تحمل فرقة "فَيْ_Fai" الموسيقية المنحدرة من مدينة السلمية بمحافظة حماة، مشروعاً فنياً يستلهم الفلكلور السوري العريق ليشكل امتداداً عذباً للهوية الثقافية، ورغم حداثة عهدها نجحت في ترك بصمة مميزة داخل المشهد الفني، لتثبت أنّ الموسيقا هي الملجأ الآمن واللغة الأرقى لنشر المحبة والسلام.
البداية والتأسيس
لم تكتفِ الفرقة بتقديم أعمالها الخاصة بل أعادت إحياء شارات مسلسلات درامية حفرت عميقاً في وجدان السوريين ليتحوّل أعضاؤها من مجموعة أصدقاء تجمعهم الموسيقا إلى مساحة فنية تعكس روح الألفة والتقارب.
عن الانطلاقة وبدايات التأسيس يتحدث رئيسها "علي قدور" لـ "مدونة الموسيقا" قائلاً: «تأسست الفرقة عام 2022 وتتألف من سبعة أعضاء، بينهم المغنيان "اسماعيل الحاج"، و"رغد الحرك"، إلى جانب عدد من العازفين، إذ أعزف أنا على "الإيقاع"، ويعزف "مجد دويش" على "العود"، و"أنس السفر" على "الكمان"، و"بشار شحود "على "الغيتار"، و"نوار شحود" على "الناي"، وحرصنا على عقد اجتماعات وتمارين دورية سواء كان لدينا حفلات أم لم يكن، ونلتقي باستمرار للعمل على تطوير أدائنا والبحث عن أفكار وتوزيعات موسيقية جديدة».
الهوية الفنية
وعن أهم الأعمال الموسيقية التي قدمتها الفرقة يقول: «قدّمنا مجموعة من الأعمال التراثية إلى جانب أعمالنا الخاصة والتي تمثل توجهنا الأساسي، ورغم ذلك ليس هناك فنان لا يتطرق إلى تراث بلده، وقد استهدفنا منطقة معينة من وطننا وهي "الجزيرة والفرات" كالرقة ودير الزور والحسكة، حيث غنينا من تراث هذه المناطق، ومن أشهر أعمالنا "غربي لديرو" وهي وصلة تراث سوري، ووصلة "مسكين يالعزابي"، بالإضافة إلى أعمالنا الخاصة مثل "فترة وبتمر" و"بيخطر لي"، وهناك عمل جديد بعنوان "ياهيل"، وكانت لنا مشاركة في "دار الأوبرا" عبر فعاليتنا التي حملت اسم "على وتر الوطن"، وقدمنا خلالها مجموعة من الأعمال التراثية الجميلة والأغاني الوطنية، وكانت مشاركة رائعة جداً، حيث تمّ تكريمنا من قبل وزير الثقافة "محمد الصالح" تقديراً لنجاح العمل».
ويتابع: «تتركز أعمالنا في الوقت الراهن على القضايا الإنسانية وبناء السلام، فبعد المرحلة الأخيرة التي مرت بها بلدنا أصبحنا نحاول قدر الإمكان الغناء للسلام والحب، والعمل على التقريب بين الناس في مختلف المحافظات، وتطلعاتنا دائماً الحفاظ على هذا النهج، وأن يكون توجّهنا مستمراً نحو نشر السلام».
وفيما يتعلق بكيفية تدريب أعضاء الفرقة يقول "قدور": «يضم الفريق ثلاثة أو أربعة أساتذة من أعضاء الفرقة ملمّين بشكل كبير بقراءة النوتة الموسيقية وغيرها، كما أنّ لدينا أعضاء يعتمدون على النظام السَّماعي، بالإضافة إلى وجود متخصصين بيننا في كتابة الكلمات وتلحينها، إلى جانب موزع موسيقي يتولى تنسيق هذه التفاصيل كلها، حيث نناقش ذلك في اجتماعاتنا الدورية بمقرنا الكائن في مدينة "السلمية"، وقد نجحنا في تطوير آلاتنا الموسيقية بفضل الدعم الذي تلقيناه من مؤسسة "الآغا خان" للتنمية في مدينة "السلمية"، حيث قمنا بتحديثها لتصبح في أغلبها آلات الكترونية وإيقاعية نحاسية، كما استقدمنا آلات جديدة للارتقاء بأدائنا على المسرح وصناعة زخم موسيقي قوي».
وحول تسمية الفرقة يقول: «يعود السبب إلى الظروف القاسية التي عشناها، حيث شبّهنا الفكرة ببساطة بأنه عندما تشتد حرارة الشمس، يلجأ الإنسان بالفطرة إلى الظل "الفيء" ليستظل به، وكذلك الأمر إذا اشتدت شمس الحياة وقسوتها يكون اللجوء إلى فَيْ الموسيقا باعتباره الملاذ والملجأ الآمن».
