انطلق "غيث الماغوط" برحلته الموسيقية في عمر الحادية والعشرين عندما بدأ العزف على "الكلارينيت"، انتقل للعيش في هولندا عام 2015، تخرج من معهد روتردام الموسيقي "كودارتس" عام ٢٠٢٢، وحصل على درجة الماجستير في علم الموسيقا، شارك في العديد من المشاريع الموسيقية، وعزف في الكثير من بلاد العالم.
"الكلارينيت" والرابط العاطفي
حول بداياته في عالم الموسيقا، ولماذا انتصر لها متخذاً قرار الاستغناء عن حلم المسرح، يتحدث لـ "مدونة الموسيقا"، قائلاً: «لم يكن خياراً مني أن أكف عن المسرح وأتجه نحو الموسيقا، وإنما حدث الأمر نتيجة ظروف اضطرتني لذلك، كان عمري ثمانية عشر عاماً عندما تقدمت إلى "المعهد عالي للفنون المسرحية" وتم رفضي، فكان قبول الطلبة فيه صعب جداً، ولأن مجموعي في الثانوية العامة لا يؤهلني للدراسة في أي فرع آخر، اتجهت نحو الفروع الفنية التي لا تطلب درجات. وسمعت في ذلك الوقت مصادفة أن "كلية التربية الموسيقية" في "حمص" مددت تسجيل قبول الطلاب لأن عدد المتقدمين لم يكن كافياً، وحينها كان القصف عنيفاً على المدينة وخاصة على حي "باب عمرو"، تقدمت للجامعة وقًبِلت في اختصاص آلة "الباصون" التي لم يكن لدي أدنى فكرة عنها، ومن هنا بدأت قصتي مع الموسيقا».
يغوص "الماغوط" في ذاكرته متحدثاً عن فترة دراسته في "كلية التربية الموسيقية"، مشيراً إلى أن أكثر ما يتذكره منها الناس أيام الحرب والجوع والتفجيرات التي كانت تحدث وصوت الطيران، واصفاً ذلك بـ "موسيقا الحرب"، ويتابع: «الحدث الأهم لقائي بشاب من مدينة اللاذقية اسمه "إيهاب رشيد" يعزف على آلة "الغيتار" منذ مدة، ولم يكن في مقدوري عندها شراء آلة "الباصون" لارتفاع ثمنها، فاستعار لي آلة "الكلارينيت" من أخته، وعندما بدأت العزف عليها نصحني بالاستمرار لأن لدي الموهبة، وبدأت بدفع أقساط الآلة له ولكن قبل أن انهي الأقساط تم اعتقاله من الجامعة، ومن وقتها بات لدي رابط عاطفي أكبر بيني وبين "الكلارينيت"».
ويتحدث عن سفره قائلاً: «ما جرى مع "ايهاب" جعلني أخشى الاعتقال فخرجت من "سوريا"، ولكن لم يكن لدي المال الكافي لأكمل إلى "أوروبا"، وكنت أعرف كيفية عزف خمس أغانٍ على "الكلارينيت" فقمت مع شاب سوري يعزف على "الترومبيت" بالعزف في شارع الاستقلال في "تركيا" لنؤمن المال، وبعد شهر من امتلكت المال الذي يؤهلني الوصول إلى "أوروبا"، وخلال رحلتي قويت علاقتي بالآلة لأنها كانت الشيء الوحيد الذي بقى كذكرى من "إيهاب"، وكانت ترافقني في كل مكان خلال سيرنا نحو "أوروبا"، وعندما وصلت إلى "هولندا" لم أكن أتكلم الانجليزية أو الهولندية، فكانت الطريقة الوحيدة التي أتواصل فيها مع العالم».
