نشأت المؤلفة الموسيقية وعازفة العود المقيمة في لندن "رحاب عازار"، ضمن أجواء تعبق بالموسيقا والأصالة. فقد بدأت حكاية عشقها للموسيقا منذ الصغر، هي من مواليد "حمص"، درست في "المعهد العالي للموسيقا" بدمشق وتخرجت منه عام 2014، ارتقت في مجال العلم الموسيقي بعد سفرها إلى المملكة المتحدة عبر منحة دراسية للحصول على درجة الماجستير، وقدّمت خلال مسيرتها العديد من الحفلات المنفردة، بالإضافة إلى مشاركتها مع فرق موسيقية وأوركسترات متنوعة. وأصدرت في شهر آذار 2026 ألبومها الأول تحت عنوان "هندباء" "Dandelion"، والذي جاء كما وصفت "نتيجة سنوات من التفكير والعمل الجاد". معها كان لـ "مدونة الموسيقا" هذا الحوار:
ـ ما أثر عائلتك عليكِ؟ وما حكاية أول عود عزفتِ عليه؟
علاقة عائلتي بالموسيقا كانت ولا تزال مليئة بالتنوع والسلام والصحبة، فالموسيقا كانت كالفرد الخامس في عائلتنا، تعيش معنا وتعرّفنا باستمرار على ما هو جميل وشفاف وجديد في أنفسنا وفي العالم من حولنا. ومن خلال العزف والغناء والاستماع الدائم في بيتنا اعتدت أن تكون الموسيقا موجودة دائماً، الأمر الذي مكّنني من بناء رابطة ضرورية وقوية معها، للعمل فيها كمهنة متطلِّبة.
كان والدي "سمير عازار" قد تفرّغ لصناعة الآلات الموسيقية في بيتنا، وأول عود عزفت عليه من صناعته وعمري حينها سبع سنوات، وهو عود صغير له ظهر مسطح لأستطيع العزف عليه بشكل مريح، وكنت محظوظة جداً أن أرى خطوات صناعة الآلات الموسيقية، فكان والدي يلقنني المعزوفات والأغاني في ورشته وهو يصنع أو يصلح آلة موسيقية، وربما هي أروع وأمتع طريقة يمكن أن يبدأ فيها شخص علاقته مع آلة موسيقية، وأعتبر أنني محظوظة جداً بعائلتي وبدايتي مع الموسيقا بهذا الشكل.
ـ كيف جاء اتخاذك قرار الاستغناء عن "كلية الصيدلة" لصالح "المعهد العالي للموسيقا"، وما ارتدادات هذا القرار؟
الخطأ بدأ أساساً عندما دخلت "كلية الصيدلة"، فأنا أميل بشدة لعلوم مختلفة تماماً كالرياضيات والفيزياء والفنون واللغة، وكانت كمية الحفظ التي تتطلبها تفوق بكثير طاقتي ومنطق اهتماماتي، في حين رأت العائلة أن "الصيدلة" ربما تكون فرعاً دراسته والعمل فيه ممكنان إلى جانب الموسيقا. لكنها كانت من أسوأ تجارب حياتي، وضياعاً مؤسفاً لجهدي الكبير في الثانوية العامة.
ارتدادات قرار ترك "الصيدلة" كانت تفرغي لدراسة الموسيقا، التي امتهنتها كخيار وحيد، فلم يكن هناك خط رجعة، والموضوع منذ ذلك الوقت يشبه الهروب إلى الأمام بالنسبة إلي. والعمل بالموسيقا له جوانب جيدة لكنه مُتعب نفسياً وجسدياً بشكل كبير، ويستنزف الوقت بشكل لا يعلمه إلا الموسيقيون، كما أن عدم الاستقرار بات أمراً ملازماً لحياتي، والشك والتساؤل عن احتمالات أخرى لحياتي المهنية موجود دائماً.
ـ ما الذي شكّله المعهد في داخلك من قناعات حول الموسيقا؟
عندما درست في "المعهد العالي للموسيقا" كنت وغيري نشعر أن "الموسيقا الغربيةً" وتقاليدها وطريقة التفكير فيها تحظى باحترام واهتمام أكبر من قِبل الكثير من المدرسين. مررت وزملائي بتجربة ًإثبات الذات كعازفين قادرين على عزف مؤلفات "فيفالدي وموتسارت" وآخرين على "العود"، "سوناتات وكونشيرتوهات" من موسيقا غير التي يعزفها "العود" عادة. ومن الناحية التقنية كانت هذه التجربة مهمة، فقد عززت لدي الالتزام والصبر والعنادً عند ملاقاة صعوبات تقنية أو عزف موسيقا غير مألوفة، لكنها كانت مُضرة من نواحٍ أخرى، فلم يكن هناك اهتمام بجوانب إبداعية وجمالية في العزف كالارتجال وفهم طبيعة آلة "العود" وآفاقها إلى جانب آلات أخرى غير "البيانو"، وكان فيها بعد عن المقامات والجذور والصلات الموسيقية الطبيعية في منطقتنا.
