تشكّل فرقة "كلية التربية الموسيقية" في "جامعة حمص" واجهة فنية تعكس مستوى متقدماً من الدمج الأكاديمي والتطبيقي عبر التناغم بين الكورال والعازفين، وتقدم برامج متنوعة تحيي التراث برؤية معاصرة، مما يعكس تطوراً واضحاً في مهارات الطلبة فردياً وجماعياً.

الحصاد الفني والتربوي

جسّدت الفرقة خلال فعاليات الموسم الموسيقي لهذا العام مجموعة من الأعمال الفنية التي عكست ثمرة الجهود الأكاديمية والتمكّن من مهارات الأداء، وفي هذا السياق استعرض الدكتور "عزة خلوف" عميد "كلية التربية الموسيقية" بجامعة "حمص" في حديثه لـ "مدونة الموسيقا" حصاد الموسم وطبيعة فعالياته قائلاً: «اختتمنا مؤخراً الموسم الموسيقي في "كلية التربية الموسيقية" بجامعة حمص للعام الدراسي 2025 - 2026 وهو تظاهرة فنية تضمنت مجموعة واسعة من الفعاليات التي استمرت على مدار أربعة أيام متتالية، وحرصنا في هذا الموسم أن تشمل المشاركات جميع الصفوف الدراسية في الكلية دون استثناء بدءاً من آلات "التخت الشرقي" والآلات "الغربية" وصولاً إلى "البيانو" و"الإيقاع"، وكان طموحنا منذ بداية العام الدراسي منصبّاً على إعادة إحياء هذا التقليد الموسيقي الذي توقف لعدة سنوات، وتحقق بفضل الرعاية المباشرة والاهتمام البالغ من رئاسة "جامعة حمص"».

وفيما يتعلق بالبرنامج الفني الذي قدمته الفرقة يقول: «تنوعت فعالياتنا الموسيقية على مدار الأيام الأربعة، حيث عملنا على إحياء مقطوعات من التراث السوري القديم، إلى جانب تقديم روائع من الموسيقا الغربية والأوركسترا العالمية بنطاق مصغّر بالإضافة إلى العزف الشرقي الجماعي، ونحن مستمرون في عملنا ونسعى جاهدين لتحويل هذا الموسم إلى تقليد سنوي مستدام يحفز طلابنا المتميزين ويحتفي بإبداعاتهم، وهو من ضمن اهتمامات كلية التربية الموسيقية لزيادة الألق الثقافي الذي تزهو به جامعتنا».

كورال كلية التربية الموسيقية في جامعة حمص

ويشير عميد الكلية إلى الأثر التربوي لهذه الفعاليات قائلاً: «الهدف الجوهري من هذا الموسم هو تقديم رسالة ثقافية وعلمية باسم الجامعة والكلية معاً، فهذه العروض هي الثمرة الحقيقية لجهود الأساتذة والطلاب في إظهار القيمة العلمية للمناهج التي ندرّسها، كما أنها تمنحنا فرصة دقيقة لمراقبة تطور أداء طلابنا العازفين خلال سنوات دراستهم، وتنمي لديهم روح التعاون المشترك، حيث يتشارك الطلاب من مختلف المستويات الدراسية في قراءة النوتة والتأليف والعمل الجماعي مما يصب في نهاية المطاف في تنمية شخصية الطالب وصقل مهاراته عبر الاحتكاك المباشر مع الجمهور على خشبة المسرح».

منهجية التدريب الأكاديمي

وعن المسيرة الفنية للفرقة ودورها في إعادة إحياء التراث يقول قائد الفرقة الأستاذ "نسيم رمضان": «تعد الفرقة ركناً أصيلاً من أركان الكلية منذ تأسيسها عام 2003، حيث تعاقب على الإشراف عليها نخبة من الأساتذة الأكاديميين، ونجحت عبر مسيرتها في تقديم مشاركات وحفلات عديدة تجاوزت حدود مدينة "حمص" لتصل إلى مختلف المدن "السورية"، مشكّلة بذلك صلة الوصل الحقيقية بين الكلية والمجتمع المحيط بها، وما يميز عملنا هذا العام هو التركيز على إعادة إحياء التراث الموسيقي وتقديم الموسيقا الجادة، إذ نضع نصب أعيننا هدفاً جوهرياً يتلخص في استعادة الأغاني التراثية العريقة وتقديمها برؤية أكاديمية من خلال تدوين النوتات الموسيقية بدقة وأدائها بأسلوب احترافي، ونسعى من خلال هذا النهج إلى ترسيخ هذه الروائع في ذاكرة الجيل الجديد ليتعرف على جذوره الموسيقية، وفي الوقت ذاته إتاحة الفرصة للجيل القديم للاستمتاع بهذا الفن الذي نحبه ونرتبط به وجدانياً».

