تواصل فرقة "شجن" حضورها في المشهد الثقافي والفني بمدينة "حمص" من خلال تقديم أعمال تستلهم التراث والفلكلور السوري، ساعية إلى إعادة تقديم "الأغنية السورية" بأسلوب موسيقي يجمع بين أصالة الموروثة وروح العصر، مما يعزّز حضور التراث في الذاكرة الموسيقية للأجيال القادمة.

شجن والبدايات

تتنوع اختيارات الفرقة بين الألوان الموسيقية المستمدة من البيئات والمناطق السورية المختلفة، في محاولة للحفاظ على الهوية الوطنية وإبراز غناها وتنوعها، وتقديمها للجمهور بروح جديدة وتواكب ذائقته الفنية.

عن البداية ومرحلة التأسيس تحدث لـ "مدونة الموسيقا" قائد الفرقة "نوفل دربول" قائلاً: «تأسست فرقة "شجن" في نيسان عام 2021، وجاءت فكرتها من تجربتي السابقة في تشكيل مجموعات وكورالات موسيقية، وبحكم عملي في مجال التدريب وتعليم الأطفال والشباب والشابات، حيث راودتني فكرة تأسيس فرقة موسيقية ثابتة ضمن معهد "شجن" الذي أدرّب فيه، تجمع بين محبي العزف والموسيقا، وتمنحهم مساحة للتعبير عن شغفهم وتطوير مواهبهم».

فرقة شجن

ويتابع: «يتغير عدد أعضاء الفرقة بحسب الحضور والالتزام وحفظ الأعمال والاستعداد للمشاركة على المسرح، ويبلغ عددهم حالياً ثماني فتيات وستة شباب، ورافقتني المغنية "فاطمة ديوب" منذ البدايات الأولى لتأسيس الفرقة، وهي تتمتع بخبرة سابقة في إحياء التراث، كما شهدت الفرقة خلال مسيرتها انضمام أعضاء ومغادرة آخرين فيما استمر عدد منهم معنا حتى اليوم، وأولي الكورال اهتماماً خاصاً لأنني أعتبره أساس الفرقة، فهو الذي ينقل الكلمة ويرافق اللحن الموسيقي ويمنح العمل بعده الوجداني والتعبيري. ويتم اختيار أعضاء الفرقة من المغنين والعازفين وفق رغبتهم بالانضمام، ونحرص أن يكون بينهم انسجام من حيث المحبة وروح التعاون، إلى جانب امتلاكهم مستوى مناسباً من الخبرة الموسيقية، وفي حال كان أحد الأعضاء بحاجة إلى تطوير مهاراته، نعمل على تدريبه وتأهيله، أما بالنسبة للأعمال الغنائية والموسيقية فاختار معظمها وأطرحها على أعضاء الفرقة، مع إتاحة المجال لأي عازف أو مغنٍ لاقتراح عمل يراه مناسباً، فنحن نتعامل مع بعضنا البعض بروح العائلة لإيماننا أننا عائلة متكاملة ومتحابة، ونتشارك الآراء ونتشاور حتى في اختيار البرنامج الموسيقي».

الحنين وذاكرة الوطن

حول اختيار أعمال الفرقة، يوضح: «حرصنا منذ البداية على الاهتمام بالتراث والفلكلور وتقديم الأغنية السورية بمختلف أشكالها، سواء الشعبية منها أم المرتبطة ببيئات ومناطق وشرائح اجتماعية مختلفة، لأن هذه الألوان تكمل بعضها البعض ولكل منها جماله وخصوصيته، ولدينا طموح لتسليط الضوء على مختلف المناطق السورية من خلال الغناء وتقديم نماذج من الأغاني التي عبّرت عن وجدان مجتمعات وبيئات معينة سواء في الريف أو المدينة، وعدم الاكتفاء بلون واحد من الفلكلور، كما نحرص على اختيار الأعمال ودراستها موسيقياً وتقديمها بأسلوب يراعي ذائقة الجيل الجديد، لذلك نميل إلى اختيار أغانٍ من تراثنا القريب نسبياً، تعود إلى نحو ثلاثين أو أربعين أو خمسين عاماً، بحيث تكون مألوفة وقريبة من الجمهور ويسهل التفاعل معها، إلى جانب تقديم بعض الأعمال التراثية الأقدم بأسلوب مبسط ومعبّر، بهدف إحياء هذا الإرث الموسيقي وتعريف الأجيال الجديدة به».

