برزت فرقة "فاكهاني" في مدينة حمص كتجربة فنية ناشئة تهدف إلى احتضان المواهب الشابة وصقلها ضمن بيئة موسيقية متكاملة، ساعية لإحياء الذائقة الفنية الأصيلة عبر تقديم أعمال مستلهمة من التراث بروح معاصرة. ورغم حداثة تجربتها استطاعت فرض حضورها في المشهد الفني المحلي من خلال تقديم أعمال موسيقية هادفة، مستندة إلى العمل الجماعي والتدريب الأكاديمي بما يؤهلها لمستقبل واعد في الساحة الفنية.
البداية وتشكيل الفريق
حول بداية مشروع "فاكهاني" الفني وآلية تشكيل الفريق تحدث لـ "مدونة الموسيقا" قائد ومؤسس الفرقة "نوفل دربولي" قائلاً: «دعتني للفرقة مؤسسة "فعال" في "حمص"، وبحكم امتلاكي فرقة موسيقية خاصة تحمل اسم "شجن" انضممت إلى الفريق الذي فيه عدد من الموسيقيين، وبدأنا العمل على تدريب المجموعة بصورة متكاملة، واعتمدنا اسم الفرقة نسبة إلى فكرة المشروع التي تبنّتها المؤسسة بالتعاون مع الكادر الموسيقي التابع لها، وقمتُ بتدريب "الكورال" وسعيت للعمل على توحيد الأصوات حسب الطبقات الموسيقية وتوزيع أدوار المغنين والعازفين بما ينسجم مع المعنى الفني للجمل الغنائية».
ويتابع: «ارتكز البرنامج التدريبي على إرث "الأخوين رحباني" وأغنيات السيدة "فيروز"، إضافة إلى برنامجي الخاص الذي يُعنى بالتراث السوري والأغاني العربية الأصيلة، وساهم معنا في تدريب الكورال الأستاذ "عماد نور" بخبرته الطويلة في الموسيقا وتدريس الصولفيج الغنائي، إلى جانب وجود خبرات متنوعة ونخبة مثقفة وواعية فنياً وعلمياً ضمن الفريق، الأمر الذي انعكس إيجاباً على احترافية الأداء، وعمل أعضاء الفريق على تطوير أنفسهم لمدة طويلة، وكانوا داعمين أساسيين لمشروع "فاكهاني"، وعلى الرغم من قصر مدة التدريب فقد تمكّنا من تقديم أعمال لاقت أصداء واسعة وإعجاباً كبيراً».
وحول حرصه على تعزيز نجاح العمل الموسيقي داخل الفريق يقول: «أسعى خلال التدريب إلى تكريس روح التعاون والعمل الجماعي، وترسيخ المحبة بين أعضاء الفريق باعتبارها الأساس الحقيقي لنجاح أي عمل موسيقي، ولاأزال أعمل معهم على توثيق الفلكلور والتراث السوري الأصيل إلى جانب اهتمامي بالموسيقا العربية والشرقية. ونحضّر حالياً لإطلاق برنامجين فنيين، يُعنى الأول بالتراث والأغنية السورية، ويحمل الثاني عنوان "ليلة طربية"، ويهتم بالأغنية العربية الشرقية، متضمناً باقة من الأغاني "اللبنانية والمصرية والسورية"، بهدف الحفاظ على التراث الموسيقي وتقديمه بروح معاصرة».
المسيرة الفنية والرؤى المستقبلية
"طلال فاكهاني" العازف على آلتي "الأورغ والأكورديون" وعضو مجلس إدارة مؤسسة "فعال"، تحدث عن فكرة إطلاق العمل الفني قائلاً: «يُعد المشروع جزءاً من مؤسسة "فعال" التي يقع مقرها الرئيسي في "اللاذقية"، وانطلقت الفكرة بالتزامن مع تأسيس المؤسسة في "حمص"، حيث قدّمنا أول أعمالنا الفنية خلال حفل الافتتاح بتاريخ 25 حزيران 2025 ويأتي ذلك في إطار اهتمام المؤسسة بالمشاريع الفنية، وحرصها أن يكون لفرع "حمص" هوية بصرية وفنية خاصة».
