تعيد "مدونة الموسيقا"، وفي إطار محاولتها حفظ الذاكرة الموسيقيّة السوريّة، ولملمة المبعثر والمتناثر منها، إحياء ونشر العديد من المواد المنشورة منذ أعوام على مدونة وطن eSyria مدعَّمةً بفيديوهات صوّرها فريقُ عمل المدونة آنذاك، ولم تنشرْ لأسباب فنيّة.

اختار آلة الكمان ليعبر بها عما يريد قوله ويترجم بواسطتها إحساسه، حاول من خلال مسيرته تقديم الصورة الناصعة للموسيقي الملتزم الذي ينظر للفن على أنه أداة ضرورية للرقي بمستوى الوعي الثقافي الاجتماعي. إنه الفنان "فادي اسكندر" الذي التقاه "موقع تدوين الموسيقا السورية" ليروي خطوات الطريق الذي سلكه حتى وصل إلى أكبر الفرق العربية وأكثرها احترافاً، يقول:

«نشأت في عائلة بعيدة عن الفن لكنها عائلة مثقفة وتهتم بمواهب أطفالها، وحدث أن اشترى والدي آلة "أورغ" كهدية لإخوتي الذين يكبرونني في السن، فلم يعيروه الاهتمام المطلوب مثلما فعلت أنا. فقد شدني كثيراً وبدأت محاولاتي في عزف الأغاني بشكل سماعي مما لفت انتباه والِدَي وتنبأ لي بمستقبل فني جيد. طورت نفسي مع دخولي إلى المدرسة من خلال اهتمام الأساتذة بي كموهبة صغيرة وإشراكي في الفعاليات التي تقيمها المدرسة دائماً».

فادي اسكندر

ومنذ ذلك الحين علم "فادي اسكندر" أن دربه هو درب الفن، ما دعا أهله لتسجيله في "المعهد العربي للموسيقا" بحلب: «اخترت آلة "الكمان" للتعلم عليها مع أني كنت أعزف على "الأورغ" و"الغيتار" قبلها لكني أحببتها وشدتني بشكل غريب، وفعلاً بدأت التعلم على أيدي الخبراء الروس الذين كانوا يُستقدمونهم لتدريس الآلات الغربية في سورية، وعلى يد الأستاذ "أواديس مانوكيان" الذي لعب دوراً محورياً وأساسياً في تعليمي».

خلال هذه الدراسة كان "اسكندر" يشارك في الحفلات التي يقيمها المعهد، ويعمل مع رفاقه في إقامة حفلات أخرى ضمن تجمعاتهم كأصدقاء، وفي كل سنة يتبوأ المركز الأول في المعهد كعازف "للكمان" إلى أن تخرج. كما دَرَس على صعيد آخر عام 1988 في معهد إعداد المدرسين "قسم الرياضيات" لأن قسم "التربية الموسيقية" كان مغلقاً حينذاك، وتم تعيينه مدرساً للمادة لكنه لم يلتحق بها لأنه لم يجد نفسه في هذا المجال رغم تفوقه فيه، وفضل التوجه للعمل الفني ولتدريس الموسيقا:

يعزف مع زوجته في إحدى الحفلات

«بعد تخرجي عام 1990 دعاني مدير المعهد العربي الأستاذ "هاشم فنصة" لتدريس آلة "الكمان" وكان ذلك. وبما أني درست آلة الكمان كآلة غربية لم أكن أعرّج نهائياً نحو الموسيقا الشرقية فكنت متخصصاً بالعزف الكلاسيكي البحت، لكن وفي عام 1997 وددت الخوض في مجال العزف الشرقي وعملت في فرقة الفنان "نور مهنا" وكنت قبلها شاركت بعدة مهرجانات وفعاليات كان أبرزها الحفل المقام في "دمشق" بمناسبة إطلاق الأوركسترا الوطنية السيمفونية. كما كنت عازفاً مع الأستاذ "بيرج قسيس" في فرقة "مهرجان الأغنية السورية" عام 2003».