توازن الحنين مع الواقع
حول الصعوبات التي واجهها كموسيقي بعد سفره من سوريا، يقول: «كان الأفضل تعلم "الموسيقا العربية" في "سوريا"، ولكن بعد وصولي إلى "أوروبا" تعلمت الموسيقا وكان هناك الكثير من التسهيلات، فعلى سبيل المثال الحصول على الآلة يبقى أسهل، بينما عندما بدأت التعلم على "الكلارينت" في "سوريا" لم يكن بمقدوري أن أشتري "ريش للآلة" بسبب العقوبات الاقتصادية، فكنت أشتغلها بيدي، ولاتزال إلى الآن علامات الجروح واضحة على إصبعَي السبابة في يداي اليمين واليسرى بسببها, ومن الصعوبات الأساسية التي واجهتها الحنين إلى بلدي، واختلاف الثقافة واللغة، فبمجرد وصولي تقدمت إلى "الكونسرفتوار" سعياً للدراسة بشكل أكاديمي، ويمكن القول أنه من الناحية التقنية والأكاديمية كانت الأمور أسهل».
ويتابع: «درست في "الكونسرفتوار" أربع سنوات قسم "موسيقا عالمية"، وتخرجت ثم نلت الماجستير اختصاص "موسيقا البلقان"، وتحديداً الموسيقا "البلغارية"، واخترتها لأنني كنت أفتش عن التوازن بين حنيني وقلبي الذي بقي في "سوريا" و"الموسيقا السورية"، وبين الواقع الذي أعيش ضمنه وفيه "الهارموني والجاز". فالموسيقا العربية مقامية تعتمد على النغمة الواحدة، ولكن يعتمدون في الغرب على الهارموني، فعندما كنت أفتش عن تعلم موسيقا جديدة وجدت أن الموسيقا "البلغارية" تجيد التوازن بين النمطين، فتستخدم المقامات كثيراً كما تستخدم الهارموني أيضاً، لذلك أحببت أن اختص بها. وهناك دافع آخر لذلك، وهو أنه منذ وصولي إلى "هولندا" تعرّفت على المؤلف الموسيقي الروماني وعازف الكلارينيت والسكسوفون "أليكس سيمو" وبفضله دخلت إلى "الكونسرفتوار"، وهو انسان ناجح، ونادر جداً، فاز لأربع مرات في "هولندا" بجائزة أفضل مؤلف، وألّف موسيقا لفيلم ترشحت لجائزة الأوسكار».
سبق أن تحدث "غيث الماغوط" لإذاعة "مونت كارلو" عن إعادة اكتشاف وتعلّم أبعاد الموسيقا العربية والمقامات الشرقية أثناء وجوده في هولندا، عن ذلك يقول لـ "مدونة الموسيقا": «بدأت تعلم الموسيقا وخاصة "الكلارينيت" بعمر متأخر، عام 2014، ولكن عندما حاولت تعلم الموسيقا العربية تعلمتها في "هولندا"، وكانت تجربة غريبة جداً، بأن تتعلم موسيقاك من أستاذ روماني وفي جامعة كل المحيطين بك يستمعون إلى الموسيقا الغربية في الوقت الذي تحاول فيه تعلّم موسيقاك، فهو أمر بحد ذاته يُعد تجربة فيها نوع من "الشيزوفرينيا". وقد ساعد في تطوري بهذا المجال وجود قسم لـ "الموسيقا التركية" في الجامعة، رغم أنني لم أشتغل في الموسيقا التركية. واليوم لا يمكنني القول أنني عازف "كلارينيت عربي"، لأنه حتى آلة "الكلارينيت" ليس لديها هوية في "الموسيقا العربية"، فهي غير موجودة فيها، لكنني أحب "الموسيقا العربية" وأحاول تقديمها، وأسعى إلى إيجاد هوية عربية لي سعياً لأن أطبّع هذه الهوية عبر أدائي على "الكلارينيت"».
بين التأليف والارتجال
"بما تمتاز الموسيقا التي تقدمها؟"، يجيب: «أكتر ما أحبه هو تقديم موسيقا من تأليفي، وهذا الأمر جاء بتشجيع من أستاذي "أليكس سيمو"، فالتأليف ارتجال، وبما أنك قادر على الارتجال فتستطيع التأليف. لا أحب أن يكون هناك تقييد للعازفين، لذلك أشتغل على أساس الفكرة، فأقوم بتأليف لحن أساسي وأترك الحرية للعازفين في "كيف يعكسون انطباعهم على المقطوعة"، كما لا أحب أن ألتزم كثيراً بنوع موسيقي معين، فأحاول أن تأتي الموسيقا التي أؤلفها انعكاساً عني وعن واقعي. فأنا بين البينين في كل شيء، ثقافياً وموسيقياً، بمعنى أنني أقدم "جاز" مع موسيقا "بلقان" وموسيقا "عربية" فأحاول أن أكون حراً قدر المستطاع وبقدر ما تسمح به موهبتي وإمكانياتي».
