يُعد الأستاذ الدكتور في الموسيقا "غزوان زركلي" شخصية استثنائية، بدأ شغفه بالموسيقا منذ الطفولة، ولايزال يواصل العطاء في رحلة إبداعية تمتد لأكثر من ستين عاماً، عزف خلالها على كبرى مسارح العالم في أكثر من خمس وعشرين دولة، ليشكل أحد أهم الأسماء البارزة في الموسيقا الكلاسيكية العالمية.
علامة فارقة
هي رحلة قضاها بين العزف والتأليف الموسيقي والتدريس، والتأليف وترجمة الكتب، ولعل العلامة الفارقة في مسيرته الرؤية والفكر الموسيقي التعليمي الذي كان ولايزال هاجساً لديه، بأن يؤسس لتعليم موسيقي أكاديمي في سوريا.
لم تغب "دمشق" عنه في حفلاته الموسيقية فهو دائم الزيارة لها، وشهدت "دار الاوبرا" مؤخراً إقامة أحدث أمسياته، وتضمنت عزفاً حيّاً على "البيانو" ومحاضرة حول "لودفيج فان بيتهوفن" قرأ خلالها وصية "بيتهوفن" التي ترجمها من "الألمانية" إلى "العربية".
خلال زيارته الأخيرة فتحت "مدونة الموسيقا" مع "زركلي" صفحات "الطفولة، السفر، الشغف، الحلم والواقع"، وبداية الحوار عن خطواته الأولى، يقول: «كانت بدايتي مع العزف على "البيانو" عام 1961، حيث قام خالي بتسجيلي في "المعهد الموسيقي" وكان حينها عبارة عن "بيت عربي" والتقينا فيه موسيقي يدعى "حسن دركزلي"، وكانت هناك بروفة لمغنية شهيرة في ذلك الوقت "لودي الشامية"، بدأنا التدريب وفق "نوتة موسيقية"، وفي العام نفسه تأسس "المعهد العربي للموسيقا" التابع لـ "وزارة الثقافة"».
وعن اختياره لآلة "البيانو" يؤكد أن الأمر حدث بالمصادفة: «كان لدينا "أوكورديون" في البيت أجرب العزف عليه، وهناك تشابه بالمفاتيح بينه وبين "البيانو"»، ويتابع: «نستطيع تشبيه آلة "القانون" في الموسيقا الشرقية بآلة "البيانو" في الموسيقا الغربية والتي تتضمن نغمات الأوركسترا كلها من أخفضها إلى اعلاها، وعادة الطلاب في "المدارس الموسيقية والكونسرفاتوارات" يتعلمون على "البيانو"، وإن لم يكن الآلة التي يودون الاستمرار في العزف عليها، لأنه على أساسها تقام النظريات الموسيقية كالهارموني».
هوية موسيقية
عن الهوية الموسيقية الخاصة به يقول: «تلعب الخلفية الشرقية دورها، فقد تعلمت الموسيقا، أنا وغيري، في أوروبا بعد سنوات قضيناها في المدرسة الموسيقية، منها تسع سنوات دراسة في أوروبا بعد الدراسة الثانوية، فالموسيقي في هذه الحالة يتنافس مع أشخاص ثقافتهم "موسيقا كلاسيكية غربية"، وما يميز الموسيقي هنا جديته وموهبته وعلمه فقط. فهو يكتسب الثقافة الموسيقية الغربية، ولديه الخلفية الموسيقية الشرقية التي تتمثل بجمال اللحن "طوله وتعقيده"، وأعتقد أن هذا الأمر يلعب دوراً في تكوين هويته الموسيقية».
وفيما يتعلق بالتدريس، والفرق في هذا المجال بين "سوريا" و"ألمانيا"، يقول: «الأمر في أوروبا مختلف لأن الموسيقي يقوم بتدريس الموسيقا المتعارف عليها، أما في سوريا فالموسيقا الكلاسيكية الغربية ليست ضمن الثقافة الأساسية، وبالتالي هناك ثغرة يجب أن تُملأ. وبالنسبة للمدرسة الموسيقية المرتبطة بالطفل فالتعليم غير منظم بشكل أكاديمي، علماً أن أطفالنا يمتلكون موهبة أكثر من التي يمتلكها الطفل الأوربي، ويعود ذلك إلى الخلفية اللحنية الموجودة لدى الطفل الشرقي، والتي تميزه من حيث التعقيد والتركيب اللحني "الأنغام"، لأن الموسيقا ليست مجرد لحن وإنما فيها إيقاع وهارموني وتعدد ألحان».
ويتابع: «هناك ثغرات في التعليم الموسيقي في سوريا، فالطالب يصل إلى المرحلة "المعهد العالي للموسيقا" حاملاً معه هذه السلبيات، وبناء على التجربة الشخصية للأستاذ تتضح الثغرات وأسبابها، وهناك أمر آخر مرتبط بعائق اختلاف اللغة مما يشكل حاجزاً قوياً جداً، فهي ليست لغة فقط بل طريقة تفكير، لذلك فالمدّرس العربي أو السوري يستطيع أن يقدم للطالب السوري أكثر بكثير مما يقدمه له المدرس الأجنبي».
