تعيد "مدونة الموسيقا"، وفي إطار محاولتها حفظ الذاكرة الموسيقيّة السوريّة، ولملمة المبعثر والمتناثر منها، إحياء ونشر العديد من المواد المنشورة منذ أعوام على مدونة وطن eSyria مدعَّمةً بفيديوهات صوّرها فريقُ عمل المدونة آنذاك، ولم تنشرْ لأسباب فنيّة.
تعيش الأغنية الطربية والفلكورية التراثية، حالة من التخبط بين استخدام التقانة في التوزيع وإظهار جمال اللحن المعبر عن الكلمة، ومضمونها المحلي الهادف إلى رفع الذوق الاجتماعي.
مدونة وطن "eSyeia" التقت عدداً من الباحثين والمهتمين بالأغاني التراثية للتعرف على مكان الأدوات الحديثة في الأغنية التراثية والفلكورية، وبدأ بتاريخ "7/6/2012" مع الأستاذ "شاهر أبو دقة" المهتم بالموسيقا والتراث الغنائي والذي قال:
«بعد أن غزتنا الفضائيات والموسيقا الوافدة بتنوع آلاتها الالكترونية والكهربائية، أصبحنا نعيش إشكالية في الأغنية، لأن آلات التخت الشرقي العربي وما قدمته من معزوفات ضمن قوالب التأليف الموسيقا العربية خاصة منه التقاسيم بنوعيه الموزون والحر، إضافة للأغاني الطربية والتراثية جعلتنا نعشق أكثر جمال البيئة المحلية وما أفرزته من مبدعين».
وتابع الأستاذ "أبو دقة" بالقول: «اليوم من الجميل الاستماع إلى جيل من شباب يتقن الطرب العربي الأصيل بعد غزو الموسيقا الغربية وإيقاعاتها السريعة، والأجمل أن ترى من يهتم في التطريب والصوت الجميل والأداء الساحر، لعل هذا موجود عند جيل من الشباب المتحمس ولكن لا يجد طريقه نحو إظهار مكامن جمال ما يختزن من طاقة، لأن إشكالية الأغنية في الماضي كانت بالمعرفة واليوم بالانحطاط، رغم التحصيل العلمي والعزف المميز عند البعض، إلا أن الإشكالية تكمن في طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية».
أما الفنان وعازف آلة العود "جهاد نرش" فكان له رأي ثان خلال الحوار الذي خصنا به:
** الأغنية اليوم لا تساهم في رفع الذوق الاجتماعي بل لها دور سلبي لأنها فقدت الكثير من خصوصيتها ولم تعد تحقق الغاية المطلوبة منها لانعدام هويتها وبعدها عن محليتها وبيئتها، فهي وإن كانت اليوم أكثر تقانة في استخدام الهارموني والتوزيع وتعدد الآلات الموسيقية وخاصة الكهربائية منها حيث أصبحت واضحة على المسرح الغنائي كالعود مثلاً، إلا أنها ابتعدت بالمقابل عن بيئتها الأم، وربما فقدت ثقافتها وبدلاً من أن تساهم بمواكبة الأحداث ورفع سوية الذوق العربي باتت عبئاً عليه بما يقدم من ألحان هابطة وكلمات ضعيفة.
الموسيقا العربية تأثرت بإيقاعات ومقامات غربية برأيك هل تعيش الأغنية اليوم الحداثة؟
** سابقاً استفاد الموسيقيون والملحنون الكبار من الإيقاعات والمقامات الغربية وتم توظيفها بشكل رائع وجميل في الأغنية العربية، بحيث لم تغير قالبها بل على العكس أضافت شيئا جديدا ما منحها رونقاً جميلاً، أما الآن فقد بات الاعتماد على المقام الغربي والإيقاعات بحكم طبيعة اللحن يرافق المقام الأصلي، إلا أن الإيقاع الذي عرف سابقاً بأنه ضابط للوزن بات رتماً واحداً الكترونياً، ما جعل طبيعة الأغنية والموسيقات تتجه باتجاه الوافد القادم من الغرب بشكل كبير وألغى الأغنية العربية وابتعد عن الأصالة والشرقية، وبالتالي لا نعيش اليوم أغنية تحمل الحداثة والأصالة إلا ما ندر من أعمال مميزة، ولكن ليس لها حظ في الظهور في زحمة الوافد المدعوم مالياً وإعلامياً.
استخدم العمالقة قوالب التأليف كالبشرف والسماعي واللونغا، اليوم هل استمر الإبداع في القوالب كما العمالقة؟
** بسبب التطور الذي طرأ على حياتنا في كل المجالات فلم يعد لهذه القوالب الموسيقية أي دور وذلك بسبب الانتقال إلى نمط الأغاني السريعة والسهلة وذات الرتم الإيقاعي وهذا النوع لا يعتمد على هذه القوالب ولا يمت لها بصلة.
برأيك هل الدول المجاورة استفادت من الموسيقا العربية أم العكس؟
** أرى أننا استقدمنا الموسيقا من الدول المجاورة والغربية ولكن دون أي دراسة وتوظيف لهذه الموسيقا حيث أصبحت تقليداً ليس إلا، وبذلك لم نحقق شيئاً جديداً لأغنيتنا، لكن الأهم أن الدول المجاورة التي استفادت من الموسيقا العربية ومنها على سبيل المثال "تركيا" التي أخذت "البشرف" وعملت على تجديده بطريقتها وبات البشرف لديها أكثر تطوراً ونحن للأسف ابتعدنا عنه بدل المحافظة عليه وتطويره.
عناصر الأغنية الثلاث، هل تحقق اليوم أهداف الأغنية؟
** رحم الله من قال: "إن المستمع العربي بات يسمع من خاصرته وليس من أذنه"، وهذا يعني أنه لم يعد الاهتمام بعناصر الأغنية الثلاثة (اللحن– الكلمة– الأداء) هم وشغل الملحنين وشعراء الكلمة والمطربين إذا كانت هناك أصوات تصنف في مراتب المطربين وفق المعيار العلمي للتصنيف وليس للألقاب والظهور الإعلامي والمسرحي لأن ذلك لا يصنف ولا يعطي قيمة، وبالماضي كتب العمالقة بهذا التصنيف بجرأة ما جعلنا نندهش بتصنيفاتهم لأصوات احتلت الساحة الفنية ومازالت أغانيهم إلى اليوم لكنهم صنفوا مؤدين او مغنين وليسوا مطربين، ولهذا وبانعدام الرقابة على الكلمة واللحن والأداء، فقدنا توازن الأغنية وقللنا من أهميتها بالاعتماد على عنصر دون النظر إلى العناصر الأخرى وهو عنصر الذي يذهب العقل جانباً ويجعلنا نسمع من الخاصرة فقط.
أدخل على الموسيقا العربية آلات غربية، وتوزيع جديد، برأيك ما أثر ذلك على ثقافة الأغنية العربية؟
** لقد كان لإدخال الآلات الغربية أثر سلبي وايجابي بنفس الوقت حيث تم إدخال بعض الآلات إضافية للأغنية العربية شيئاً جميلاً وهناك أمثلة على ذلك، أما الآن فقد طغى الرتم الغربي والآلات التي لا تعبر عن الموسيقا الشرقية والتي تفقد الأغنية روح الموسيقا العربية.
الجدير بالذكر أن الفنان الشاب "جهاد نرش" هو من مواليد مدينة "صلخد" عام 1966 التي تبعد من مدينة السويداء حوالي 40 كيلو مترا جنوباً، وله العديد من المشاركات في المهرجانات والمناسبات الاجتماعية والرسمية.