نوفل دربولي قائد فرقة شجن

وفيما يتعلق بأهم المشاركات الفنية للفرقة على الصعيد المحلي يقول: «قدّمنا العديد من المشاركات في دار الثقافة ومنابر ومؤسسات ثقافية مختلفة، من بينها المطرانيات والكنائس والجامعة والمنتديات الثقافية بحمص، إلى جانب مشاركات أخرى ضمن مشاريع وفعاليات ثقافية وفنية، وكانت آخر عروضنا في المركز الثقافي بحمص ضمن فعاليات مهرجان التراث اللامادي».

وعن سبب تسمية الفرقة باسم "شجن" يقول: «اخترنا الاسم لما يحمله من معنى جميل في اللغة العربية، فهو يرتبط بالشوق والحنين إلى الماضي والذكريات الجميلة وليس بالحزن كما قد يعتقد البعض، كما تأتي كلمة "شجن" في بعض المعاني للدلالة على تشابك أغصان الأشجار وتداخلها، وهو معنى أحببته كثيراً لأنه يعبّر عن حالة الترابط والمحبة التي أحرص دائماً لأن تسود بين أعضاء الفرقة، وأؤمن بأن المحبة والألفة بين أفراد الفريق تنعكس على العمل، ومن دونها يصعب الوصول إلى نتائج جميلة ومثمرة. ومن أسباب اختيار الاسم أيضاً ما ورد في قصيدة الشاعر الراحل "رشيد أيوب" حين قال "يا ثلجُ قد هيَّجتَ أشجاني، ذكَّرتني أهلي وأوطاني"، حيث جاءت كلمة "أشجاني" من "الشجن" بمعنى الذكريات والحنين إلى الأهل والوطن واستحضار الأشياء الجميلة المرتبطة بهما».

فاطمة ديوب مغنية في فرقة شجن

تشجيع المواهب الشابة

جان متري عازف كمان في الفرقة

يشير "دربولي" إلى أنه في معظم الأحيان يتولى مهمة توزيع الأعمال الموسيقية بحكم اختصاصه وتفرغه لهذا الجانب، حيث يعمل على إعداد الكلمات والتوزيع بما يتناسب مع طبيعة العمل وأعضاء الفرقة، مؤكداً أن لديهم بين العازفين أشخاصاً يمتلكون خبرات ومهارات مميزة، وقد تكون لديهم قدرات موسيقية تفوق قدراته في بعض الجوانب، لكن طبيعة عملهم والتزاماتهم لا تتيح لهم الوقت الكافي للتفرغ لهذا المجال.

ويتابع: «أقوم بتوزيع أدوار الغناء وفق النوتة الموسيقية مع مراعاة إمكانات كل الأصوات وطبقاتها المختلفة، كما نحرص أحياناً على توزيع الأدوار بطريقة حوارية، فيتبادل الشباب والشابات الغناء ضمن العمل بما يضفي عليه تنوعاً وجمالية أكبر، أما التوزيع الموسيقي فننجزه بالتعاون والتشاور مع العازفين، ونختار لكل آلة الجمل الموسيقية التي تتناسب مع طبيعتها وإمكاناتها، ونحرص على تشجيع الجيل الشاب ومنحه مساحة واسعة للمشاركة وإبراز موهبته، لذلك نمنح الأعضاء الشباب أدواراً منفردة، بهدف تعزيز ثقتهم بأنفسهم ونساندهم ونرافقهم خلال الأداء لأننا نؤمن بأن منحهم هذه المساحة يساعدهم على التطور واكتساب الخبرة، ويعزز روح التعاون والتكامل بين جميع أعضاء الفرقة».