عميد كلية التربية الموسيقية في جامعة حمص الدكتور عزة خلوف

ويتابع موضحاً الرؤية الفنية التي تنتهجها الفرقة: «تتمحور رؤيتنا الفنية حول صون التراث الموسيقي وحمايته من الاندثار، من خلال تكريس مبدأ العمل الجماعي المنضبط الذي يمنحنا القدرة على تسليط الضوء على كنوز التراث الشرقي وروحنا الموسيقية الأصيلة، وقد أخذنا على عاتقنا مسؤولية إعادة إحياء هذا الموروث، فنحن لا نكتفي بتقديمه فحسب بل نعيد تسليط الضوء عليه ونؤكد على قيمته الجمالية والوجدانية ليبقى حاضراً ونابضاً في المشهد الثقافي».

وفيما يتعلق بآليات التدريب والمنهجية المتبعة، يوضح: «تعتمد آلية بناء الكورال والفرقة في مقامها الأول على المزاوجة بين الكفاءة والرغبة، فنحن نختار الأصوات المناسبة والكوادر التي تمتلك الشغف والدافع الشخصي للعمل، مع التركيز على إقناعهم بالمحتوى العلمي والموسيقي للبرنامج المختار، والذي يلعب دوراً رئيساً في جذب الطلاب وتحفيزهم، أما من الناحية التنفيذية فإننا ننتهج أسلوباً أكاديمياً صارماً يبدأ بالنوتة الموسيقية وينتهي بها مع التركيز على دقة التوزيع الموسيقي وانضباط النبض العام للإيقاع، وباعتبار أن أعضاء الفرقة هم في الأصل طلاب أكاديميون محترفون في الكلية، فإننا نستثمر مادة الأداء الجماعي كمنطلق تعليمي أساسي لتحويل المعرفة النظرية إلى تجربة أداء جماعية احترافية، تجعل من عمل الفرقة تجسيداً حيّاً لروح المنهج الأكاديمي الذي يدرسه الطالب».

قائد فرقة كلية التربية الموسيقية في جامعة حمص نسيم رمضان
جمان ابراهيم مغنية في الكورال

صناعة الانسجام الفني

عازف كمان كيفن عبد النور

وعن طبيعة المحتوى الموسيقي للفرقة يقول الأستاذ "نسيم رمضان": «نحرص على انتقاء الأغاني الأكاديمية النبيلة بدقة عالية، مع التركيز بشكل خاص على قالب الموشحات لضبط اللفظ باللغة العربية الفصيحة، ملتزمين برسالتنا في النقل الأمين والنبيل للحن والمنتج الموسيقي التراثي، وهنا تبرز أهمية الكورال كحامل للكلمة الإنسانية التي تجسد روح الموسيقا، فهو جسرنا لنقل الشغف والإحساس الصادق من الطلاب إلى الجمهور، وحتى نجذب الجيل الجديد نعمد إلى اختيار برامج موسيقية محببة وذات ذاكرة بصرية ووجدانية لدى الآباء، مما يخلق دافعاً لدى الأبناء لاستكشاف هذا الفن وتقليده، وهو هدف أساسي نسعى لتحقيقه لضمان استمرارية هذا الموروث في نفوس الناشئة والموسيقيين الصغار».

وحول الدور الجوهري لقائد الفرقة ومسؤولياته، يختتم حديثه قائلاً: «قائد الفرقة هو الضامن الأول للانضباط والالتزام والمسؤول المباشر عن الإخراج الكلي للعمل، فبيده تقع الكلمة الأولى والأخيرة في ضبط التفاصيل الفنية كافّة بدءاً من اختيار وتجهيز النوتات الموسيقية وصولاً إلى أدقّ تفاصيل دوزان الآلات، ومع إيماننا بقدرات الطلاب يبقى دور القائد محورياً في خلق الانسجام الكلي وضمان جودة الناتج الفني الذي يصل إلى الجمهور، فهو المسؤول عن صياغة الجملة اللحنية واللفظية للكورال، والإشراف على كل كبيرة وصغيرة فنياً وانضباطياً، ليظهر العرض في نهايته بصورة تليق بالرسالة التي نحملها».

شمس ديب عازفة بيانو ومغنية في كورال

منهجية دقيقة

كورال كلية التربية الموسيقية في جامعة حمص

تحدثت "جمان ابراهيم" المغنية في كورال "كلية التربية الموسيقية" عن تجربة التدريب والتحضير لهذا الموسم قائلة: «بدأنا التحضيرات للبرنامج منذ مطلع الفصل الدراسي بإشراف مباشر واهتمام من الأستاذ "نسيم رمضان" الذي بذل جهوداً كبيرة في تدريبنا على قراءة وأداء الموشحات الشرقية، وركزنا في هذا الموسم تحديداً على تقديم وصلات من الموشحات الأصيلة، لتكون بمثابة الختام الأمثل للموسم الموسيقي لهذا العام».

