رغم حداثة سنّه يفرض الشاب "ميار شاهين" من مواليد دمشق عام 2012، حضوراً مميزاً في المشهد الموسيقي بفضل أدائه الاحترافي وتمكنه اللافت من العزف على آلة "العود"، بعد أن سجّل مشاركات بارزة في عدد من الحفلات والمهرجانات الفنية داخل سوريا وخارجها، وصقل موهبته بالمثابرة والتدريب المستمر، متأثراً بأسلوب عازف العود الراحل "نزيه أبو الريش" الذي ترك بصمة واضحة في ذائقته الموسيقية.

البداية واكتشاف العود

ارتبطت رحلته الموسيقية منذ الطفولة بعشق خاص للألحان العربية الأصيلة قبل أن يقوده شغفه بالموسيقا إلى اكتشاف آلة "العود" التي أصبحت محور مسيرته الفنية، وفي حديثه إلى "مدونة الموسيقا" عن بدايته، يروي "ميار شاهين" تفاصيل علاقته الأولى بالموسيقا قائلاً: «بدأت مع الموسيقا في سن مبكرة، حين كنت في السادسة من عمري في الصف الأول الابتدائي، واكتشفت ميلي الكبير نحوها، فكلما سمعت لحناً جميلاً أشعر بانجذاب إليه. ومع مرور الوقت أصبحت أميل أكثر إلى الأغاني الطربية الأصيلة وأعمال كبار الفنانين والملحنين، ورغبت في استثمار وقت فراغي فقررت تعلم العزف على آلة موسيقية، وبدأت مع "الغيتار" بعد التحاقي بالمعهد الموسيقي، لكن حبي للموسيقا قادني إلى اكتشاف آلة أخرى غيّرت مسار رحلتي الفنية، فكنت أسمع عزف "العود" في القاعة المجاورة داخل المعهد، وكلما استمعت إلى صوته شعرت بدفء خاص وجمال لا يوصف، ووجدت فيه الآلة التي تعبّر عن إحساسي الحقيقي، فانتقلت إليه بعد شهرين فقط، ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلتي الحقيقية مع هذه الآلة».

ويتابع: «تلقيت تدريبي لمدة عام على يد الأستاذ "أحمد عبد الوهاب"، تعلمت خلاله أساسيات العزف وقراءة النوتة الموسيقية، ثم واصلت التعلم بشكل مستقل معتمداً على الاجتهاد والتدريب المستمر، حيث كنت أخصص ما بين ثلاث إلى أربع ساعات يومياً لتطوير مستواي الفني، وخلال هذه الفترة حظيت بدعم وتشجيع الدكتور "عمار آل إبراهيم" والأستاذ "معاذ إدريس" إلى جانب أستاذي "أحمد عبد الوهاب"، وكان لهم أثر كبير في تقدمي، كما تأثرت باهتمام الأستاذ "أحمد غصون"، وأنا اليوم في الرابعة عشرة من عمري بعد انتقالي إلى الصف التاسع، ولا أزال أطمح إلى مواصلة الرحلة، لأن الموسيقا بالنسبة إلي جزء من حياتي وغذاء للروح».

ميار شاهين عازف العود

المحطات المؤثرة

ميار شاهين عازف العود

يقول "شاهين" في حديثه عن مشاركاته الفنية والمحطات التي أثرت في مسيرته: «شاركت في العديد من الحفلات الموسيقية والفعاليات الفنية، إلى جانب مشاركتي المستمرة في الأنشطة المدرسية، الأمر الذي منحني سعادة كبيرة، خاصة عندما أرى تفاعل الجمهور واستمتاعه بما أقدم، مما شكل دافعاً قوياً للاستمرار وتطوير نفسي».

ويتابع: «من أهم المحطات مشاركتي في منتدى "العود الثاني" الذي أُقيم في واشنطن عام 2026 برعاية الأستاذ "معاذ إدريس" وكانت تجربة استثنائية جمعت عدداً من عازفي "العود" من مختلف أنحاء العالم، وأتاحت لي فرصة التعرف إلى مدارس وأساليب موسيقية متنوعة والاستفادة من خبرات موسيقيين متميزين، وأعتبر هذه المشاركة نقطة تحول مهمة لأنها منحتني ثقة أكبر بنفسي، وشعرت بعدها أنني حققت تطوراً ملحوظاً على الصعيد الفني. لكن أكثر من أثّر فيّ هو المبدع الراحل "نزيه أبو الريش" الذي شدني إلى أسلوبه وقدرته على المزج بين الموسيقا الشرقية والغربية، وخاصة إدخاله روح موسيقا الجاز إلى القوالب الشرقية مع الحفاظ على الهوية العربية، وكان هذا الأسلوب قريباً جداً من ذائقتي، فاستمعت كثيراً بتقاسيمه وطريقته في التعبير الموسيقي».