محمد جعفر حمادة عازف قانون

وفيما يتعلق بخبرات العازفين وتنوع الآلات الموسيقية في الفرقة يقول: «يضم الفريق عدداً من العازفين على "العود والقانون والكمان والغيتار" إلى جانب عازفي "الإيقاع"، ونحرص على التدريب المستمر والتحضير للأعمال والحفلات المقبلة، ومن الأسماء التي رافقتنا منذ تأسيس الفرقة الأستاذ "كمال مارديني"».

وفي حديثه عن البرنامج الموسيقي للفرقة يوضح أنهم يعملون على إعداد برنامج موسيقي جديد يحمل هوية سورية متفردة، أما الطموح القادم فهو تأسيس فرقة للناشئة باسم "براعم شجن" تضم أطفالاً ويافعين من مختلف الأعمار، معظمهم دون سن الثامنة عشرة من عازفين وأعضاء في الكورال ، يتابع: «غالبيتهم من طلابي، أتولى تدريبهم على العزف والغناء وتحمّل المسؤولية، بهدف إعداد جيل جديد يحمل الرسالة ويواصل تقديم التراث والفلكلور والأغنية السورية، وأحرص خلال التدريبات على تعريفهم بمؤلف الأغنية وملحنها وتاريخها والمناسبة التي ارتبطت بها، لمنحهم جانباً من الثقافة والمعرفة التي تساعدهم على فهم ما يقدمونه».

فرقة شجن

الشغف وإحياء التراث

تحدثت المغنية "فاطمة ديوب" عن شغفها بالغناء ضمن الفرقة مستعرضة رحلتها الفنية وعلاقتها بالموسيقا قائلة: «على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً جمعتني بالأستاذ "نوفل دربولي" مسيرة من التفاهم والتعاون، ووحّدنا شغف مشترك بالموسيقا والغناء، وأردنا أن نترجم هذا الشغف إلى واقع من خلال موهبتنا وخبرتنا، لذلك سعينا إلى تدريب كوادر جديدة ومساعدة المواهب الشابة على تطوير قدراتها وتجاوز الصعوبات التي تواجهها في مجال الغناء، فمن هذا المنطلق جاءت فكرة تأسيس الفرقة، وعملنا على استقطاب المواهب من المغنين والعازفين، وقدمنا بعدها عدداً من الحفلات والأمسيات الموسيقية واضعين نصب أعيننا هدفاً أساسياً يتمثل في إحياء التراث السوري والتعريف بهذا الإرث الغني الذي تزخر به مختلف المحافظات، ولا سيما أعمال الفنانين السوريين الكبار التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وإعادة تقديمها بأسلوبنا الخاص».

وحول البرنامج الموسيقي الذي تقدمه الفرقة توضح: «نحرص على اختيار برنامج متنوع يعكس غنى تراثنا الموسيقي والفلكلوري، حيث نركز على التراث والفلكلور السوري ونختار أغاني تنتمي إلى هذا الموروث، ومنها أغانٍ قديمة لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية، إلى جانب أغانٍ من تراث "حمص ودمشق وحلب" وغيرها من المدن والمحافظات، ونهتم خلال التدريبات على التفاصيل بما فيها مخارج الحروف ووضوح الكلمات وإيصال اللحن والمعنى إلى المتلقي، بحيث يشعر الحضور أنه جزء من العمل ومتفاعلاً معه، ولمسنا صدىً طيباً ومحبةً واهتماماً كبيراً من الجمهور، ممّا دفعنا إلى إشراكه في أداء بعض الأغاني، إذ نترك له المساحة ليبدأ بالغناء لنجيبه بالمثل ضمن إطار تفاعلي فيه انسجام متبادل».

