هل يسحب "الذكاء الاصطناعي" البساط من تحت أقدام المطربين؟.. سؤال بات يفرض نفسه على المشهد الفني مؤخراً بعد التطور الذي شهدته تقنيات تمثلت بالعديد من البرامج مثل "suno, SVC, Udio" عبر استنساخ الصوت البشري ومحاكاة أصوات مطربين راحلين أو موجودين على الساحة الفنية.

تجارب وتساؤلات مشروعة

بتنا نسمع أصوات عمالقة الطرب الراحلين مثل "أم كلثوم، ليلى مراد، عبد الحليم حافظ"، كما هو حال مشروع "إحياء التراث" للملحن والمطرب المصري "عمرو مصطفى" والذي أعلن فيه عن إحياء أغنية جديدة من ألحانه بعنوان "أفتكرك إيه" حيث أحيا صوت الراحلة "أم كلثوم"، الأمر الذي لاقى جدلاً واسعاً حتى من قبل أسرتها. كما استخدم الهواة "الذكاء الاصطناعي" في صنع "دويتو" افتراضي لمطربين معاصرين، وحقق ذلك ملايين المشاهدات على اليوتبوب، أو صنع أغنية كاملة "صوت وصورة" بلغات مختلفة.

يطرح استخدام "الذكاء الاصطناعي" في إنتاج الأغاني العديد من التساؤلات على المدى البعيد، خاصة أن استخدامه يًمكّن الموزعين والمنتجين من اختصار تكاليف كثيرة مما يعني غزارة في الإنتاج، ولكن هل يمكن اعتبار الـ "AI" طفرة؟ وبما أن الملحن لن يحتاج للحناجر البشرية، فهل يستطيع منحها الإحساس البشري على المسرح؟ هل يمكن أن يحل الصوت البشري مكان الارتجال أمام الجمهور في الغناء؟ وكيف سيكون شكل التفاعل معه؟ وماذا عن "العُرب" و"الكاريزما" على سبيل المثال؟ وماذا عن الحقوق القانونية والفكرية؟.

الملحن صديق دمشقي

التنفيذ الموسيقي

الفنان محمد خير الجراح

أنشأ الملحن "صديق دمشقي" قناة مرئية وسمعية على "التلغرام" ينشر فيها أغاني من ألحانه مستخدماً "الذكاء الاصطناعي"، وهو يعتبر من أوائل الموسيقيين السورين الذين استخدموا هذه التقنية باستبدال الصوت البشري، وفي حديثه لـ "مدونة الموسيقا"، يقول: «منصة "سونو" عبارة عن مكتبة ضخمة تشمل أغلب ما يتعلق بالموسيقا والغناء بألوانه، وهي مفيدة في التنفيذ الموسيقي والأداء الصوتي بنسبه 90%. ورغم أنها حتى الآن لا تفي بالغرض تماماً في التنفيذ الموسيقي خاصة في تنفيذ المقامات الشرقية مثل "الرصد والبيات والصبا والسيكا", إلا أنها تقدم جودة رائعة وتنفذ وفق ما يطلب منها فيما يسمى بـ "البرومبت" أي الشرح التفصيلي لما ترغب أن تنفذه المنصة موسيقياً، كما تقدم إضافات موسيقية قد تأخذ بها أو تطلب الغائها في ميزة "الرتوش" المُتاحة التي تجريها على عملك الموسيقي. وبالتالي أرى أنها منصة جيدة للمبدع، وأركز على كلمة المبدع، فهو من يجيد التعامل معها في اخراج موسيقا رائعة لعمله، وليس ممن يطلب منها الكتابة أو التلحين معتبراً ذلك من إبداعه الشخصي».

تكاليف إنتاجية

وعما إن كان خفض تكاليف الإنتاج عن طريق استخدام "الذكاء الاصطناعي" سيشكل وفرة في الإنتاج يقول: «بكل تأكيد فإن كانت تكاليف الأغاني منخفضة فهذا سيؤدي إلى وفرة في الإنتاج، ولكن من باب المعرفة عن امكانيات "المنصات" الموسيقية قمت بطلب كتابة كلمات بموضوعات غنائية فجاءت أقرب لما يوصف بـ "صف كلام", وربما يروق ذلك للبعض عندما يطلب من "المنصة" أن تقدم أغنية كاملة مع التنفيذ الموسيقي والصوت، ولكن الإبهار بالتنفيذ الموسيقي يشغل من لا يتفهم معنى الجملة اللحنية المناسبة للكلمات، فيُعجب بالموسيقا والتنفيذ والجودة فقط. إلا أن هذا الكلام كان في السابق، أما اليوم ومع وجود منصات التنفيذ الموسيقي، وأركز هنا على جملة التنفيذ الموسيقي وليس الكلمات والألحان، فما يحدث هو قيام العديد من أهل الوسط الفني الحقيقيين بتنفيذ بروفات أعمالهم الغنائية على المنصة ثم يتم سحب الصوت الذي وضعته "منصة سونو" ويركب صوته على الموسيقا نفسها بتكاليف رمزية بإحدى الاشتراكات الشهرية المتاحة».