ميار شاهين بعمر أصغر

وفي حديثه عن ذائقته الموسيقية وطموحه يقول: «أؤمن أن الموسيقي الحقيقي ينبغي ألا يكتفي بلون موسيقي واحد، فعليه الاستماع إلى مختلف الأنماط ليطوّر ذائقته وخبرته». ويؤكد حرصه على الاستماع إلى أعمال كبار الفنانين بمن فيهم "وردة الجزائرية، نجاة الصغيرة، وديع الصافي، أم كلثوم"، كما يستلهم الكثير من أعمال كبار الملحنين الذين أثروا الموسيقا العربية بإبداعهم، وفي مقدمتهم "محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، بليغ حمدي، محمد القصبجي".

وعن العوامل التي أسهمت في بناء تجربته يقول: «من أهم الدوافع التي شجعتني أنني نشأت ضمن عائلة تهتم بالموسيقا فكانت السند الأول بالنسبة إلي، حيث حرص والداي على الاستماع إلى الأغاني الطربية، فكبرت وأنا أستمتع بهذا اللون الموسيقي، مما ساهم في تنمية ذائقتي الفنية وحبي للموسيقا». ويشير إلى ما حققه من إنجازات حيث حصد المركز الأول على مستوى سوريا في العزف على آلة "العود" ضمن مسابقة الرواد عام 2023، إضافة إلى مشاركته في مهرجان "مالمو" بالسويد للعزف على آلة "العود" عام 2024.

المخرج السينمائي العُماني عمار آل إبراهيم4الموسيقي غيث الماغوط
الفنان والموسيقي معاذ إدريس

التطوير وتجاوز الصعوبات

عن مراحل التطور والتحديات التي واجهها، يقول: «الأعمال الموسيقية والتقاسيم التي أقدمها هي ثمرة سنوات من الصبر والتدريب المستمر، فالتطور في الموسيقا لا يتحقق إلا بالتدرب اليومي والاجتهاد. وأحرص يومياً أن أتدرّب على "العود"، وإن لم أتمكن من العزف أخصص وقتاً للاستماع والتحليل، لأن الاستماع الواعي لا يقل أهمية عن التدريب، وساعدني ذلك كثيراً في تطوير أسلوبي وإتقان التقاسيم، كما أستمع إلى مختلف المدارس الموسيقية الشرقية والغربية، وأستفيد من كل تجربة وخبرة محاولاً المزج بين هذه الأساليب بما يحافظ على هوية الموسيقا العربية ويمنحها لمسة خاصة، وأدين بالفضل لكل الأساتذة والعازفين الذين تعلمت من تجاربهم، لأنهم أسهموا في صقل خبرتي الموسيقية».

ويتابع: «واجهت الكثير من الصعوبات وتطلّب التدريب جهداً وصبراً كبيرين، وفي بعض الأحيان كنت أشعر بالتعب، لكن تحسن مستواي وتطور أدائي، يمنحني دافعاً أكبر للاستمرار، وأعتبر أن كل تحدٍّ خطوة تقربني من هدفي، كما أن للدعم الذي تلقيته من عائلتي وممن هم حولي أثر كبير في تشجيعي على مواصلة هذه المسيرة، أما طموحي فأن أصبح من عازفي "العود" المتميزين على مستوى العالم، وأقدم موسيقا جديدة تحمل بصمتي الخاصة تمزج بين الأصالة والإبداع وتصل إلى قلوب الناس، وأن أكون امتداداً للموسيقيين الكبار الذين تركوا أثراً جميلاً في تاريخ الموسيقا العربية».

دعم الأسرة وصناعة الشغف

تؤدي الأسرة دوراً أساسياً في اكتشاف مواهب الأبناء ورعايتها، إذ يشكل دعمها المبكر وتشجيعها المستمر حجر الأساس في تنمية قدراتهم وصقلها، عن البدايات الأولى لموهبة "ميار" تتحدث والدته السيدة "ديما جوهرة" إلى "مدونة الموسيقا" قائلة: «بدأ اهتمامنا بموهبته عندما كان في السابعة من عمره، عندما لاحظنا شغفه بالموسيقا وسرعة تعلّمه، فحرصنا على دعمه بإلحاقه بأحد المعاهد الموسيقية، وسعينا لدعم موهبته وتنميتها من خلال تشجيعه على المشاركة في الأنشطة المدرسية، والحفلات والفعاليات الثقافية».