لكنني بشكل عام أعتبر أنها كانت تجربة غاية في الأهمية وقد سمح لي تعلمي في "المعهد العالي للموسيقا" بعزف برامج مختلفة عبر السنوات مع مجموعات موسيقية من مختلف أنحاء العالم بثقة وحرفية.
ـ ما الموسيقا التي كان لها التأثير الأكبر عليكِ وعلى نتاجك الموسيقي فيما بعد؟
الأعمال المعاصرة لموسيقيين من منطقتنا "بشكل خاص" كان لها تأثير على تخيلي لاحتمالات موسيقية جديدة ذات صلة قوية بما مضى، "أحمد الخطيب وفراس شارستان" هما من الموسيقيين الذين أحب أعمالهما كثيراً. كما أستمع لأنواع مختلفة من الموسيقا وأحب بشكل خاص التجارب التي تستكشف فيها "آلات النقر" بعمق وحرفة كبيرة مساحات إبداعية بين الشعرية والتقنية في آن واحد.
ـ أول عازفة "عود" تعزف رفقة "الأوركسترا الوطنية السورية للموسيقا العربية".. كيف حدث ذلك؟
في السنة الخامسة من دراستي في "المعهد العالي للموسيقا"، كانت "الأوركسترا الوطنية للموسيقا العربية" تستضيف في تلك الفترة عبر حفلاتها طلاباً ممن تمرّنوا بجدية والتزام على مقطوعة أو أغنية ما. وكنت قد أديت مقطوعة موسيقية في إحدى الامتحانات التقنية حظيت بتقدير اللجنة، وقام أستاذي القدير "محمد عثمان" آنذاك بتوزيعها لآلة "العود" بمصاحبة الأوركسترا الوترية كي نعزفها.
ـ ما الذي بقي في ذاكرتك من تجربتك مع فرقة "التخت الشرقية النسائية السورية"؟
بقيت الأوقات الممتعة والصداقات بيننا والتعامل مع تجربة الأداء على المسرح بتلقائية ودماثة إلى جانب الجدية والمسؤولية. كنت محظوظة أن تكون تجربتي الأولى على المسرح مع مجموعة من النساء الذكيات المليئات بالود واللطف. بقي أيضاً بالطبع التراث الجميل الذي عزفناه والأغاني التي اخترناها والبلاد المختلفة التي عزفنا فيها.
ـ ما الذي قدمته لك منحة "تشيفنينغ الدراسية"؟ وإلى أين وصلتِ في المراحل التعليمية الموسيقية؟
مكنتني المنحة من دراسة ماجستير في تعليم الموسيقا في "لندن"، وأتت في مرحلة مصيرية من حياتي كخريجة جديدة في بلد كانت تنهشه الحرب وعدم الاستقرار. كما مكّنني الانتقال إلى "لندن" عبر المنحة من اكتشاف البلد، وفرصي فيها بضغوط أقل خلال السنة الأولى، والدراسة كانت ممتعة ونمّت لدي الحس النقدي وجعلتني أطّلع على وجهات نظر مختلفة وتجارب كثيرة في تعليم الموسيقا.
ـ أين تكمن أهمية تقدير مجلس الفنون في إنجلترا بوصفك موسيقية واعدة للغاية؟
أهمية هذا التقدير في حينها كانت بالدرجة الأولى لوجستية، فهي تُعتبر توصية لوزارة الداخلية لتعطي إقامة فنان "بعد سنواتي الدراسية"، لكنها بالتأكيد مهمة بشكل معنوي وعملي أيضاً عبر السنين. كثير من الأماكن والجهات ومصادر التمويل مثلاً يهمها اعتراف جهات أخرى كي تتشجع على اختيار شخص أو مشروع ما لتُقدم له الدعم.
ـ ماذا عن الأمسيات الموسيقية المنفردة، وتلك التي شاركتِ فيها مع فرق موسيقية وأوركسترات متنوعة؟
أحب الاثنين واستمتع بهما. أكثر ما أحب هو الحرية التي تمنحني إياها الأولى والاستكشاف الجماعي الذي تتيحه الثانية.