ويتابع: «أكثر ما أحبه في الموسيقا، ألا أحاول الوصول إلى شكل معين أو محدد، حتى أن القطعة نفسها يمكن أن أعزفها كل مرة بطريقة مختلفة، فأفضّل الحالة العفوية في الموسيقا، وأراها أجمل بكثير من أن تكون مقيدة بشكل مبالغ فيه، أحب في الموسيقا العفوية والارتجال والحرية، وأن يكون هناك تنويع بين الأنماط».
وعن خصوصية ألبومه الأول "أطياف الشام" "Levantine Hues" يقول: «يحكي عن "أنا من أين أتيت"، فقد شعرت أنني نضجت موسيقياً بشكل كافٍ وحان الوقت لأقدم ألبومي الأول وأسجل هذه المرحلة من حياتي، خاصة أنها أتت بعد عشر سنوات من وصولي إلى "هولندا"، فالأمر أشبه بدائرة قد اكتملت في حياتي، وأحبيت أن أختمها بهذا الألبوم».
ويتابع: «لم أؤلف قطعة موسيقية بعنوان ألبومي "أطياف الشام"، وإنما ألّفت عطراً بهذا الاسم، فدمجت بين الموسيقا وهوايتي الثانية المرتبطة بالزيوت العطرية، بحيث أعطي الحضور قبل دخول الحفلات التي أقدم فيها هذا المشروع عيّنة بمقدار "واحد ميلي" من العطر الذي أنجزته من زيوت عطرية طبيعية، وقد أحببت أن يشبه رائحة البيت السوري، واستوحيت رائحته من المشروبات التي تشربها والدتي "المتة والقهوة والهيل والمليسة" فأتيت بالزيوت العطرية لهذه الأعشاب وأنجزت منها هذه الرائحة، لشعوري بأنها الأكثر قدرة لأن تُخزّن بالذاكرة، وهنا تكمن خصوصية الألبوم، وأضف إلى ذلك أن كل قطعة منه تحكي قصة شخص أعرفه بحياتي، ومن المؤكد أن إحدى هذه القطع عن صديقي "إيهاب"».
مشاريع موسيقية
تميّز ما يقدمه "غيث الماغوط" بمزج الموسيقا مع السرد القصصي، عن ذلك يقول: «عندما أتيت إلى "أوروبا" لم أكن أمتلك ناصية اللغة، فكانت "الكلارينيات" وسيلتي لأتواصل مع العالم، وبالتالي تعلمت الموسيقا على أساس أنني أستطيع من خلالها أن أحكي وأوصل القصة للآخر، وأرى أن القطعة الموسيقية التي لا تحوي قصة ليس لها خلفية، فتكون عبارة عن موسيقا فقط وتظهر كأن هناك ما ينقصها، فدائماً القصة هي الأساس، لأنه الموسيقا عبر التاريخ نقلت قصص الناس والحروب والحضارات، فالسرد والخلفية بالموسيقا أمر مهم».
وعن الفِرق والمشاريع التي شارك فيها، مثل "دفا" و"ألوان"، يقول: «شاركت بالكثير من الفرق، وكل مشروع كان مختلفاً عن الآخر، فمشروع "دفا" أعمل فيه بين وقت وآخر، لكن بعد سافر العازفين أصبح الأمر أصعب، وهو تجربة مع طلاب درسنا معاً وبدأت أجرب بداياتي بالتأليف، إلى أن أنجزت الخماسي الذي كنا نقدم فيه مؤلفاتي، أما مشروع "ألوان" فلايزال مستمراً، وتعود قصته إلى أنني وخطيبتي البريطانية، ظننا أنه من الصعب أن نعمل معاً، فهي مغنية أوبرا تقدم الكلاسيك بينما أقدم الموسيقا الشرقية والبلقانية، ولكن فيما بعد قمنا بالتجريب فغنت "لما بدا يتثنى" و"أهواك بلا أمل" للسيدة "فيروز" إضافة إلى أغانٍ عربية أخرى، كما حاولنا أن نعمل معاً بأغانٍ من بريطانيا وإيرلندا لم تكن أوبرالية، واكتشفنا أننا أقرب موسيقياً لبعضنا البعض مما كنا نتخيل، فأقمنا هذا المشروع لنظهر أننا متشابهان جداً، فالموسيقا هي الموسيقا أينما كانت، والفن هو فن في أي مكان، وهذا الهدف الأساسي من "ألوان"».