وعن سبب تسمية الفرقة يقول: «جاءت التسمية من روح الصداقة والعمل الجماعي ليعكس فكرة العائلة الفنية الواحدة، وهدفنا أن يكون المشروع جماعياً وغير مرتبط بشخص واحد، فهو منصة لإبراز جميع المواهب الفنية وتحفيزها على المشاركة والإبداع».
ويشير إلى أبرز الفعاليات والأنشطة الفنية التي شاركت فيها الفرقة، قائلاً: «قدّمنا عدداً من الأمسيات الموسيقية باستخدام آلات "العود والكمان والقانون والبزق"، بالإضافة لـ "الأورغ والطبلة" وآلة "الأكورديون" التي كنت أعزف عليها، وأقمنا أمسية موسيقية داخل مقر مؤسسة "فعال"، تضمنت أعمالاً للرحابنة، إلى جانب أمسيات خارج المؤسسة في مناسبات وأعياد مختلفة، من بينها مشاركتنا في إحياء ذكرى يوم التحرير بتاريخ 8 كانون الأول 2025، وإقامة أمسية غنائية في كنيسة "مار أفرام" للسريان الأرثوذكس، وقدمنا فيها باقة من الأغاني التراثية والفلكلورية السورية، كما قدّمنا الجزء الثاني من أمسية "إرث الرحابنة" في صالة كنيسة "الروح القدس" بحي الحميدية في "حمص" بالتعاون مع مطرانية السريان الكاثوليك وذلك في 15 نيسان 2026، وتضمّن البرنامج أعمالاً تراثية للرحابنة وللسيدة "فيروز" وأغاني وطنية، بقيادة وإشراف عازف الكمان "نوفل دربولي" نظراً لخبرته في توزيع الأصوات والأعمال الغنائية، وتميّزت الأمسية بحضور جماهيري لافت وتفاعل واسع، خاصة مع الأغاني التراثية والوطنية».
ويوضح أن الرسالة التي تحملها الفرقة تتمثل في تعزيز ثقافة السلام والانتماء من خلال الموسيقا، وخلق مساحة فنية تُساهم في بناء الوعي الجمالي والفني في المجتمع، ويتابع: «نحرص على تحفيز الشباب وتطوير مواهبهم سواء في الغناء أم العزف، إيماناً بأن الموهبة حين تقترن بالشغف والعمل المستمر يمكن أن تتحول إلى تجربة فنية حقيقية وناجحة. ونسعى خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع الفريق وإنتاج أعمال خاصة من حيث الكلمات والألحان والتوزيع، إلى جانب التوجه نحو تسجيل أغانٍ في استوديوهات احترافية والمشاركة في مهرجانات محلية ودولية».
احتضان المواهب الموسيقية
تُعنى مؤسسة "فعال" بالجانب الثقافي والفني كالرسم والموسيقا والمسرح، إضافة إلى التدريب والتأهيل وريادة الأعمال، وحول دورها في دعم الشباب الموهوبين، تحدثت لـ "مدونة الموسيقا" مديرة المؤسسة "رزان خضور" قائلة": «تنطلق المؤسسة من اهتمامها بريادة الشباب، حيث نعمل على دعم الجيل الجديد ثقافياً وفنياً إلى جانب تقديم الدعم النفسي، ونسعى إلى اكتشاف المواهب وتنميتها من خلال توفير بيئة مناسبة تجمع بين التدريب والتأهيل، ومدينة "حمص" تزخر بطاقات ومواهب كبيرة، فكان الهدف احتضان هذه الإمكانات وتقديمها بطريقة مدروسة عبر تأمين المكان المناسب والكادر التدريبي المختص بأسعار رمزية تتيح الفرصة أمام أكبر شريحة ممكنة من الشباب».