وفيما يتعلق بالتدريب على الأداء والصوت تقول: «اعتمد قائد الفرقة منهجية دقيقة في تعليم الألحان الشرقية، حيث عملنا معاً على إتقان المخارج الصوتية والالتزام بالتوزيع الموسيقي بجهد جماعي متواصل، ورغم مشاركاتي السابقة مع الفرقة، إلا أنني أعتبر هذه التجربة هي الأبرز والأكثر نضجاً، إذ لمسنا صدىً رائعاً وتفاعلاً لافتاً من الجمهور، وهو ما يمنحنا دافعاً كبيراً للاستمرار في هذا العمل الأكاديمي الممتع».

كورال كلية التربية الموسيقية في جامعة حمص

الشغف وروح الجماعة

عازف الكمان وعضو نقابة الفنانين السوريين "كيفن عبد النور" تحدث عن مشاركته في فعاليات الفرقة وأهمية التدريب الجماعي: «كان الموسم جميلاً جداً بالنسبة لنا لأنه منحنا حرية اختيار اللون الموسيقي الذي نرغب بتقديمه سواء كان مقطوعة شرقية أم عملاً غربياً كلاسيكياً، فالأمر في النهاية يعود لذوق العازف وما يحب أن يقدمه. أما التدريبات فتحتاج إلى صبر وتعاون كبير بين جميع أعضاء الفرقة، لأن بعض المقاطع الموسيقية وخاصة السماعي تحتاج إلى وقت حتى ينسجم الجميع ويظهر العمل بصورة متقنة. وقد شاركت في العديد من الفعاليات سواء بشكل فردي أم ضمن فرق موسيقية مختلفة، وكنت أؤمن دائماً بأن روح التعاون والالتزام إلى جانب التمرين المستمر في المنزل هي الأساس للوصول إلى نتيجة فنية مميزة».

ويتابع: «التناغم بين الكورال والآلات الموسيقية لا يتحقق إلا من خلال البروفات المكثفة والتزام كل عازف بحفظ دوره بدقة، لأن ذلك يساعد على تجنب الأخطاء وتقديم أفضل أداء ممكن، وحتى في حال حدوث بعض الهفوات أثناء العزف، فإنها تبقى عثرات بسيطة يمكن تجاوزها بالخبرة والتدريب، كما تلقينا دعماً كبيراً من أساتذة الجامعة الذين تابعوا تدريباتنا وقدموا لنا الملاحظات والنصائح بشكل مستمر، وهو ما شجعني على تطوير نفسي والحفاظ على المستوى الذي وصلت إليه، فالموسيقا تحتاج إلى متابعة يومية وعمل متواصل للوصول إلى مراحل أكثر احترافية وتحقيق حضور فني أفضل».

رحلة بين الكورال والبيانو

«كانت تجربتي غنية ومهمة بالنسبة إلي وتنوعت بين الغناء الجماعي والعزف المنفرد»، بهذه العبارة بدأت الطالبة في كلية التربية الموسيقية وعازفة "البيانو" ومغنية الكورال "شمس ديب" حديثها، وتتابع قائلة: «انطلقت مشاركتي في بداية الموسم ضمن الكورال بقيادة الأستاذ "جورج الضاوي" واختتمتها مع كورال بقيادة الأستاذ "نسيم رمضان"، وأضاف وجودي ضمن الكورال رغم تخصصي في العزف خبرة كبيرة في الالتزام بالنوتة الموسيقية والعمل بروح الفريق، كما عزز ثقتي بنفسي وساهم في تنمية مهاراتي الموسيقية والصوتية، وتعلمت كيفية التعامل مع ضغط التدريبات الطويلة والإرهاق الفني، وكانت مشاركتي كعازفة منفردة على "البيانو" في منتصف الموسم تجربة صعبة ومميزة في الوقت نفسه، جمعت بين الثقة بالنفس ورهبة الوقوف على المسرح».

وتضيف: «أدرس البيانو ضمن النمط الكلاسيكي، حيث شمل برنامجي هذا الفصل مقطوعات من عصر "الباروك" وأخرى "رومانسية"، إلى جانب تدريبات تقنية مثل "السلالم والأربيجات والإيتودات"، وقد دفعتني رغبتي في توسيع خبرتي الموسيقية إلى الانضمام للكورال لاكتساب مهارات إضافية قد تفيدني مستقبلاً، خاصة في العمل الجماعي وقيادة الفرق، كما اخترت التخصص بآلة إضافية ضمن قسم "الإيقاع" الذي يضم آلات مثل "التيمباني والإكسيلفون والسنير"، بهدف تطوير قدراتي الفنية وتوسيع آفاقي الموسيقية بشكل متكامل».