تعيد "مدونة الموسيقا"، وفي إطار محاولتها حفظ الذاكرة الموسيقيّة السوريّة، ولملمة المبعثر والمتناثر منها، إحياء ونشر العديد من المواد المنشورة منذ أعوام على مدونة وطن eSyria مدعَّمةً بفيديوهات صوّرها فريقُ عمل المدونة آنذاك، ولم تنشرْ لأسباب فنيّة.

من عائلة فنية بامتياز وحضور قوي على الساحة الفنية في "حلب"، عشق الكمان فكان "باسل حريري" بصمة جديدة لعائلته على الصعيد الفني.

موقع eSyria التقى الفنان "باسل حريري" ليضيء على جوانب من حياته وخاصة الموسيقية منها، فكان معه هذا الحديث الذي بدأه قائلاً: «نشأت في عائلة موسيقية استثنائية، ورثت الفن من الأجداد إلى الآباء إلى الأحفاد، فمعظم أجدادي كانوا مقرئين ومنشدين ومنهم جدي المرحوم "صبحي حريري" منشد "الزاوية الهلالية" في "حلب" وهو من أورث الفن لأبي وأعمامي، ولكم بعد ذلك أن تتخيلوا ما آل إليه حال الفن في عائلتنا فقد تحول إلى طقس طبيعي جداً وأضحى البعيد عنه هو الاستثناء من بيننا».

باسل حريري

عندما أصبح عمر "باسل" ست سنوات أدخله والده إلى المعهد العربي للموسيقا وهناك بدأ يتعلم على الآلة التي اختارها وهي آلة "الكمان" يقول: «درست آلة الكمان على أيدي الخبراء الروس وكانت الدراسة غربية كلاسيكية، تخرجت في المعهد بعد خمس سنوات، ثم بعد تمت دعوتي من قبل مدير المعهد للمشاركة في أوركسترا "حلب" لموسيقا الحجرة وكانت تلك الدعوة فرصة لإكمال دراستي العالية تحت إشراف الخبراء الروس فكانت الدراسة أكثر تخصصاً وأضافت لي الكثير من الخبرات الأكاديمية التي كانت تنقصني آنذاك، فكنا نحضّر برامج مسابقات حتى ولو انعدمت نية المشاركة فيها».

هجر "باسل" الموسيقا في المرحلة الثانوية، وعاد إليها بقوة بعدما دخل "كلية الحقوق" حيث أصبح لديه متسع من الوقت للتدريب: «في تلك الفترة فوجئت بعوائق كبيرة تقف في طريق مشاركتي ضمن مسابقات الكمان الدولية، وأغلبها معوقات إدارية وروتينية كغياب مدير عن معهده، وبالتالي عدم مصادقة شهادة المعهد التي كانت مطلوبة للمشاركة في إحدى المسابقات الدولية في أوروبا، فاقتصرت مشاركاتي في تلك الفترة على حفلات العزف المنفرد أو بمرافقة "البيانو" التي كانت تقام في مديريات الثقافة والمراكز الثقافية في المحافظات. بعد ذلك سافر أستاذي إلى بلاده وبقيت دون معلم وبدأت مع ذلك مرحلة طويلة مضنية من البحث والعمل».

ضمن فرقة دوبامين

وعن الفرق والحفلات التي شارك بها يتابع حديثه فيقول: «شاركت كعازف كمان في معظم الفعاليات الثقافية التي كان يقيمها المعهد وفي الحفلات الوطنية والقومية التي كانت تقيمها المحافظة، وبعد انخراطي بشكل عملي أكبر في مجتمع العمل الموسيقي عملت في فرقة الفنان "صباح فخري" وفرقة السيدة "ميادة بسيليس" كما كان لي شرف العمل مع فرقة السيدة "ماجدة الرومي" عام /2004/ في دمشق وكانت تلك المشاركة نوعية جداً ومتميزة أضافت إلي الكثير».