بدأت مسيرة "فادي اسكندر" الفعلية حسب قوله، بالتعاون مع الأستاذ "نوري اسكندر": «شاركت معه كمغني كورال سرياني في مهرجان الموسيقا الدينية في "هولندا" عام 1999، وفي "دمشق" شاركته كعازف أول في مهرجان "الموسيقا العربية"، وقدمنا فيه أعمالاً من مؤلفاته». وفي الكويت أيضاً شكل فرقة رباعي وتري شرقي شاركت ضمن مهرجان للموسيقا الآلية، وفي العام /2001/ شارك في مهرجان اتحاد الإذاعات العربية وكان يقود الفرقة آنذاك المايسترو "أسعد خوري" الذي لفت انتباهه أثناء العمل فدعاه للعمل معه عندما تسلم إدارة فرقة السيدة "ماجدة الرومي" واستمر معه دون انقطاع من العام 2002 حتى عام 2006.

أثناء قيادته فرقة المعهد

ويتابع: «رافقت السيدة "ماجدة" في كل حفلاتها الداخلية والخارجية، وكانت زوجتي "تامارا خاجاتريان" معي في الفرقة ذاتها وهي عازفة كمان أيضاً. بالتزامن مع ذلك عُرِضَ علي العمل في فرقة السيدة "فيروز" وكانت تلك تجربة غنية أفخر بها، حيث لمست فيها روح الالتزام واحترام المواعيد والعمل الأكاديمي المنظم. استمرت هذه التجربة سنة واحدة كانت مليئة بالحفلات في كل من "دبي وقطر والولايات المتحدة الأميركية" إضافة لمهرجان "بيت الدين" الشهير في "لبنان". بعد ذلك توقفت "السيدة فيروز" تقريباً عن إحياء الحفلات فبقيت مع فرقة السيدة "ماجدة الرومي" لما بعد عام 2006 حيث رافقتها في العديد من حفلاتها حول العالم».

وعن قيادته لفرقة "المعهد العربي" يضيف الأستاذ "فادي": «تشكلت هذه الفرقة كفرقة موسيقا حجرة بدعوة من وزارة الثقافة عام 1993 فعملت فيها عازفاً إلى أن تسلمت إدارتها وتدريبها في العام 1998 وقدمنا باسم المعهد الكثير من الحفلات، إلى عام 2000 إذ ضممت للفرقة الأساتذة المدرسين في المعهد، وهنا كان يقتصر عمل الفرقة على موسيقا الحجرة فقط حتى عام 2003 حين أدخلت على برنامج عملها الموسيقا الشرقية واستمريت في تدريبهم، قدمنا في عام 2008 ثلاث حفلات في تركيا. وفي عام 2010 رفع المعهد يده عن رعاية هذه الفرقة فتوقفت نشاطاتها».

حاول "اسكندر" خلال هذه السنوات أن يضع رؤيا جديدة لبعض الأغاني القديمة منها للسيدة "فيروز" "راجعين يا هوى، رجعت الشتوية، فايق عليي"، ولسيد درويش أغنية "طلعت يا محلا نورها": «لا أقول هنا -كما يدعي البعض- بأني أعدت توزيع هذه الأغاني، إنما جعلتها صالحة لأن تعزف بفرقة أوركسترا مما يوجب وضع بعض التغييرات عليها. لكني أرى أن الموسيقا الشرقية وخاصة القديمة منها تعتمد على درجة "Tonic" وهي في علم الموسيقا درجة الاستقرار التي لا تعيرها الموسيقا الغربية أي اهتمام، بمعنى أن العمل الموسيقي في الموسيقا الشرقية يتيح التجوال في عدة مقامات ومن ثم العودة إلى "درجة الركوز"، ويكون مخططه بذلك أفقياً، بينما الموسيقا الغربية التي لا تعتمد على درجة الركوز يكون العمل على توزيعها عمودياً. فإن أردت توزيع العمل الشرقي بطريقة عمودية فإنك تلغي عامل "السلطنة" الأساسي في الموسيقا الشرقية، وبذلك تكون قد أسأت إليها بدل أن تحسنها، ولذلك لا أدعي أبداً إعادة توزيع القديم إنما كما قلت أن الأمر عبارة عن رؤية خاصة تؤهل هذا العمل لأن يقدم من فرقة سيمفونية، وأعمال "الرحابنة" التي عملت عليها شرقية لكنها تحاكي القوالب الغربية من حيث عدم اعتمادها على درجة الاستقرار».