ويشير إلى أنه: «عندما يكون الموسيقي متخصصاً في أوروبا ويدخل في منافسة مهنية مع موسيقيين متمرسين منذ صغرهم، تتشكل لديه خبرة عميقة بموضوع التدريس، ويعرف مكامن الضعف لدى الموسيقي الشرقي وموضع الهارموني وتشابك الأصوات "الألحان"، وهذا ليس ضمن الثقافة الشرقية، وبما أن موضوع التعليم تراكمي فأحياناً يبدأ الطالب التعلم وهو كبير أو أن الأستاذ غير كفء، وهذه جميعها تخلق لدى الطفل السوري فجوات في التعليم. وربما كنت محظوظاً مع عدد من الموسيقيين أننا استمرينا بشكل تدريجي وتراكمي، حيث تدربنا على يد خبراء أجانب، وأخذنا أكبر قدر ممكن من التعليم، ورغم ذلك كان هنالك ثغرات، لأن الموسيقا ليست مهارات فقط بل هي "ثقافة، نظريات، تاريخ مترابط"، وبالنسبة إلي أستطيع فهم الطالب السوري، وبالتالي مساعدته أكثر بكثير من المدرس الأجنبي».
بيتهوفن القدوة
شغل "بيتهوفن" حيزاً من الاهتمام الموسيقي لـ "غزوان زركلي"، يقول: «"بيتهوفن" عازف "بيانو" عظيم، فتح أفقاً جديدة في طرق العزف، له دور في تطوير آلة "البيانو"، وامتلك عبقرية في هذا المجال وخيال ورؤية مستقبلية وقدرة خارقة على التجديد، كما كان لديه تصور للموسيقا، وآخر آلة عزف عليها موجودة بالمتحف، وهي حالياً بالنسبة إلينا أشبه بدمية. في تصوره كيف ممكن تعطي الصوت على آلة أخرى لها "غير قوة وغير استطاعة"، فعلى سبيل المثال كان لدينا آلة وسيلة إيضاح في "الكونسرفاتوار" عبارة عن مقطع شاقولي من ملمس واحد على لوحة مفاتيح "البيانو" إلى المطرقة التي تضرب على الوتر مُصدرةً النغمة، واللحظة التي يتم فيها الضغط على المفتاح هي المرحلة رقم 1 واللحظة التي تضرب فيها المطرقة الوتر هي المرحلة رقم 26».
ويتابع: «في المثال المذكور نتبين تعقيد العملية الميكانيكية الدقيقة والحالة المثالية للتحكم بإصدار الصوت، فالمفاصل الموجودة على الطريق كلها تعطي إمكانية صناعة اللون "النغمة"، وقد جسدت التقنية الحديثة تصورات "بيتهوفن" ورؤيته الفنية في وقت كانت الآلات المتوفرة لديه مقارنة بآلاتنا الحديثة أشبه بالدمى».
ويشير إلى أن "بيتهوفن" شخصية في قمة العمق والتعقيد، ولديه غنى نفسي حيث ألّف بآلة "البيانو" اثنتين وثلاثين "سوناتا"، والقطعة الأصعب بينها كانت رقم "29"، أما آخر قطعة ألفها قبل كتابته لوصيته فكانت "ضوء القمر" رقم "14".
ويتحدث عن "بيتهوفن" الإنسان والقدوة: «يُعد قدوة إنسانية، ولو سألنا أي شخص في الطريق بغض النظر عن مستواه الثقافي "من هو بيتهوفن؟" سيجيب أنه موسيقي، وإن لم يسبق له أن استمع إلى موسيقا كلاسيكية أوروبية. وبالتالي هو ليس موسيقياً فقط وإنما نموذج إنساني متميز جداً، ثم إنه كان محباً للناس وللخير، أصيب بالطرش وأراد الانتحار في الثانية والثلاثين من عمره، وتوفى في عمر السابعة والخمسين، وكل الأعمال العظيمة المعروفة التي قدمها، قام بتأليفها وهو أطرش، ومنها "السمفونية الخامسة" و"السمفونية التاسعة" وسوناتا البيانو "أباشيوناتا"».
ويوضح أنه امتلك قوة إرادة هائلة ونادرة في تاريخ البشرية، وكان يتواصل مع الآخرين عن طريق الكتابة، لأنه حرم من حاسة السمع وهي أغلى ما يملكه الموسيقي، وبالتالي حرم من المجتمع وبات يبتعد عن الناس، فعدم السمع يولد حالة اضطراب وعصبية، لم يتزوج وانتقل من سكنه ستاً وعشرين مرة في "فيينا" نفسها، وفي تلك الحقبة لم يكن من الطبقة الأرستقراطية ولكن كل علاقاته مع هذه الطبقة. كما اهتم بالشأن العام ومزق إهداءه لنابليون، واهتم بالِشأن الألماني الإنساني وتمثل هذا الأمر في أعماله "السمفونية التاسعة، نشيد الفرح". وبالتالي هو لم يكن موسيقياً فقط وإنما إنسان بحق، ومن هنا كان بيتهوفن "أسطورة".