ـ كيف تصفين الموسيقا التي تقدمينها على العود؟ إلى أي مدى هي شرقية وإلى أي مدى تغرّد نحو فضاءات أبعد؟
هذا سؤال صعب، لأني أعيش تفاصيل كثيرة مع هذه الموسيقا ومراحل التفكير والشعور بها، وصناعتها ربما تمنعني من وصفها باستخدام مصطلحات وتصنيفات معينة. بالنسبة إلي موسيقاي هي مثل البوح الشعوري أو الفلسفي المصاغ كقصائد، لا يهم تصنيف ًالكلماتً التي أستخدمها لصوغها، المهم ألا يكون فيها ما هو مُقحم لمجرد الإقحام. أتمنى أن يتلقى المستمعون موسيقاي كما أتخيلها قصائد محكمة تمنح المستمع مزيجاً من الخيال ومعالجة الواقع.
لا أعرف إن كنا نستطيع أن نقيس بشكل عام كم هي شرقية أو غير شرقية، فكل معزوفة مختلفة عن الأخرى، لكن ما أعرفه هو أنني على العموم لا أستطيع تخيل كتابة موسيقا تثير اهتمامي دون أن يكون الإرث ًالشرقيً "إن صح التعبير" موجوداً فيها بشكل أو بآخر.
ـ ما حدود التجريب والتحرر من الأنماط الموسيقية التقليدية عبر تجربتك في التأليف الموسيقي؟
ليس هناك حدود في هذا المجال إلا تلك التي يضعها الشخص لنفسه أو يضعها محيطه له، فتلقي الموسيقا وكتابتها أمر شخصي في الدرجة الأولى. وتاريخياً لم يكن هناك إجماع أو رأي واحد معياري حول أطر تحدد المجالات الإبداعية، فهي تتغير حسب الزمن والتجربة الشخصية وتجارب الآخرين، والجمهورً الذي يقرر الموسيقي التوجه إليه.
أعتقد أن الذي قواني في استكشافي هو تحرري من توقعات الآخرين إلى حد كبير، وارتباطي الشخصي بالموسيقا التي أكتبها بشكل قوي واقتناعي بها. لكن برأيي من الضروري أن يفكر الموسيقي بالصوت أولاً وهوية الصوت ووظيفته عندما يكتب لآلة معينة.
ـ هل يمكن القول أنك خرجتِ بـ "العود" نحو أفق أبعد، وأظهرتِ إمكانياته في حده الأقصى؟
من منظوري الشخصي، أشعر أنني من الأشخاص الذين اهتموا بكتابة موسيقا لـ "العود" تشبه التفكير والشعور الإنساني بتعقيده وبساطته في ذات الوقت، أتمنى أن يكون الأثر الذي أتركه هو أنني تحركت في مجال إبداعي يجمع الحرفة والتقنية مع الخيال البصري والمشاعر والأفكار.
ليس هناك موسيقي يكتب في فراغ إبداعي، وتجاربنا كلها تستقي مما مضى ويحدث، والأفق دائماً واسع ومتنوع بفضل كل من يستكشفونه.
ـ كيف يتم استلهام أفكار المقطوعات لتترجميها موسيقا؟
تختلف مصادر الإلهام فبعض مؤلفات ألبومي مثلاً بدأت كمؤلفات لـ "العود" على خلفية تعاون مع فنانة تشكيلية لمعارض رسم حول موضوعات معينة، بينما البعض الآخر كان رغبة شخصية في معالجة أو توصيف حدث معين أو حالة شعورية أو رأي فلسفي بموضوع ما.
ـ ماذا عن الترشيح لجائزة الآغا خان للموسيقى عام 2025؟
أسعدني جداً الترشيح وأن يكون ما أفعله مقدّراً ضمن دائرة فنية عالمية كهذه، كنت أتمنى لو جاء الترشيح بعد إصدار ألبومي الأولى، لأنني أعتقد أن الألبوم يعطي صورة أوضح عن الاتجاه الابداعي الذي كنت أعمل ضمنه في السنوات الأخيرة. ربما كنت قبل الألبوم في ذهن الآخرين مؤدية أكثر من مؤلفة مجددة نوعاً ما تستكشف مساحات جديدة. لكن بكل الأحوال كان الترشيح مفاجأة سارة وسعدت بالالتقاء مع أساتذة وأصدقاء قدامى وجدد في أيام الأمسيات التي قدموها في "لندن".
ـ حاز ألبومك الأول على منحة الصندوق العربي للفنون والثقافة "آفاق".. كيف تصفين هذه التجربة؟
كانت التجربة صعبة للغاية حيث اضطررت لإنجاز مهام لم يكن عندي الخبرة فيها من قبل، كالتفاصيل الكثيرة في عملية التسجيل والتحرير. تقريباً كل خطوة كانت جديدة علي، سجلت العود بنفسي في "لندن"، الكمان "أندرو تشنغ" والتشيللو "بين بولت-مارتن" في كندا، والايقاع سجله فراس حسن في" بلجيكا". الميكسينغ والماسترينغ أيضاً تُمما عن بعد في "البرتغال".
