموسيقا مع الأستاذ "فواز باقر" الذي شاركته في عدة ورشات عمل للموسيقا الشرقية والغربية مع عازفين فرنسيين وألمان وفي نهاية كل ورشة عمل تقدم حفلة يعرض فيها ما تم التوصل إليه من ثمرات التعاون بين العازفين. كما عملت في فرقة "دوبامين" الأميركية السورية لموسيقا الجاز أيضاً مع الدكتور "فواز" وقدمنا حفلات كثيرة في المحافظات السورية، وأقمت أيضاً عدة ورشات عمل في الأردن وشاركت في مهرجان مساحات شرقية في "دمشق"».

جمعته الصدفة بالملحن "سمير كويفاتي" فانضم لفرقته الموسيقية مع السيدة "ميادة بسيليس" لأنه وجد في تجربتها ابتعاداً عن المطروق من التراث ومحاولات حثيثة للتجديد وتقديم فن ملتزم يناسب الذوق الرفيع: «شاركت معها بعدة حفلات داخلية كان آخرها في دار الأوبرا بـ "دمشق"، وخارجية منها حفلة في "تونس" وأخرى وفي "تركيا"، ثم شاركتها تسجيل الموسيقا التصويرية لمسلسل "قيود الروح" الذي ألف موسيقاه الأستاذ "سمير كويفاتي"».

يعزف مع الدكتور فواز باقر

أما عن تجاربه في التأليف للموسيقا الآلية فيتحدث: «بدأت الأفكار تتوارد إلى ذهني منذ أن عزفت أول جملة لحنية بشكل صحيح على العود أي في المرحلة الإعدادية وبعض هذه الأفكار تحوّل فيما بعد إلى عمل مكتوب (مدون)، لكنني أحتفظ بأعمال تلك المرحلة لمجرد الذكرى فقط. إلا أن الأعمال الناضجة بدأت في فترة لاحقة، وهي أربع قطع موسيقية على قالب السماعي على مقامات "البياتي"، "الحجاز"، النهوند"، "العجم". وعلى قالب "اللونغا" هناك أيضاً مؤلفان أحدهما "بيات" والآخر "نهوند" اسمه "فرح ولكن". كما لدي عدد من الارتجالات التي دونتها فيما بعد وتحولت إلى أعمال قائمة، أضف إلى ذلك ثلاث رقصات، هي: "باب انطاكية، نصف أمنية، شتاء2004"، وبما أنني لا أحب المشي بخطى سريعة في هذا المجال وأنا بالأساس دخلته متأخراً نسبياً فالمؤلفات ليست بالحد الكمي المطلوب لكني أفضل أن أنتج خلال مسيرتي عملاً واحداً يحوي مؤلفاتي ويعبر عني بشكل صحيح على أن أسجل الكثير مما لا أقتنع به. وكان لنا تجارب لتسجيل أعمال فرق "نوى" فأنتجنا ثلاث اسطوانات لاقت نجاحاً ورواجاً جيداً، وهناك مشروع لإعادة تسجيل أعمال الفرقة في "فرنسا" وتقديمها في معهد "الشرق الأوسط" بالتعاون مع الموسيقي السوري الأستاذ "عابد عازرية"، كما أفكر بتسجيل مؤلفاتي الخاصة وطرحها قريباً».

كثرت الآراء المتفقة والمختلفة حول إشكالية الموسيقا العربية وتحديداً الآلية منها فما وجهة نظر "طارق السيد يحيى": «هذا التباين لا قيمة له اليوم وسط غياب الدعم المطلوب من الجهة الحكومية المشرفة، أما عن رأيي فأنا أخالف الكثيرين الذين يقولون بعدم وجود موسيقا عربية وينسبون فننا إلى الأتراك والفرس، وهذه الفكرة تؤلمني حقاً فكيف ننتظر تطوير شيء ما من شخص لا قناعة له بوجوده أصلاً، أما من يعمل اليوم على تطوير الموسيقا السورية تحديداً فتراه يلجأ إلى جعلها قريبة من المدارس الكلاسيكية الغربية وهذه إساءة للفن وتهميش لروحه الشرقية المتأصلة التي تعتمد بشكل كبير على الارتجال. وبرأيي إن الطريقة الأمثل للنهوض بالحركة الموسيقية هي محاولة تطويرها من الداخل لكن بعد الاطلاع أولاً على التجارب المختلفة لشعوب العالم وثانياً محاولة الربط بين الأنماط الموسيقية الموجودة داخل سورية، فهي أيضاً متباينة والفن في "حمص" يختلف عن الفن في "ريف دمشق" مثلاً، فحري بنا أن نصهر هذه التجارب كخطوة أولى ونصنع منها لوناً يسمى اللون السوري، ومن ثم ننظر إلى المدارس الأخرى ونحاول محاكاتها من حيث المستوى وتقنية الأداء. وأقول هنا بضرورة المحافظة على روح التراث العربي وبنفس الوقت محاولة خلق ما هو جديد ليرضي الأذواق الجديدة».

"طارق السيد يحيى" من مواليد من مدينة حلب عام /1978/، تعود أصول عائلته إلى لواء اسكندرون.