الفنان محمد خير الجراح

ويتابع حول إسهام إحياء أصوات عمالقة راحلين عند إعادة انتاج هذه الاغاني عبر "الذكاء الاصطناعي": «قرأت أن هناك مكتبات صوتية يجري العمل على تحضيرها لعمالقة راحلين, ومن باب المعرفة قمت بتجربة بروفة لحن لأسمعه بصوت المطربة التي أحب صوتها "شيرين عبد الوهاب" إلا أن النتيجة لم تكن موفقة، فالصوت قريب من صوتها ولكن الأداء لم يكن كذلك. وقد يعود السبب في ذلك لأن المنصات لا تزال في بدايتها، والأهم أن التجارب كانت مجانية وأعتقد أن ذلك سيكون متاحاً في المستقبل، وإنما باشتراكات شهرية كما هو الحال الآن مع المنصات التي تقدم نتائج باهرة، إن كان عبر الصوت أو الصورة أو الفيديو، لأنه وبالتأكيد ملكية هذه الأمور عليها حقوق».

الاستغناء عن المطرب

هل يمكن الاستغناء عن المطرب في المستقبل؟.. يجيب: «يمكن الاستغناء عنه في التسجيلات، ولكن الأهم هو التنفيذ الموسيقي الذي يعطي نتائج رائعة وبأقل تكلفة ووقت، كما يتيح للمبدع عدة خيارات للعمل الفني الذي يقدمه للمنصة كلمة ولحناً. وكما يحصل معي ومع أغلب من يود تقديم أعماله الفنية دون عناء البحث عمن يؤدي الأغنية، وربما لا يروق للبعض تواجد منصات تقدم أعمالاً فنية دون إحساس بالكلمة واللحن، ولكني أخالفهم بذلك بعد النتائج التي ظهرت في التنفيذ الموسيقى، وكأن الملحن قد قاد الإشراف على تنفيذ موسيقاه بنفسه وفيما يتعلق بأصوات الغناء فلن أقول إلا أن الذي لم يسمع أعمالاً مقدمة من فنانين حقيقين فلا يستطيع الحكم على ما أقدم، وكثيراً ما يكون الأداء فوق المتوقع، ولكن ذلك كله يعتمد على البروفة الصوتية الأساسية المرسلة من قبل الملحن».

ويشير إلى أن أعماله التي يقدمها من خلال أصوات منصة "suno" ظن كثيرون أنها أصوات لمطربين ومطربات حقيقيين، ويؤكد أنه يقوم حالياً بتنفيذ أعماله الموسيقية من باب حرصه على تقديمها لنخبة متذوقي فن الموسيقا والاستماع.

الهوية الموسيقية

حول الهوية الموسيقية لهذه الأعمال، يقول: «منصات الذكاء تنفذ ما يطلب منها فقط، والروح الموسيقية للملحن تظهر من خلال الجملة اللحنية المتضمنة في بروفة اللحن المرسل للمنصة، أما لدى الحديث عن أعمال غنائية معروفة تُقدم بأكثر من شكل فهي تعود للموزع الموسيقي الذي يكون له فكرة اخراج موسيقي تروق له، وتختلف من موسيقي إلى آخر، ومن عصر زمني ماضٍ إلى عصر حديث. وفيما يتعلق بالحضور الحي فهناك برامج لمعالجة الصوت قبل وصوله للجمهور على المسرح بحيث يوصل ميكرفون المغني بحاسوب عليه برمجيات خاصة لمعالجة الأصوات ومنها إلى "مكسر الصوت" الخاص بالعمل على المسرح . ويمكن القول أن منصات "الذكاء الاصطناعي" للموسيقا والغناء تبقى رائعة أمام المبدع، لكنها تعتبر نقمة على فن الموسيقا والغناء لأن هناك الكثير من المتطفلين على الفن. ولكن مع الوقت تكتسب خبرة التمييز بين كلمات الكاتب الحقيقي وكلمات "الذكاء الاصطناعي"، وبين ملحن يمتلك موهبة وخبرة في صياغة اللحن المناسب للكلمات وبين الذكاء المبهر بالتنفيذ الموسيقي».