ولكن هل يجد "فادي اسكندر" نفسه بشكل او بآخر متحيزاً للموسيقا الغربية على حساب موسيقانا؟: «أبداً.. لست متحيزاً للموسيقا الغربية، فأنا عربي طبعاً، وما أقدمه هو فن عالمي وليس غربياً، وأعتز بتراثنا العربي الغني لكن هذا التراث لا يمنعني من الخوض في التجارب العالمية لتوسيع مداركي وزيادة ثقافتي العامة والموسيقية على حد سواء، فلا أحد يلغي الآخر وخاصة في المجال الثقافي».

وعن رأيه في تعليم مادة "الكمان" اليوم ومدى أهمية وجود منهاج شرقي لها يضيف قائلاً: «بصفتي مدرساً للآلة فقد فكرت ملياً بهذا الموضوع وحاولت كثيراً أن أجد حلاً له، واعتمدت على القاسم المشترك في مناهج تعليم "الكمان" في كل دول العالم وهو أغاني الأطفال فوددت الانطلاق منها، لكني لم أجد أغنية واحدة يتفق الأطفال السوريون على حفظها وهذا شيء يدعو للتساؤل حقاً. ففي كل بلدان العالم توضع مناهج التدريب أو ما يسمى "الميتود" مبتدئة من أغاني الأطفال البسيطة من حيث الجملة اللحنية والتي تترك أثراً جميلاً في نفس الطفل عندما يصبح قادراً على عزفها لأنها تحرك فيه شيئاً يخصه ويعنيه».

وماذا عن الأغاني المدرسية التي نعرفها وما أكثرها؟: «هناك الكثير منها ولكن أياً منها ليس صالحاً ليكون أغنية موجهة للطفل إذ تراها من الناحية اللغوية والموسيقية سليمة، لكنها تفتقر بزخمها اللغوي إلى حس البراءة واللعب عند الأطفال وبالتالي وصلت إلى ما وصلت إليه من الغربة والبعد عن مدارك أطفالنا. فالطفل في مراحل تعليمه الأولى بحاجة لما هو مألوف لديه ليكون حافزاً له على التعلم، فماذا أسمعه؟ وعلى ماذا أدربه إن كنت أريد وضع منهاج شرقي للكمان؟ هل أدربه على "سماعي" أم "لونغا"؟ أم أدربه على أغنية لأم كلثوم لا تحاكي إدراكه ولا يفهم مغزى كلماتها؟».

وعن الاقتراحات التي يراها ضرورية للنهوض بالحركة الثقافية الموسيقية يقول الأستاذ "فادي": «من الضروري جداً العمل على زيادة المعاهد الموسيقية في "حلب" وفي كل المحافظات السورية، وأيضاً زيادة الأندية الثقافية ومعاهد الثقافة الشعبية التي من شأنها دعم الحركة الفنية وتبني إقامة الحفلات الموسيقية وذلك بدعم مادي أهلي أو حكومي، لأنه من الظلم بمكان أن نرمي كل همومنا على عاتق الجهات الحكومية. ولا نستطيع أيضاً الاعتماد على الممولين أو الرعاة من القطاع الخاص لأن همهم الأول -وبحكم قانون التجارة- هو الربح المادي، وبالتالي ستتوجه رعايتهم نحو الفن الشعبي الذي يدر عليهم أكبر قدر من الربح المادي والدعاية، وأسأل هنا ما المانع من إنشاء المسارح ودور الأوبرا في كل المحافظات السورية أسوة بدمشق؟ فمحافظاتنا السورية مليئة بالمثقفين، وعلى سبيل المثال في حلب ليس هناك إلا مسرح واحد مجهز بتقنيات صالحة لإحياء الحفلات الموسيقية».

الأستاذ "فادي" من مواليد مدينة "حلب" وهو متزوج من السيدة "تامارا خاجاتريان" وأب لطفلة اسمها "أنجلينا" عمرها ثلاث سنوات.