بعد هذه المرحلة ابتعد "باسل حريري" قليلاً عن العمل ضمن الفرق الموسيقية مع المطربين وعكف على إيجاد تجربته الشخصية وقد ساعده في ذلك عدم اعتماده الكلي في معيشته على العمل في الفن مما خلق له جواً من حرية الانتقاء شكل بالنسبة إليه داعماً مهماً في محاولة إبراز شخصيته من خلال المشاركات ضمن ورشات عمل مع فرق "جاز" و"روك" أجنبية من الدنمارك وفرنسا أميركا وقد أثمرت تلك الورشات عدة حفلات تم تقديمها في المحافظات السورية، يقول:

مع عازف الكمان التركي باقي كيمانتجي

«أُسِسَتْ بعد ذلك فرقة "دوبامين" مع الدكتور "فواز باقر" والأستاذ "طارق السيد يحيى" والأستاذ "إبراهيم مسلماني" وهي فرقة تعنى بالدمج بين الموسيقا الشرقية والغربية بطابع يحاكي إلى حد ما ثقافتنا العربية، والجميل في هذه الفرقة هو ابتعادي عن شخصية العازف المنفرد ووضع تجربتي وخبرتي كاملة في خدمة الفكرة التي يقوم عليها العمل، وهذا حال كل الأساتذة في الفرقة، الشيء الذي أنتج أعمالاً هي عصارة خبرات ليست قليلة في المجال الموسيقي العلمي، أضف إلى ذلك الاستعمال المدروس للموسيقا الشرقية والخروج بها من متاهات الرتابة التي لحقت بها، فقد كرسنا- كفرقة- خبرتنا في الموسيقا الغربية والتكنيك لوضعها بشكل مدروس في خدمة أعمالنا، فقد أدركنا أن العمل في المجال الغربي البحت ليس ممكناً لأن الثقافة الغربية لا تلائم ثقافتنا والعمل في الموسيقا الشرقية، ورأينا من المناسب محاولة الربط بين الأنماط الموسيقية والخروج بلون عصري لا يخلو من التقنية الغربية والروحانيات الشرقية في آن معاً. وبالتزامن مع ذلك كنت مواظباً على البحث والقراءة ومحاولة الاستفادة من أي أستاذ للكمان داخل وخارج سورية وعليه فقد التقيت بعازف الكمان التركي الأستاذ "باقي كيمانتجي" خلال جولة عمل في تركيا».

وعن رؤيته بحال الموسيقا والموسيقيين اليوم يتابع قائلاً: «هذه جدلية يطول الحديث فيها كثيراً، فهناك فارق كبير بين من يعمل لأجل الفن وهدفه إيجاد رؤية ورسالة خاصة به ومن يعمل كعازف ممتهن كي يعيش. والواقع يقول إن الأغلبية من الفئة الثانية يبتعدون عن التجديد ومحاولة التغيير أو التطوير فيبقى الفن في أيديهم أسطوانة تكرر نفسها، والأعذار جاهزة لتقديمها فمن يقتصر في عمله على الجانب الفني من أين سيعيش إن لم يكن لديه وارد مادي آخر؟ وهذا حال صاحب الفكرة والثقافة والرسالة الفنية فتراه مشتتاً بين عمله في مجال آخر بعيداً عن الفن وعمله في مجال الموسيقا. وأنا شخصياً أعتبره مكافحاً لأنه يتعب في عمله الآخر ويكرس وقت راحته في التدريب والعمل في الموسيقا التي لا يستفيد منها مادياً، وهذا الحال هو نتيجة طبيعية منطقية لغياب الجهات الناظمة للعمل الموسيقي والجهات التي من شأنها احتضان التجارب الجديدة ورعايتها بالشكل المطلوب، فأنا شخصياً أعمل اليوم في مجال الدراسات القانونية وأحب هذا المجال لكني أحب الموسيقا بشكل أكبر فحينما أجد أن العمل فيها يرضي طموحي ويخلق لي الدافع القوي سأترك عملي وأستغني عن شهادتي الجامعية وأعمل في الفن فقط».

باسل حريري في تركيا

"باسل حريري" خريج كلية الحقوق في "حلب"، وهو في السنة الثانية من دراسته العليا "ماجستير" ويعمل- كما أسلفنا- في مجال الاستشارات والدراسات القانونية. وإضافة لشغفه بالموسيقا لديه محاولات أدبية شتى باللغتين العربية والإنكليزية.