في زيارته الأخيرة إلى "سوريا" أقيمت ورشة عمل معه في "المعهد العالي للموسيقا" لطلاب "الكلارينيت والساكسفون"، فما الذي أضافه للطلبة هناك وما الذي أضافوه له؟، يقول: «كانت واحدة من أجمل التجارب التي عشتها في حياتي، وأسعدني كثيراً أن أعطي في الورشة ما لدي للطلاب، وما أسعدني أكثر أن هناك العديد من الشباب الرائعين الذي يعزفون على "الكلارينيت والساكسفون"، وامكانياتهم كبيرة جداً، رغم قلة الأمور التقنية والقطع والآلات التي يمكن أن تساعدهم كعازفين. وقد كان الوقت قصيراً فحاولت خلال يوم واحد فقط أن أعرّفهم بطريقة مختصرة على الموسيقا "البلغارية" وعلى الأنماط الموسيقا وإيقاعاتها وكيف تُعزف، أحببت أن أقدم لهم ما تعلّمته في الخارج، وهو أن تكون حراً مع آلتك، فالموسيقا لتعبّر عن نفسك وأفكارك ونظرتك للموسيقا من خلالها. وحول ما أخذته منهم فهو الأمل والفخر أنه رغم كل الظروف فهناك من يشتغل ويحاول، وأن هناك تربة خصبة وهامشاً كبيراً لنعمل في سوريا، وهذا ما سأشتغل عليه للسنوات القادمة، سآتي بأصدقاء وخبراء ليقيموا ورشات موسيقية».
دمج الشرقي والغربي
فيما يتعلق بفكرة إعادة تقديم مؤلفات تقليدية في الموسيقا العربية من منظور معاصر، يقول: «هذا الأمر لا يحدث معي كثيراً، ففي ألبومي الأول هناك أغنية تراثية واحدة من مدينة "سلمية" بعنوان "سلمية يا ستي البلادي"، ودائماً أفتتح بها "الكونسيرت"، لحنها فرح لكن أقدمه مع "الكونترباص" بطريقة سريالية. وعندما نعمل أنا وخطيبتي معاً نقدم أعمالاً مثل "لما بدا يتثنى" وغيرها فأحاول تقريبها من أساليب التوزيع الغربية».
وحول حدود التجريب والتحرر من الأنماط الموسيقية التقليدية، يؤكد أن الموضوع بالنسبة إليه ليس التحرر من الموسيقا التقليدية، وإنما الأخذ منها، يقول: «أحب أن أستلهم وآخذ أفكاراً من الموسيقا التراثية، أنا لست عازف تراثي، وإنما عازف وليد ظروفي وحياتي التي جعلتني آتي إلى "هولندا" لأتعلم الموسيقا، وحبي لها جعلني أقدم ما هو جديد. وأحب أن أستلهم من الموسيقا التراثية ومن الهارموني الغربي، ومن الأفكار الموسيقية والارتجال والتقاسيم العربية، وطرق سير المقام في التقاسيم. وما أفعله أنني أستمع للجميع وأتعلم منهم، وأدمج فيما بينهم، فالفن حرية، والهدف إنجاز ما يعبر عني».
وعن الدمج بين الشرقي والغربي في الموسيقا، يقول: «يمكن الدمج إلى الحد الذي يُقنع الفنان الذي ينجز الموسيقا، ربما يعترض كثيرون على هذا الكلام ويقولون أنه ينبغي تقديم الموسيقا التراثية كما هي، والأمر نفسه مع الجاز، ولكن هذه وجهة نظر وهناك وجهة نظر أخرى تقول أنك قادر على ذلك بما أنك تقدم موسيقا بشكل صحيح وتنجز أفكارك بشكل جميل، فليس هناك من مشكلة في دمج الأنماط الشرقية والغربية».