وعن رؤيتها لدور الفن والموسيقا ضمن عمل المؤسسة تقول: «نؤمن أن الحياة لا تستمر دون ثقافة وفن، فالموسيقا وغيرها من الفنون تعتبر عناصر أساسية في بناء الإنسان، ومن هنا نعمل على إعادة تصحيح الذائقة الفنية التي تأثرت خلال السنوات الماضية نتيجة انتشار أنماط موسيقية سلبية وغريبة عن بيئتنا. ونحاول من خلال الموسيقا إعادة التوازن بين الفكر والمشاعر لأنهما يشكلان منظومة واحدة، وقد ركّزنا على "المدرسة الرحبانية" كنموذج مميز يجمع بين الأصالة والتجديد، مع الاستفادة من التجارب الحديثة التي تمزج بين الآلات الغربية والروح الشرقية بما ينسجم مع هويتنا الثقافية».
وفيما يتعلق بخطط الفرقة المستقبلية لتطوير عملها الفني تقول: «نعمل على استقطاب مختلف الفئات العمرية دون قيود بدءاً من الأطفال ووصولاً إلى الشباب، ونسعى إلى خلق بيئة تعليمية تكون بمثابة مدرسة موسيقية متكاملة، كما نحرص على تدريب الأصوات والعازفين بإشراف مختصين، مع تنظيم العمل ضمن فرق متنوعة تتناسب مع مختلف المناسبات الفعاليات الثقافية والموسيقية، ونطمح على المدى البعيد إلى إيصال الموسيقا السورية إلى منصات عربية وعالمية، وتقديمها بأسلوب حديث يحافظ على أصالتها ويواكب التطور انطلاقاً من إيماننا بأن الفن رسالة حضارية قادرة على إيصال صوتنا إلى العالم».
تأهيل الأصوات وتدريبها
يقول مدرّب تأهيل الصوت "وائل يماني" عن آلية تدريب الأصوات ضمن الفرقة: «انضممت مؤخراً للعمل ضمن مشروع "فاكهاني"، وساعدت في تدريب مجموعة من أعضاء الفرقة والعمل على تأهيل أصواتهم بشكل أكاديمي، وكان التركيز على أساسيات الغناء وفي مقدمتها مخارج الحروف ونطقها الصحيح، لأن أي خلل في النطق ينعكس مباشرة على جودة الأداء، كما عملنا على تمارين الصوت والتنفس إلى جانب تدريبهم على قراءة النصوص بشكل سليم، لأن هذه العناصر مترابطة وتشكل معاً قاعدة أساسية لأي مغنٍ، وكانت هناك استجابة جيدة».
ويتابع: «تمكّنت الفرقة خلال فترة وجيزة من إثبات حضورها، وكان صداها العام جيداً، ولكن كل تجربة تحتاج إلى وقت وجهد. وما يميّز هذا العمل روح التعاون بين الإدارة والمدربين وأعضاء الفرقة، حيث يعمل الجميع بدافع حقيقي ورغبة مشتركة، ومع هذا التفاهم يمكن تجاوز العديد من التحديات، إذ لا يخلو أي عمل فني من الصعوبات، لكن بالإصرار والعمل الجماعي يمكن تحقيق نتائج مميزة».
مواهب واعدة
يقول عازف العود "أحمد دربولي" عن مشاركته في العمل الفني: «شاركتُ بالعزف مع الفرقة وكان للأستاذ "نوفل دربولي" فضلٌ كبير في تطوير موهبتي وتشجيعي منذ أن بدأتُ تعلم العزف في سن العاشرة، وتعلّمتُ على يديه أساسيات الموسيقا وقراءة النوتة والسماعي، ومع الوقت اكتسبتُ ثقة أكبر بنفسي وتطورتُ من خلال مشاركتي معه في العديد من الحفلات والمناسبات، وأجد في العود شغفي الحقيقي، وقد وصلتُ إلى مستوى جيد بفضل المتابعة والتدريب المستمر».
أما عازف الرق "ميلاد عطايا" البالغ من العمر 14 عاماً فيشير إلى أنه بدأ تعلّم العزف على الإيقاع منذ سن الرابعة بدعم من والده "رامز عطايأ" الذي شاركه أيضاً ضمن الفرقة، كما شارك معه في عدد من الحفلات والفعاليات الفنية في "حمص"، وأعرب عن سعادته بالانضمام إلى فريق "فاكهاني" وتقديم أعمال موسيقية مستوحاة من التراث، مؤكداً طموحه لمتابعة مسيرته الفنية والانضمام إلى فرق موسيقية أكبر مستقبلاً.