وتلفت إلى أنه قد أشاد بموهبته وإمكاناته الفنية الموسيقي "كمال سكيكر" خلال مشاركته في فرقة المسرح المدرسي، كما أشاد بعزفه الراحل "نزيه أبو الريش". وتؤكد أن "ميار" يمتلك موهبة مميزة وشغفاً واجتهاداً يفوقان عمره، متمنية أن يحظى بالدعم الذي يساعده لتحقيق طموحه، لافتة إلى أهمية أن تكتشف كل أسرة مواهب أبنائها وتحرص على رعايتها وتنميتها، لأن الموهبة تحتاج دائماُ إلى الدعم والتوجيه حتى تحقق إمكاناتها.

محطات الفخر والتحدي

حول أبرز المحطات التي شكلت مصدر فخر لها في رحلة ابنها مع الموسيقا، تقول: «هناك مواقف كثيرة شعرت خلالها بالفخر، أبرزها ظهوره في سن مبكرة عبر الإذاعة والتلفزيون، حيث نال عزفه إعجاب وتقدير الجميع، إضافة إلى انتشار مقطع فيديو له خلال فعالية مدرسية، إلى جانب حصوله على المركز الأول على مستوى سوريا في العزف على "العود"، كذلك شكّلت مشاركته في مهرجان "مالمو" و"منتدى العود" بواشنطن تجربة مهمة، حيث كان أصغر المشاركين ونال إشادة واسعة من الموسيقيين والحضور. وهذه الإنجازات تؤكد أن الموهبة التي حرصنا على رعايتها بدأت تظهر ثمارها، فقد تميز بالنضج والاجتهاد والانضباط، وهي صفات انعكست إيجاباً على مسيرته الموسيقية وتفوقه الدراسي، إذ أسهمت الموسيقا في تعزيز تركيزه وإيمانه بأن النجاح ثمرة التدريب المستمر والعمل الدؤوب».

وعن الصعوبات التي واجهها ميار في بداياته تقول: «واجه ميار بعض التحديات بحكم صغر سنه، من أبرزها حجم آلة "العود" الذي لم يكن مناسباً لعمره في البداية، إلا أنّ ارتباطه بها وحبّه لصوتها ساعداه على تجاوز الأمر، كما واجه مقطوعات موسيقية متقدمة بالنسبة لعمره، لكنه تمكّن من إتقانها بفضل التدريب المستمر والاستماع المتكرر والتدرّج في تطوير أدائه، وكان تشجيع الناس بعزفه دافعاً مهماً للاستمرار».

موهبة لفتت الأنظار

تحدث المخرج السينمائي العُماني "عمار آل إبراهيم" عن موهبة "ميّار شاهين" قائلاً: «تعرفت عليه بالمصادفة أثناء تصفّحي مواقع التواصل الاجتماعي، حين لفت انتباهي مقطع فيديو لطفل يقف في ساحة مدرسته حاملاً آلة "العود" التي تكاد تكون أكبر من حجمه، لكن ما قدمه من عزف فاق عمره بكثير، فكان أداءً موسيقياً يحمل إحساساً وموهبة لافتة، وبحكم خبرتي في صناعة آلة "العود" والعزف عليها، أدركت منذ اللحظة الأولى أنّه يمتلك موهبة فطرية، كما أثار إعجابي إحساسه بالمقام وطريقته في التعامل مع الآلة، وقدرته على تجاوز أخطائه أثناء العزف بإحساس موسيقي واضح».

ويتابع: «تواصلت مع إدارة مدرسته للاستفسار عنه، فعلمت أنه لا يملك آلة "عود" تناسب عمره، لذلك قررت أن أهديه عوداً من صناعتي صُمّم خصيصاً ليتناسب مع حجمه ليتمكن من التدريب بطريقة صحيحة، وقد أسعدني كثيراً أنّ أراه يعزف على آلة صنعتها بيدي، وأنا أؤمن بأن "ميار" ينتظره مستقبل واعد في عالم "العود"، فهو لا يملك الموهبة فحسب بل يتمتع بالإحساس والصبر والشغف، وهي الصفات التي تصنع عازفاً متميزاً، وأعتقد أنه قادر مع استمرار الدعم ومواصلة الاجتهاد أن يصنع أسلوبه الخاص، ويترك بصمة مميزة في هذا المجال، وأرى أن دعم الموهوبين لا يحتاج إلى إمكانات كبيرة بقدر ما يحتاج إلى أشخاص يؤمنون بقدراتهم ويمنحونهم الفرصة لإبراز مواهبهم، وأشعر بالفخر لأنني كنت جزءاً بسيطاً من بداية رحلته، وأتمنى له مستقبلاً يليق بموهبته».