وعن مشاركتها كمطربة ضمن حفلات الفرقة تقول: «أدّيت بمفردي أغنية "آمنت بالله" للفنانة "لور دكّاش" كما غنّيت مقطعين من إحدى أغنيات الفنان "جوزيف عازار"، وقدمت في الحفل الأخير "موالاً" ضمن مجموعة من أغاني السيدة "فيروز"، وكانت هذه التجربة بداية لمشروع خاص بأغاني السيدة فيروز قدمتْ خلاله كل فتاة موالاً منفرداً، ومع ذلك نعتمد في الفرقة بشكل أساسي على الغناء الجماعي، ونؤمن بأهمية روح الفريق والتعاون بين أعضائه، ونعمل معاً على تطوير الأعمال وتقديم الموروث السوري بأصواتنا، كما نبذل جهداً كبيراً في التحضير للحفلات من خلال التدريبات المكثفة والعمل على تحقيق التآلف بين الأصوات والموسيقا».

"الكمان" صوت الشجن

عازف الكمان في الفرقة "جان متري" يتحدث لـ "مدونة الموسيقا" عن تجربته، قائلاً: «دعاني الأستاذ "نوفل دربولي" إلى الانضمام للفرقة وشاركت في عدد من الحفلات، لمست خلالها حالة من الانسجام والمثابرة بين أفراد الكادر، مما انعكس بشكل واضح على جودة العمل الموسيقي ونقائه».

ويشير إلى دور "الكمان" في التعبير عن "الموسيقا الشرقية" قائلاً: «"الكمان" آلة حساسة وصوتها يحمل الكثير من الشجن، وهذا ما يتقاطع مع اسم الفرقة وروحها، إذ يمتلك قدرة على ملامسة الروح والعقل والتعبير عن الوجدان، وحبي لهذه الآلة وشغفي بالعزف الشرقي عليها يحفزاني دائماً على تقديم أجمل الألحان المستمدة من تراثنا الموسيقي لجمهور حمص الذوّاق والمهتم والمتابع لهذا النوع من الموسيقا والحفلات، كما أن دور مدير الفرقة مهم جداً في تنظيم العازفين وتحقيق الانسجام بينهم، وفي تقديم الموسيقا الشرقية بأسلوب جميل ومبسط يصل إلى الجمهور، ونحن اليوم مستمرون لتقديم أجمل الحفلات التراثية، والمساهمة في إبراز خصوصية الموروث الموسيقي السوري».

"القانون" ركيزة التخت الشرقي

يَدرُس "محمد جعفر حمادة" البالغ من العمر 19 عاماً في السنة الثانية في معهد إعداد المدرسين في حمص – قسم الموسيقا، ولديه شغف بالعزف على آلة "القانون"، يتحدث عن مشاركته مع فرقة "شجن" قائلاً: «أعزف على "القانون" منذ الصف الخامس الابتدائي، وتلقيت تدريبي الموسيقي في معهد "محمد عبد الكريم" وشاركت في العديد من الحفلات والفعاليات الموسيقية التي أقيمت في المركز الثقافي ومسرح "عبد الحميد الزهراوي" في "حمص"، وانضممت منذ عام إلى فرقة "شجن"، وشاركت معها في ثلاث فعاليات موسيقية، وكانت ساعات التدريب تستمر لنحو ساعتين فيما تزداد كثافة البروفات خلال الأسبوع الذي يسبق الحفل، وقدمنا مجموعة من الأعمال الموسيقية لكبار الفنانين العرب، إلى جانب أغاني الفلكلور السوري والتراث الحمصي الأصيل، كما قدمنا أعمالاً من "السماعي واللونغات"، وعزفت بمفردي صولو "راست" في إحدى الأمسيات».

وفيما يتعلق بآلة "القانون" ومكانتها في "الموسيقا الشرقية" يقول: «أعتبرها من أهم الآلات الشرقية وركيزة أساسية في "التخت الشرقي"، لما تضيفه من ألحان وصوت مميز وفريد، أما طموحي مع الفرقة فيتمثل في تطوير أعمالنا الموسيقية وتوسيع نطاق مشاركاتنا لتشمل مختلف المحافظات، إلى جانب الارتقاء ببرنامجنا الموسيقي والوصول به إلى خارج "سوريا"».