وفيما يتعلق بتركيزه على تقديم معزوفات "بيتهوفن"، يقول: «لم أعزف له فقط، ففي هذا العام عزفت مع "الأوركسترا" ضمن ثنائي "الكمان والبيانو"، وثنائي "البيانو" أعمالاً لـ: "ديه فايا، بروخ، موتسارت، باخ، برامس، رخمانينوف، شوبان". ولكني أمتلك الآن القدرة أن أعزف أعماله كما أرغب، فالكثير من المستمعين يضعون التسجيل ويقارنون، وهنا ينبغي على الموسيقي أن يمتلك القدرة على عزف هذا التسجيل في أي مكان في العالم».
مشروع الموسيقا الوطنية
حول مشروع الموسيقا الوطنية الذي أنشأه يلفت إلى أنه عبارة عن قسمين: «الأول عبارة عن سبع قصائد وثلاث قطع بيانو وفيه روح شرقية، أما الثاني فشرقي وفيه ربع صوت غير الموجود في الموسيقا الغربية، وقد غنى القصائد فنانون منهم "ديمة أورشو، منال سمعان، رشا رزق، شادي علي"، ومن الطبيعي أن يكون الطابع شرقي لأن اللغة العربية يجب أن تُنطق بشكل سليم، وهذا موضوع يتعلق بالثقافة الأدبية والشعرية. كما أنه يضم قطعة مهداة للكنيسة لقداسة "البطريرك زكا عواظـ"، وفيه أيضاً "نشيد وطني" وقطعة "جاز"».
ويتابع: «ألّفت أيضاً موسيقا خاصة للأطفال وكانت مميزة وليس فيها استخفاف بعقل الطفل، وقد سجلتها في التلفزيون، وهناك قصائد للمرحوم ياسر المالح، وحتى نشيد "ماما ماما يا أنغاما" للشاعر "سليمان العيسى" أنجزته بطريقة مختلفة وقال لي حينها أن لحني للنشيد الذي عُولج من قبل أكثر من موسيقي هو أفضل ما تم إنجازه، واعتبر كلامه وسام على صدري. وهناك اقتراح لنشيد وطني جديد، وألفت موسيقا للمسرح والتلفزيون والسينما، ولدي كتاب عن مشروع مدرسة تحضيرية موسيقية للأطفال من سن 7 -9 سنوات أو من سن 6-8 سنوات، علماً أنه ليس هناك تدريس موسيقي فعلي في المدارس».
ولكن هل تحقق الحلم؟.. يجيب "زركلي": «أشعر بإحباط شديد، وأحس انني لم أستطع تحقيق شيء مما كنت أحلم به، ما عدا موضوع العزف، فيمكنني العزف في أي مكان في العالم، وأن أكون على مستوى عالٍ. بالإضافة إلى نجاحي في مجال التدريس الجامعي لعزف البيانو، وأتمنى أن يستفيد الناس مما أقدمه، وهو أمر أعتز به، فنحن بحاجة للقدوة من نساء ورجال، وهناك فجوة بين الجيل القديم والجيل الحديث، فالموسيقا لم تولد عام 1960 بل كان هناك من درسوا وسافروا إلى الخارج مثال "نجم السكري ونور رحيباني"، وبالنسبة إلي فالتدريس هو الأمر الذي يدعمني معنوياً، ويهمني شخصياً موضوع التعليم والمناهج والنقابة، فالموضوع حلقة متكاملة وليس مجرد حفلة موسيقية».
أما عن كتبه المؤلفة والمترجمة، فيقول: «كتاب "الصوت والزمن.. رحلة عبر فن النغم" وكتاب "مبادئ النغم والإيقاع بين الهواية والاحتراف" وكتاب عن الموسيقا والموسيقيين وهو مجموعة مقالات تشكل أقل من نصف مقالاتي، كذلك قمت بترجمة مسرحية من الألمانية للعربية تتكلم عن سجن صيدنايا قبل سقوط النظام المخلوع بعدة أشهر وكاتبها من "جبلة" وكان سجيناً، وفكرتها عن تقديم السجناء عروضاً مسرحية. كما ترجمت ستة كتب وهناك كتاب له طابع ساخر يشبه في نهجه أجواءَ "عزيز نسين"، لكنه لم ينشر بعد، وهو بعنوان "كيف تصبح ألمانياً" ويتكلم عن الألمان وطبيعتهم، وترجمت كتب عن علم الجمال الموسيقي للمؤلف "إدوارد هانسيلك"، ورواية للكاتب "خوسيه لويس سامبيدرو"، ودراسة عن الرجل والمرأة لـ "باربارا وآلان بيز"، ومجموعة قصص لـ "تشيفان تسفايغ"».