منتدى العود إرث يتواصل

الفنان والموسيقي السوري "معاذ إدريس" المقيم في "الولايات المتحدة الأمريكية" ومؤسس "متحف الموسيقا العربية" في "واشنطن" وصاحب فكرة "منتدى العود"، يتحدث عن تجربة "ميار" قائلاً: «أعرفه منذ نحو أربعة أعوام، وخلال هذه الفترة حقق تطوراً لافتاً وقفزات نوعية في مستواه الفني، وقد شارك معنا في "منتدى العود" وأثار إعجاب الحضور، وخاصة عازفي العود المحترفين والأساتذة المتخصصين الذين تابعوا أداءه بدهشة، وإتقانه للتفاصيل الدقيقة في العزف، وطريقة تموضع أصابعه على زند العود، وهي مؤشرات تدل على أسلوب خاص وشخصية موسيقية واعدة، إلى جانب شغفه بالبحث الموسيقي ورغبته الدائمة في تطوير نفسه وتحدي إمكاناته، وقبل مشاركته في "المنتدى" دار بيننا حديث حول المقطوعة التي سيقدمها، فاقترحت عليه المزج بين الموسيقا الكلاسيكية الغربية والمقامات العربية المتقاربة معها، فقدم معالجة موسيقية مميزة لمقطوعة "الفصول الأربعة" للمؤلف "فيفالدي "مزج فيها بين الموسيقا الغربية والمقامات الشرقية بانسجام لافت ونال استحسان الحضور».

ويتابع: «رغم هذا المستوى فإنه لايزال في بداية الطريق، وأعتقد أن لديه الكثير ليقدمه في المستقبل، ولا بد من الإشادة بدور أسرته التي احتضنت موهبته منذ البداية ووفرت له الدعم إلى جانب اجتهاده الكبير وإصراره على التطور، وأرى أنه يحمل راية "المدرسة السورية" في العزف على آلة "العود"، خاصة في ظل غياب سوريا عن المشهد الفني العالمي خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى تراجع حضور هذه المدرسة، مقارنة بالمدرستين العراقية والمصرية رغم ما تمتلكه من إرث موسيقي عريق».

وحول تقييمه لموهبته يقول: «يمثل "ميّار" أملاً حقيقياً في استمرار "المدرسة السورية" في العزف على آلة "العود"، ومن خلال مواهب كهذه نستطيع القول للعالم أننا لانزال حاضرين، وأنا أؤمن بأنه يمتلك الكثير ليقدمه، فهو يتميز بأسلوب خاص وبلمسة فنية واستراتيجية مختلفة في العزف، واليوم بعد رحيل الموسيقي "نزيه أبو الريش" والذي كان أمامه الكثير ليقدمه لسوريا وللموسيقا العربية، أقول أن "سوريا" كانت وستبقى ولّادة بالمواهب فهي بلد غني بالإنجازات والأسماء اللامعة، والفنان السوري أينما حلّ يترك بصمته متجاوزاً الصعوبات بإبداعه، والفن السوري سيبقى حاضراً لأنه يستند إلى حضارة عريقة وطاقات متجددة، وأنا واثق بأن "ميّار" قادر على شق طريقه بنفسه، وسنعمل من جانبنا على توفير ما نستطيع من دعم وغطاء دولي يسانده في مواصلة مسيرته. ونعمل حالياً على تنظيم فعالية جديدة للآلات الوترية في واشنطن، وسيكون أحد المشاركين فيها، كما سيكون له حضور بارز في مشاريع "متحف الموسيقا العربية"، وسنسلط الضوء على تجربته ضمن مسيرة تطور آلة "العود" عبر التاريخ».

ويختم بالقول: «أعتقد أن "ميّار" يمتلك المقومات التي تؤهله ليصبح أحد أبرز أيقونات العود في المستقبل، وأهم ما أوصيه به هو الابتعاد عن الغرور والكبرياء فهما مقبرة الفنان، وأتمنى أن يبقى مجتهداً وألّا يلتفت إلى المبالغة في المديح أو الألقاب، لأن قيمته الفنية لا تحتاج إلى من يثبتها وهي كفيلة بأن تتحدث عنه، وأتمنى له دوام النجاح، وأسأل الله أن يوفقه في مسيرته».