تعديل الصوت البشري

الفنان "محمد خير الجراح" صاحب التجربة الفنية الخاصة في تقديم "مونولوجات فنية استعراضية" كان له رأي آخر في هذا المجال عند حديثه مع "مدونة الموسيقا"، يقول: «ليس لدي مرجعية تقنية أو معلوماتية حول موضوع طريقة استخدام خلق صوت بشري عن طريق برامج "الذكاء الاصطناعي"، فلدي معلومات عامة فقط، فهو عبارة عن تجميع معلومات حول ما إذا كان الصوت مناسب، أو يتم توجيه البرنامج لتنفيذ صوت عريض أو رفيع. ولكن ما أعرفه أنه حتى قبل دخول هذه التقنية كان يمكن تعديل الصوت البشري عبر برامج معينة تُعنى بالتسجيلات الصوتية بشكل خاص، حتى أن هناك تعديلاً يمكن أن يحدث على صوت المطرب وهو يغني».

وحول تكاليف الإنتاج يقول: «لا أعرف إن كان خفض التكاليف سيأتي على حساب النوعية، فالأمر لا يتعلق بتصنيع موسيقا فقط، ففي النتيجة هي مجرد آلة تصنع موسيقا، وتفتقر لخصوصية اللمسة البشرية، وينبغي أن يزود البرنامج بمعلومات وأن يستند على معرفته ليبني مادته، أما الإحساس الإنساني فهو أمر لا يستطيع تصنيعه ولا إضافته للموسيقا والغناء، وستبقى المشاعر الإنسانية ذات خصوصية. وأعتقد أن هذه الفورة ستكون كبيرة وهي لاتزال في البدايات، ولم نعرف "خيرها من شرها" حتى الآن، وبالنسبة إلي فأنا لا أميل لها كثيراً لأنها لم تُبنَ على مزاج فني».

ويتابع: «إن نفذت أصوات العمالقة أعتقد أنها ستكون متقنة، لكن بما أنها ليست بشرية ستبقى بعيدة عن الذاكرة وعن الروح حتى لو كان الصوت شبيهاً لحد كبير من الأصل. والأمثلة كثيرة فمهما نُفّذت أعمال لأصوات كبيرة مثل "أم كلثوم وصباح فخري" سيبقى في ذاكرتي تلك القدرات الصوتية والإحساس واللمسة الإنسانية، خاصة فيما يتعلق بموضوع الحفل المباشر وارتجال الفنان أحياناً، والذي يكون خارج نطاق ما هو مرسوم على الورق».

وفيما يتعلق بالهوية الفنية للأعمال التي تقدم من خلال "الذكاء الاصطناعي"، يشير إلى أهمية المخزون الإنساني الخاضع للتجربة الحياتية اليومية والتي تتبدل باستمرار وتتراكم عبر تاريخ الفنان الحياتي والفني، ويقول: «للفنان لمسته الخاصة التي لا تستطيع الموسيقا المصنعة الكترونياً خلقها، ومثال ذلك محاكاة آلة "القانون" لا يستطع مهما قاربه أن يكون مثل اللمسة والإحساس الحقيقي لهذه الآلة. مبدئياً أستطيع القول أن "الذكاء الاصطناعي" لن يتمكن حالياً من صنع هوية فنية خاصة. ولن يكون ولا باي شكل من الأشكال ما يشبه التفاعل الحي بين الجمهور المتلقي وبين الفنان أو الموسيقي».

ويشير إلى أنه ينبغي تطويع هذه التقنيات لنستطيع رفع مستوى الجودة التي تقدم فيها الموسيقا والكلمة واللحن والأداء كي تمنح العمل بريقه، لكنها لن تستطيع منحه الحالة الإنسانية الخلاقة والحالة الارتجالية التي يقوم بها الفنان والقرار الذي يأخذه في الفن.

وينتهي للتأكيد بأنه «سيبقى هناك صراع مستمر بين الجهتين فكلما تطورت التقنية ستزداد الحالة الخلّاقة عند الفنان، وإن لم أخض هذا المجال فيما يتعلق بالتلحين، لكني ولاأزال ميالاً إلى الطريقة التقليدية».