الموسيقا تجمع القلوب
"بشار شحود" عازف "الغيتار الكلاسيكي والكهربائي" في الفرقة، يقول: «بدأنا كمجموعة من الأصدقاء الذين يجمعهم شغف العزف معاً، ثم خطرت لنا فكرة تأسيس فرقة موسيقية رسمية، وعندما احتجنا إلى مغنٍ للفرقة تواصلنا مع صديقنا "إسماعيل الحاج" الذي رحب بالفكرة، ثم استكملنا التواصل مع باقي الأعضاء حتى اجتمع شمل الفرقة، وكانت الرؤية الأساسية منذ الانطلاقة تقديم أغانٍ خاصة بنا».
وعن أبرز الأعمال التي تركت أثراً في قلوب الناس وأعادت الفرقة إحياءها، يقول: «قدّمنا العديد من الأغاني التراثية، كما تناولنا شارات مسلسلات تركت أثراً وذكريات راسخة في قلوب السوريين والجمهور عموماً، مثل شارات "بقعة ضوء"، "ضبّوا الشناتي"، "باب الحارة"، وقد أحيينا العديد من الحفلات منذ تأسيس الفرقة وحتى اليوم، وكان من أبرزها الحفل الذي أُقيم على مسرح "دار الأوبرا" ضمن برنامج "إشراقات"، كما شملت حفلاتنا الكثير من المحافظات السورية بما فيها "حماة وحمص واللاذقية"، إضافةً إلى مشاركات في المراكز الثقافية بالتعاون مع منظمة "بنفسج" التي كانت من أبرز الجهات الداعمة لنا».
ويتابع: «تعاونّا أيضاً مع العديد من المنظمات مثل منظمة "عدل وتمكين" إلى جانب تعاوننا الأساسي مع منظمة "بينوس"، وكان لنا تعاون واسع مع مؤسسة "الآغا خان" في عدد من الأعمال الفنية، ومن أبرز المشاريع المشتركة معها عمل فني هدفه تسليط الضوء على مرضى سرطان الثدي، حيث قدّمنا أغنية بعنوان "فترة وبتمر" كُتبت خصيصاً لدعم المرضى والتعبير عن معاناتهم والأمل في تجاوزها».
ويشير إلى أن: «الموسيقا هي اللغة الوحيدة القادرة على جمع البشر، إذ يفهمها الجميع مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم، فقد نتأثر بمقطوعة غربية أو يابانية دون أن نتقن لغة أصحابها، لأن الإحساس الموسيقي يصل إلى الأعماق مباشرة، ومن هنا تنطلق فكرتنا في نشر السلام والمحبة من خلال الموسيقا، فعندما نقدم حفلاتنا ونعزف التراث السوري بكل تنوعه، نرى الناس يجتمعون معاً ويشعرون بالإحساس ذاته دون أي تفرقة أو اختلاف، ونحن نؤمن بأن الموسيقا الهادفة قادرة على جمع الناس بطريقة صحيحة ونقل مشاعر صادقة بكلمات راقية، بعيداً عن الموسيقا الهابطة أو الكلمات غير اللائقة».
التراث بروح جماعية
يستعرض "نوار شحود" عازف الناي طبيعة عمل الفرقة وتحضيراتها القادمة، يقول: «نحن ثمرة تعارف أخويّ جمعَتنا النغمات والعلامات الموسيقية، فكانت ولادة هذه الفرقة التي أثمرت عن حفلاتٍ عديدة قدّمناها في مختلف المحافظات، ورغم أن توجهنا الأساسي يرتكز على إنتاج أعمالنا الخاصة إلا إنّنا حرصنا أيضاً على تقديم أعمالٍ مستوحاة من التراث السوري، ونؤمن بأن الموسيقا مثلما جمعتنا داخل الفرقة قادرة على أن تجمع سوريا كلها».
ويتابع: «جاءت عمليات الكتابة والتلحين والغناء ثمرة جهدٍ جماعي تشارك فيه أعضاء الفرقة بأكملها، ونرى في التراث السوري جزءاً لا يتجزأ من هويتنا وثقافتنا، لذلك نشعر بمسؤولية حقيقية تجاه تسليط الضوء بشكل جاد ومكثف على الأعمال التراثية المنسية لإعادة إحيائها، وأمنيتي الكبرى أن تصل رسالتنا الأساسية وهي نشر السلام عبر الموسيقا، فالفن والثقافة عموماً يمتلكان دوراً بالغ الأثر في بناء السلام وتقريب القلوب».