تعلمت الكثير عن الانتاج الفني من خلال هذه التجربة وتعمقت علاقتي بالموسيقا التي كتبتها لأنني قضيت كثيراً من الوقت معها واكتشفت أنني رغم الصعوبات كنت مستمتعة بها طوال الوقت. وممتنة جداً لـ "آفاق" ولكل الأشخاص الذين ساعدوني خلال التجربة ولكل المستمعين في سوريا وحول العالم.
ـ كيف كانت أجواء حفل إطلاق ألبوم "هندباء" "Dandelion"؟
كانت الأجواء حميمية للغاية، الصالة ممتلئة والجمهور استمع إلينا بالطريقة التي كنا نتمناها، طريقة ودودة منفتحة ومسترخية، استمتع الجمهور بمعرفة السبب وراء اسم الألبوم والقصص المختلفة لمعزوفاته بالإضافة لمقطوعات أخرى لمؤلفين ملهمين بالنسبة إلي.
صاحبني على "الكمان" فرا روستمجي، وعلى "التشيللو" هدى جاهانبور، وعلى "الإيقاع" أنتونيو روميرو، وكنا قد التقينا من خلال مشاريع سابقة.
العامل البصري كان مهماً بالنسبة إلي، لذلك كنا نعزف أمام خلفيات من صور جميلة لنبات الهندباء ونباتات أخرى مشابهة لإضفاء جمال بصري على المسرح، وكان هناك أيضاً حضور لقصيدتين مستلهمتين من الألبوم من كتابة "غالاهاد جونز".
ـ ما عدد المقطوعات في الألبوم، وأين تكمن خصوصية كل منها؟
يتضمن الألبوم ثمانية مؤلفات لـ "العود والكمان والتشيللو والإيقاع"، وهي: "أسئلة، جاذبية الوقت، سيرة حياة فقاعة، انغماس، سماعي، رمل وجذور، أزهار, الناسجات المسحورات".
أحب أن أترك مساحة لخيال المستمعين ليكوّنوا انطباعاتهم وعلاقتهم الخاصة مع كل معزوفة، لكن أستطيع القول أن الموسيقا في الألبوم تتناول موضوعات كالقدر والكفاح والخيال والطبيعة والحرية.
ـ من أين استوحيتِ عنوانه؟ وما صلة العنوان بالمقطوعات الموسيقية الموجودة فيه؟
كنت أنوي تسمية الألبوم "مذكرات من على الهامش"، لأنني طوال سنوات كتابة موسيقاه كنت أشعر أنني أستكشف طريقي في التأليف خلال ما يتبقى من الوقت بعد السعي الحياتي اليومي المُتعب بشكل شخصي دون اعتراف يذكر من العالم الخارجي، لكن لاحظت في أحد الأيام أن نبتة هندباء نمت دون تدخل من أحد على الشرفة في الطابق السادس حيث كنت أسكن. وكانت بالنسبة إلي لحظة رائعة، لأن هذه النبتة تعيش في ظروف غريبة وتعطي أزهاراً وبذوراً رائعة الجمال تنتشر بشكل مذهل كما أن فوائدها البيئية كبيرة جداً.
في "بريطانيا" الكثير من الناس يزيلونها من حدائقهم ويعتبرونها أعشاب ضارة بينما في "بلاد الشام" مثلاً هي غذاء مفيد واقتصادي، وبالنسبة إلي "الهندباء" رمز شاعري ملهم.
جاءت "الهندباء" لتكون أجمل صورة لما كنت أحاول التعبير به عن الظروف التي كتبت فيها الموسيقا وما تضمّنته من شاعرية وقوة.
ـ سبق وقلتِ: "أتى الألبوم نتيجة سنوات من التأمل والعمل الجاد".. ما المقصود بالتأمل، ما دوره وكيف يكون هو المحرض لإنتاج موسيقا مختلفة؟
أقصد التأمل "reflection" في أحداث العالم من حولي ومحاولة معالجتها فكرياً وشعورياً من خلال كتابة الموسيقا. فمع كل مؤلف جديد كنت أشعر أنني أقوى من الداخل وأستعيد زمام السرد في حياتي حول المواضيع التي تؤثر بها، وبأنني أتمسك "على طريقتي" بمبادئ ومشاعر وذكريات وأمنيات ضرورية كي أستمر في الحياة بشكل يمنحني المعنى والرضا والثقة.
هذا التأمل العميق الصبور مكّنني من معرفة ما أريد إيصاله من خلال الموسيقا بشكل واضح ومن الالتزام بالعمل الذي تطلبته كتابة المؤلفات. كان كالبوصلة التي حافظت على الاتجاه وأعطتني ثقة بأن ما أسعى لإيصاله موجود وأن مهمتي أن أستمر بالعمل لأجده.